مصر بعد الثورة: فساد..فوضى..عنف وانفلات أمني

القاهرة
البلطجية يسيطرون على شوارع مصر

ارتفاع أسعار المواد الأساسية داخل الأسواق المصرية يتواصل وسط توترات وإضرابات تشهدها أوساط الموظفين والعاملين في قطاعات الدولة المختلفة بسبب تدني الأجور ووجود تفاوت في الأجور في الكثير من القطاعات منها قطاع النقل والقطاع المصرفي، وتضرر القطاع السياحي الذي يغذي قطاعات عريضة صناعية وخدمية.

يدعم هذه التوترات عدم وجود رقابة حكومية وحالة الانفلات الأمني والاقتحام المسلح لأقسام الشرطة ومحاولات البلطجية فرض إتاوات على المحال التجارية، والتي كان من نتائجها وقوع حوادث بلطجة وعنف وقتل وتعدي على ممتلكات خاصة وعامة.

الأسرة المصرية تعيش حالة من القلق والتوتر ليس فقط بسبب أجواء التردي الأمني والسلوكي العشوائي في الشارع والأسواق وداخل الأحياء التجارية والسكنية، لكن أيضا نتيجة ذعر تردى الدخول وإمكانية نقص السلع التموينية، فالارتفاع المضاعف في أسعار المواد الغذائية يمثل بالنسبة لها مقدمة عدم القدرة على الشراء وربما اختفائها.

ثورة 25 يناير بالنسبة للأغلبية جاء لتنقذ مستقبل أبنائهم وبناتهم من الدمار الذي كانت بوادره قائمة أثناء النظام السابق، وأنها لكي تؤتي ثمارها لابد من الصبر، لكن ذلك لا يعني ترك البلاد "نهيبة" للفوضى والبلطجة التي قننها ووضع لها الأطر النظام السابق، وانفلتت برحيله لتنتقم من البلاد وتضعها على حافة الهلاك.

فوضى حقيقة داخل الشارع المصري سواء كان في حي راق أو متوسط أو حي عشوائي فقير، فوضى يستطيع أي مواطن داخل القاهرة التأكيد عليها حيث يلمسها صباح مساء، في كافة تحركاته وتعاملاته، فوضى لا تخص فئة من الناس دون أخرى.

وقد تجولنا داخل الأسواق للتعرف على آراء المواطن المصري، فوجدنا أن التعرض للسطو أو العنف يشكل هاجسا مفزعا يتجاوز ارتفاع الأسعار أو اختفائها، حيث أكدت السيدة نعمة عبد الرحمن ـ موظفة بقطاع التأمينات ـ أنها تخاف على نفسها وأولادها من النزول إلى الشارع مساء، نتيجة وجود أعمال بلطجة وسرقة بالإكراه وأحيانا تعدي بالألفاظ النابية، وقالت "أسكن بمنطقة الرماية نهاية شارع الهرم، وقد تعرضت المنطقة لأكثر من مرة لمحاولات البلطجية السطو على العمارات السكنية، ولولا تكاتف البوابين لنهبنا".

وأكدت أن الأمر مستمر، "الشرطة لا تعمل، في ذهابي وعودتي من العمل أنظر لردود فعلهم، وصدقني يمكن أن تتعرض للسطو والإهانة وأفرادها يتفرجون عليك دون تدخل، كأن الشرطة تخرج لسانها لنا".

ويعاني جمال رفعت ـ موظف أمن بإحدى الشركات الخاصة ـ من فوضى السيارات الخاصة "أعمل بوسط القاهرة، تخيل أن السيارات تركن حتى الصف الرابع، لا فرق بين سيارة ملاكي أو سيارة ميكروباس، وعندما تقترب من صاحب هذه السيارة أو تلك يتعدى عليك بالشتائم والسباب، لا فرق بين شخص متعلم وشخص بلطجي".

ورأى جمال رفعت أن ما يجري في الشارع فوضى كارثية "لا أخلاق ولا سلوك مهذب أو محترم، كل ما تتخيله يحدث، انفلات حتى في أوساط الفتيات وبخاصة الصغيرات، إنني أرى شباب وفتيات صغيرات في أوضاع مخلة في عرض الشارع، ولا أحد يجرؤ على أن يوجه لهم خطاب، لأنه عارف إن ممكن يضرب".

