كتاب مفتوح إلى الرئيس بشار الأسد

بقلم: يوسف الاشقر

سيادة الرئيس.

تحية احترام وتقدير.

موضوع رسالتي هو دعوة سيادتكم للقيام بثورة على النظام، لإزالة المفارقة الخطيرة بين متطلبات القضية القومية وواقع النظام. لا سيما أنّ هذه المتطلبات قد تضاعفت في السنوات الأخيرة لسبب مزدوج: تعاظم الأخطار الخارجية وتسارع وتيرة تقدمها من جهة أولى، وارتداد السياسات العربية مؤخراً على القضية بشكل سافر بعد أن كانت في السابق مكتفية بمظهر الموقف «الحيادي» اللامسؤول، من جهة ثانية.

إنها أخطر المفارقات في حياتنا القومية الراهنة. إزالتها باتت شأناً مصيرياً. إما أن تقوموا بثورتكم المنشودة على النظام لتغييره في صالح القضية، أو أن يتمكن المشروع الحربي العدوّ من الدخول علينا، من باب النظام، للانقضاض على القضية.

الأسباب الموجبة للثورة على النظام تتلخص بوجهين، الفساد والعجز.

فهو فاسد ومفسد في الداخل، وقد أفسد علاقة الدولة بالمجتمع إلى حدّ الصدام. فاعتدى على الدولة والمجتمع معاً. واستنزفهما معا. وأذلهما معاً.

وهو عاجز عن مواجهة التحديات الخارجية، بدليل كونه كلّي المعرفة بخصوصيات المواطنين، وقليل المعرفة بما يتهدد عموم الوطن. حتى بات العدوّ على عتبات الدار، والنظام شبه غافل. ولولا يقظة الرئيس وطليعة من رجالات الدولة ومؤسساتها العريقة ومن تيار التنوير الواعي، لما كان في الأدراج المخابراتية، التابعة للنظام، إلاّ القليل القليل من الملفّات أو الدراسات أو المعلومات الدقيقة عن المشروع الحربي المتقدّم. وقد يصحّ في هذا النظام ما قاله مكيافيلي في المرتزقة: هم عبء وعالة على الدولة في حالة السلم، وهم عديمو الجدوى في حالة الحرب. فضلاً عن أنهم يشكلون خطراً على الدولة في جميع الحالات.

مهمة ثورتكم، الأولى، هي تحرير الدولة من النظام. ومهمتها الثانية، تحرير المجتمع.

فالدولة هي الطرف الأصيل، والنظام دخيل اعتدى على الأصيل وأقعده، واختزل صورته. وعلى ثورتكم أن تعيد الحق إلى أصحابه والصورة إلى أصلها، بإلغاء الدخيل.

خصوصية ثورتكم المنشودة، وفرادتها، أنها ثورة الدولة على النظام.

وخصوصيتها الإجرائية العملية (المحكومة بالنجاح بالرغم من صعوباتها)، هي فرز ما تداخل من شؤون الدولة ومشاغل النظام، وإزالة الالتباس بين الانتماء إلى الدولة والتابعية للنظام.

عندها، وعندها فقط، يتمّ تحرير المجتمع من النظام.

أما الحيتان الجدد، قنّاصو المال العامّ والخاصّ، فمصيرهم التحقيق والمحاسبة الصارمة، لمصلحة العدالة، والعدل الاجتماعي، وخزينة الدولة. ولعلّ مصداقية ثورتكم تبدأ من وضع هذه الحيتان في قبضة العدالة.

نقول بالثورة لا بالإصلاح، في ضوء خصوصية وضعنا الراهن.

فالإصلاح، هنا، يمتد في الزمان ويخضع لنواميسه، والثورة تختصر الزمن وتخضعه لناموسها. الإصلاح وعد، والثورة واقع. الإصلاح، هنا، يتمثل بتغيير القانون، والثورة تذهب إلى تغيير روح القانون وحاضنته الثقافية والأخلاقية. الإصلاح يحتمل التشكيك به، والثورة إفحام. الإصلاح يتسع للاحتمالات والتردد، والثورة تحسم خيارها الواحد.

ما نقوله الآن في الإصلاح، يا سيادة الرئيس، هو قراءة لتجربتكم الشخصية مع هذا الموضوع في خلال السنوات الماضية. ألم يكن الإصلاح حلمكم الدائم، والتردد، من موقع النظام، كابوسكم؟ ألم تعِدوا نفسكم بالإصلاح، من ضمن النظام، قبل أن تعِدوا أياً آخر، فأصابتكم الخيبة المريرة قبل أن تصيب أياً آخر؟ ألم تسهروا الليالي الطويلة مع رجالات الدولة لوضع القوانين الجديدة، لكنها لم تبصر النور مع طلوع الصباح بسبب ظلامية النظام؟

وحدها الثورة، يا سيادة الرئيس، تتلاءم مع تسارع الزمن الجديد ووتيرة التحديات الداهمة. وهي فعل حاسم وفوري، يعبّر عن مصدر قوة ويؤدي إلى موقع قوة.

وحدها الثورة لا تكتفي بتغيير القوانين بل تعمل على تغيير روحها وثقافتها وأخلاقية تطبيقها. تتجاوز النص إلى الجوهر.

وحدها الثورة تستعيد الثقة بالسلطة وتعزز الإيمان بالقضية، كما تكشف عن مصداقيتكم العالية ليس فقط في الحرص المبدئي على القضية بل أيضاً في تصميمكم وقدرتكم على تأمين شروط انتصارها.

