ترغب باكتشاف كنور توت عنخ آمون؟ تعالَ إلى بلجيكا!

لحظات مع آمون في قبره..

بروكسل ـ يعود منظمو معرض لكنوز الفرعون توت عنخ آمون بالزمن، ويتركون الزوار ليختبروا لحظات الدهشة الأولى التي عاشها هاورد كارتر مكتشف قبره، بعدما أعادوا تشكيل الكنوز كما كانت مكدسة لحظة اكتشافها... ويصاحب العرض صوت الرواي وهو يقرأ مذكرات كارتر التي وصف فيها تلك اللحظات.

واللافت في هذا المعرض الذي يستمر في بروكسل لغاية أوائل نوفمبر، أنه لا يعتمد على القطع الأثرية الأصلية بل على 1200 نسخة طبق الأصل عنها، نفذها في القاهرة فريق عمل مكون من 120 شخصا، بينهم صناعيون وخبراء فنون وآثار مصريون. استلزم إتمام عملهم حوالي 5 سنوات وقد بلغت كلفته 5 ملايين يورو، كما يقول المنظمون.

وفي هذا الخصوص، يؤكد المنظمون أن عملية "النسخ" جاءت لأداء وظيفة تحقق فكرة العرض، فيوضحون أن "النسخ المماثلة تسمح بإظهار القبر كما رآه مكتشفه".

ويدخل الزوار المعرض كما لو أنهم يدخلون عالما روائيا، إذ يصاحبهم صوت الراوي ساردا فصولا من مذكرات المكتشف كارتر، وهكذا يصلون معه إلى اللحظة التي عثر فيها على قبر الفرعون، فيقابلون حجرات القبر التي دخلها، الواحدة تلو الأخرى، ويشاهدون الكنوز التي تم تكديسها لتطابق المشهد الأول الذي رآه كارتر ووصفه في ملاحظاته، بعدما سجل عام 1922 واحدا من أهم الاكتشافات الأثرية في العالم.

وتقول دومنيك توت مديرة المعرض في بروكسل "نستخدم النسخ لأنه ليس لدينا خيار آخر لتحقيق فكرة المعرض"، كما تشير إلى أن شروط عرض وحماية الآثار الأصلية لا تسمح بوضعها كيفما اتفق، وتقول "مع القطع الأصلية كان من المستحيل أن نتمكن من إظهار حجرات القبر كما كانت".

ويلعب المنظمون على عنصري التشويق والمفاجأة، فيجلس الزوار مواجهين شاشات عرض تقدم صورا وثائقية تصاحب رواية كارتر. وفي اللحظة التي يتحدث فيها الراوي عن لحظة الاكتشاف تتكفل إضاءة قوية خلف الشاشة بإظهار حجرات القبر والكنوز مجمعة فيها كما رآها المكتشف، ويمضي هذا الجزء من العرض وكأن الزوار يتتبعون خطى كارتر ويرون بعينيه في الوقت الذي يصغون فيه لمذكراته وملاحظاته.

الجزء الثاني من المعرض قائم على فكرة التضاد، إذ يكتشف الزوار أن الكنوز التي رأوها أكواما في حجرات ضيقة لا تزيد حجم الواحدة منها عن بضع أمتار مربعة، وهي كثيرة لدرجة يلزم لعرضها فرادى مساحة كبيرة جدا. يتوزع المعرض على مساحة 4000 متر مربع ما يجعله واحدا من أكبر الاحداث الثقافية لعام 2011 في بلجيكا.

وبروكسل هي المدينة الأوروبية الثامنة التي يزورها المعرض، فهو يتجول منذ مدة في أوروبا، وتنظمه شركة "سيميل" الألمانية للمعارض.

وقد زاره في تجواله 1.7 مليون زائر، ويتوقع أن يحقق في بلجيكا 300 ألف زيارة، خصوصا أنه يحظى بمواكبة اعلامية كبيرة، بعدما أقيمت له حملة إعلانية ضخمة جعلت صورة القناع الشهير لتوت عنج آمون في معظم شوارع بروكسل.

ولعل أبرز ما يلاحظه الزوار هو اللمعان المبهر للقطع المنسوخة، والتي تبدو قادمة للتو من معامل الصك. وتقول مديرة المعرض أن القطع نحتت من الخشب والبرونز، وقد تم تلبيس كليهما بورق الذهب.

وعلقت على ذلك ايزابيل تراس خبيرة التحف المصرية في المتحف الملكي في بروكسل، قائلة "أحس أن الذهب يبدو ذهبا زيادة عن اللزوم".

اضافت في حديثها لمحطة التلفزة الوطنية البلجيكية "في الوقت نفسه، في ذلك الزمن كانت القطع تبدو كما نراها الآن، لكننا لسنا معتادين على رؤيتها بهذا الشكل. فلو رأينا معبد البارتينون في أثينا مثلما كان وقت بنائه، مع كل تلك الالوان على الزمر، لقلنا إنه فن هابط تماما".

وفي ورش التصنيع في القاهرة، كانت بعض القطع يعاد تنفيذها لتطابق الأصل. ويقول مصطفى العزابي، استاذ الفنون الذي شارك في صناعة النسخ إنه "من الصعب أن نعطي لهذه الشخصيات (التماثيل) حضورها الأصلي، خصوصا أنها شهيرة جدا".

يضيف إن قناع الفرعون الشهير مثلا "معقد جدا جدا من الداخل وقد أعدت العمل عليه مرتين، في المرة الأولى لم يكن ناجحا تماما فأعدته".

ولم يتح للمشرفين على تنفيذ النسخ الوقت الكافي لمعاينة القطع الأصلية في محف القاهرة. لذلك اعتمدوا كما يقولون، على رسوم مكتشفها وقياساته وملاحظاته «الغنية» التي لا تزال محفوظة في جامعة أوكسفورد.

لكن المفارقة التي استثمرها المنظمون لاضفاء أهمية اضافية للمعرض، أن بعض القطع المنسوخة صارت الوحيدة الموجودة الآن، بعدما فقدت الأصلية من متحف القاهرة خلال أحداث الثورة المصرية، وأبرزها تمثال توت عنخ آمون وهو يصطاد السمك بالرمح.

وزعت في ثلاث قاعات كبيرة بعض محتويات قبر الفرعون. فنجد هناك تابوته وأكفانه العديدة وقناعه الشهير، إضافة إلى عدد من القطع الاخرى من تماثيل واغراض شخصية وأسرة وأثاث. وهو سوف يحتاج إليها جميعها في حياته الأخرى بعد الموت، كما تقول الاساطير الفرعونية.

ويقدم من ضمن جولة المعرض مقتطف من فيلم يروي قصة حياة الفرعون، وآخر يروي حكاية اكتشاف هاورد كارتر.

ويجد بعض الزوار في هذا المعرض عزاء لهم كونهم لم يزوروا القاهرة. ويقول رينيه دوكستر وهو بلجيكي في السبعينات من عمره، "على الأرجح لن تتاح أمامي فرصة لأسافر إلى القاهرة حيث توجد القطع الاصلية".

يضيف "صحيح ان هذه القطع هي نسخ لكنها مصنوعة بطريقة رائعة، وهي تعطينا فكرة عما كانت عليه قبور الفراعنة".