تطورات الأوضاع في مصر بعد مرور أكثر من شهرين على ثورة 25 يناير غير مطمئنة ولا تبشير بخير ما لم يتم التعامل معها بحزم وصرامة، والسبب في رأي خليل محمد السيد ـ مدير حسابات بإحدى المدارس الخاصة ـ أن الناس تعودت في ظل النظام السابق لحسني مبارك ورجاله على السرقة والرشوة والكوسة والاستيلاء على ما ليس لهم بحق لمجرد أنهم في السلطة، وهم الآن "لا يريدون العمل لأنه لا أحد ليسرقونه، انظر إلى ضابط الشرطة أو أمين الشرطة، كان دخله اليومي من بلطجية الميكروباس والرخص المنتهية للملاكي في الميادين كميدان التحرير وعبد المنعم رياض والجيزة وميدان لبنان لا يقل عن 200 جنيها في اليوم، هو حرم من ذلك اليوم، لماذا لا يعمل؟ قس على ذلك مختلف موظفي الهيئات والمصالح الحكومية، لم يكن هناك مكان في مصر تستطيع أن تنجز فيه مصلحة دون أن تدفع مقابلها".

وأضاف أن السرقة كانت متبادلة "المدرس يسرق من أولياء الأمور، وأولياء الأمور كل يسرق من المصلحة التي يعمل بها، والطبيب يسرق من المريض والمريض يرتشي في عمله، دائرة من الفساد والمصالح، لذا ما تراه من عنف وبلطجة وجرائم تتواصل من منطقة إلى أخرى في مصر لن ينتهي قريبا".

وتشكو السيدة إلهام ربيع مديرة مدارس خاصة من السلوك الفوضوي والمتطرف في الشارع "لو اعترضت على مخالفة السيارة التي تمر بجانبك، يطل سائقها برأسه من الشباك ليسبك ويتهمك بالحيوانية والغباء، وهو المخالف، أيضا لو تجرأت على بائع وقلت له أن السلعة غالية، يتهجم عليك، مرة صاحب أحد المحلات التجارية قال لي "غوري اشتري من مكان تاني"، تخيل الرد، الناس لا تطيق بعضها البعض اليوم والسبب في رأيي حالة الخوف والذعر من الوضع غير المطمئن في البلد كلها".

فاضل سلطان صاحب محل لبيع المواد الغذائية والحلويات أكد أن السلع زادت خلال الشهرين الماضيين زيادة كبيرة، مثلا الجبنة البيضاء التي كانت تتراوح أسعارها من 12 جنيها لـ 22 جنيها، وصلت لـ 30 جنيها، والجبنة الرومي والمعلبات، والزيوت "الكيلو تجاوز العشر جنيهات"، السكر بسبع جنيها، المكرونات، الدقيق، والألبان والمسلى بأنواعها، وكرب أسرة قال فاضل "كافة أنواع الخضراوات والفواكه غالية الثمن جدا، البطاطس والطماطم والبامية والملوخية، الخوخ والجوافه والتفاح والبرتقال، أصبحت ربة الأسرة تنزل إلى السوق وهي لا تعرف ماذا ستأكل أسرتها اليوم، لأن ميزانيات الأسر لم تتحرك، هذا إن لم تكن ضعفت".

وتشير هند عبد الراضي الطالبة بكلية التربية جامعة عين شمس إلى أن هناك حالة فزع بين الطالبات، وهناك تنبيه أسري بعد إرتداء الذهب أو حمل كمية كبيرة من المال أو الدخول في مشاجرة مع أي أحد في الشارع أثناء الخروج خوفا من السرقة والخطف والتعدي بالضرب.

وقالت هند "على الرغم من أنني أملك سيارة خاصة، إلا أنني لا أستخدمها الآن بسبب عمليات قطع الطريق، وهناك حوادث لزميلات تم الاستيلاء على مصاغهن وما يملك في السيارة أثناء عودتهن إلى بيوتهن وفي عز الظهر، أنا أذهب وأجيء الآن محتمية بالناس حولي، ولا أتأخر في الجامعة ".

ونفت هند أن تكون ثورة 25 يناير هي السبب فيما يحدث الآن في مصر، وقالت "الناس كانت فاسدة وفاسدة حتى الآن لأنها استمرأت الفساد، وما يحدث انفلات للفساد".

وحملت هند النظام السابق كل ما يجري في مصر من تفسخ الآن "حول ضعاف النفوس والمرضى وما أكثرهم في الهيئات والمصالح الحكومية والأجهزة إلى لصوص، وصعب أن تغير كل ذلك في يوم وليلة".