وحدها الثورة قادرة على تغيير المعادلة وصورتها، وبالتالي على تغيير موازين القوى لصالح القضية. تغيير المعادلة جذرياً من صورة نظام يرتهن الدولة ورئيسها في مواجهة الشعب، إلى معادلة جديدة، متحرّرة من النظام، تجمع الدولة والشعب، بقيادة الرئيس، على مواجهة المشروع الحربي العدوّ. وهذا من شأنه أن يغيّر ميزان القوى التقليدي ويُلهم ثوراتنا العربية ويسدّد خطاها.

أنتم، يا سيادة الرئيس، الطرف الأول المعنيّ بهذه الثورة بالذات، وأنتم الجهة الوحيدة القادرة على القيام بها.

لا نقول هذا تمجيداً لشخصكم، بل انطلاقاً من موقفكم المعزّز بموقعكم، من حيث إنكم رأس الدولة المطلوب إسقاطها، ورئيس البلاد المطلوب تدمير مجتمعها.

ليس صحيحاً أنّ المطلوب إسقاط النظام أو إصلاحه، فالنظام يتلاءم مع متطلبات المشروع الحربي العدوّ. فهو ينتمي إلى النظام العربي الواحد الذي خرجتم عليه منفردين. ثم إنكم، بسبب هذا الموقف المتفرّد، الحاكم العربي الوحيد الذي يتمتع بشعبية عابرة لحدود الدول العربية، المرسّمة، و«حدود» الطوائف والمذاهب المعمول على ترسيمها. ولعلّ هذا ما يقلق المشروع العدوّ بشكل مضاعَف ويزيد في تصميمه على تركيز حربه عليكم.

من هنا أنّ ثورتكم المنشودة على النظام هي استكمال لخروجكم على النظام العربي الواحد المشؤوم، وتعزيز قدرتكم على المواجهة.

هذه الثورة المنشودة هي قيمة في ذاتها، ومفترق طريق.

لكنها قيمة لا تكتمل إلا بما يُبنى عليها، ومفترق لا يكتسب كامل معناه إلا بسلوك الطريق التي فتحها. فتحرير الدولة والمجتمع من كابوس النظام هو، في وجهه الأهمّ، سبيل لمشروع مقاومة متكامل بين الدولة والمجتمع، قادر على مواجهة المشروع الحربي العدوّ.

نحن، يا سيادة الرئيس، لا نتعرّض لمؤامرة، مجرّد مؤامرة، تتراجع أو تزول إذا أحبطناها، وتنتهي مهمتنا بإحباطها. نحن نواجه مشروعاً حربياً لا كالمشاريع الحربية المعروفة: لا يكتفي بالهيمنة والاستغلال، كما الكولونيالية والإمبريالية، بل يتوخى الإلغاء. عقيدته الحربية هي الحرب على المجتمعات، بتدميرها المباشَر، أو بإدخالها في دوّامة التدمير الذاتي. وهو يحتضن الدول التي تسهّل له هذه المهمة أو تتولاها بنفسها، ويعمل على إسقاط الدول التي تمتنع وتتصدّى. هذا هو دليله الأساس والوحيد.

هذا المشروع لن يتراجع، يا سيادة الرئيس، كما يزعم التضليل الأميركي - الأوروبي ورُسُل الشؤم والذلّ من الأنظمة العربية. إنه ينكفئ على جبهة، لأيام أو أسابيع، ليطلّ على جبهات أخرى وبوجوه أخرى.

هجومه المصمِّم والحاسم على سوريا (الجمهورية العربية السورية) يعود لسبب مزدوج: منه ما يختص بسوريا في ذاتها، ومنه ما يتعلق بعلاقتها بالمقاومة.

ما يختصّ بسوريا يتلخص بموقعها المركزي في أهداف الاستراتيجيا الإسرائيلية (وهو عامل ثابت وسبب كافٍ بذاته)، وموقفها المتفرّد في العالم العربي، وتميُّز شعبها بوعيه القومي واستعداده ليصبح، بكامله، مجتمعاً مقاوماً.

أمّا ما يختص بعلاقتها بالمقاومة، فهو أيضاً سبب كافٍ بذاته. فالمقاومة، بالنسبة للمشروع الحربي العدوّ، هي ظاهرة خطيرة إقليمياً ودولياً، ونموذج رائد لعصر إنساني جديد يهدد مستقبل المشروع. ردعت الآلة العسكرية الإسرائيلية، فلم تمنع فقط اعتداءً، بل هددت جوهر وجود إسرائيل القائم على الاعتداء. وانتصرت على جيش القوة العظمى الإقليمية المدعوم بالقوة العظمى العالمية، فلم تنتصر فقط في معركة حربية، بل غيّرت قوانين المؤسسة الحربية في ذاتها. ثم قدّمت نموذجاً رائداً، فلم تُلهم فقط الثورات الشعبية العربية، بل أيقظت شعوب العالم، المستضعَفة، على ثقتها بنفسها وقدرتها على الدفاع عن حقها وكرامتها، فأسَست، بذلك، لعصر إنساني جديد.

من الطبيعي أن يجنّ العدوّ جنونه لعلاقتكم الثابتة بالمقاومة وإمكانية تطوّرها النوعي، وأن يكون شرطه الأوّل أو الوحيد فسخ هذه العلاقة، حتى يتاح له أن يستفردكم ويستفرد المقاومة، فيُسقط معادلة القوة الوحيدة القائمة في وجهه، ويستبق قيام معادلة أشدّ وأدهى عليه.

سيادة الرئيس،

هذا المشروع الحربي لن يتراجع. قدَرنا أن نعرفه على حقيقته من دون أيّ التباس، وأن نواجهه، وأن ننتصر عليه. ولعلّ الثورة على النظام هي الشرط الأول لاستباق العدو ووضعه أمام معادلة جديدة تُسقط مشروعه.

أرجو أن تتقبلوا، يا سيادة الرئيس، كامل اعتزازنا وثقتنا بقيادتكم.

يوسف الأشقر