وبدأ فصل جديد في العلاقات الفلسطينية الفلسطينية..

بقلم: صبري حجير

مَرَت المحادثات الفلسطينية الفلسطينية في طُرقٍ وعرة ومسالك صعبة، وقد تجاوزت منزلقات ومطبات، حيثُ كانت الضغوط الإقليمية والدولية ثقيلة، على حركتي فتح وحماس اللتين شكلتا طرفي الإختلاف والإستقطاب في الساحة الفلسطينية، فكانت الضغوط الأميركية والإسرائيلية والمصرية تفرض على الطرفين المتحاورين، كلاهما أو أحدهما، في كثير من الأحيان، المقاطعة والإبتعاد، أو خفض مستويات الضخ المعنوي للفلسطينيين الذي من شأنه أن يخفض مستوى الإرتقاء في النضال الفلسطيني، في كافة الساحات، وعلى كلّ المستويات، وتؤمن من جهة أخرى، خدمة فائقة لمجريات السيطرة الإسرائيلية، وتحقيق مستلزماتها الإحتلالية. الإنقسام بالساحة الفلسطينية أضعف من شأن القضية الفلسطينية، ووضعها في مرتبة غير لائقة بها، لا تناسب حقيقتها كأهم قضية عربية في التاريخ العربي المعاصر.

ومن الأهمية بمكان ذكر التجاذبات الداخلية في الساحة الفلسطينية، والإصطفافات ذات الطابع الإنتهازي لبعض الفصائل الفلسطينية التي ارتضت الإصطفاف خلف إحدى الحركتين (فتح وحماس)، وكما أنّ البيئة السياسية الإنشقاقية أوجدت مناخات لظهور أفراد أو فئات في كلا الجانبين، يستندون في مواقفهم الى نزعات فردية، ومصالح انتهازية، أو يخضعون لأجندة خارجية، سياسية أو دينية، يقفون ضدّ إعادة اللحمة الفلسطينية.

في بيئة الإنقسام الفلسطيني نمت مجموعات وفئات عملت على تعزيز الإنشقاق، وحاولت إبقائه لأطول مدىً، لأنه في البيئة المنقسمة يقوى البعض الإنتهازي ويكبر وينمو، وقد يضعف البعض المبدئي ويذبل وينذوي! هي معادلة تستند الى تماسك الهيكليات التنظيمية، وقوة القوانين الناظمة وآلياتها التعبيرية.

انّ الوصول الى الذروة في الإتفاق، أي الوصول الى منصة التوقيع عليه من قبل القيادتين الفتحوية والحمساوية، يعني بالتأكيد الوصول الى وحدة البنية التنظيمية الفلسطينية القائمة على أساس تحالفي إئتلافي وحدوي، فرضته مقتضيات النضال الفلسطيني في مرحلتة التحررية. وهذا يعني أن الاتفاق سوف يشمل السلطة الفلسطينية الموحدة، في الضفة والقطاع، كما يشمل هيكليات منظمة التحرير الفلسطينية، حيثُ ينبغي أن تشارك جميع الفصائل الفلسطينية على أساس إئتلاف وطني، تحكمه علاقة توازن القوى الجديدة للفصائل والحركات الفلسطينية، التي أثبتت حضورها السياسي والتنظيمي، داخل الوطن وخارجه.

انّ التوقيع على الإتفاق الفلسطيني يعتبر بداية لفصل جديد في العلاقات الفلسطينية الفلسطينية، لأنّ الضرورات الوطنية باتت تفرض ذلك، وليست الأزمات التي تعاني منها الحركتين (فتح وحماس) كما يحلو للبعض أن يقول! لأن الواقع الفلسطيني يستمدّ قوته، في هذه القضية، من قوة الحراك الشعبي الفلسطيني، ومن قوة الواقع العربي الجديد الذي حقق بانتصاراته على الأنظمة العربية المرتبطة بالمصالح الأميركية والصهيونية نقلة تاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي، فأطراف المعادلة الفلسطينية يندفعون بقوة الوضع العربي الجديد. وبات من نافلة القول: أن الخاسر الأكبر من الإتفاق الفلسطيني الفلسطيني هي اسرائيل، والولايات المتحدة الأميركية، اللتان تفاجأتا بالإتفاق كما فاجأتهما الثورتين التونسية والمصرية. على حين غرّة، أعلن القيادي في حركة فتح عزام الأحمد، وموسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق المصالحة الذي لاقى ترحيبا فلسطينياً وعربياً وأوروبياً، فقد وجدت فيه أوروبا مخرجاً مناسباً للاعلان عن اعتراف دول الإتحاد الأوروبي بالدولة الفلسطينية؛ وقال دي روسا رئيس وفد البرلمان الأوروبي، يوم الخميس "ان على الإتحاد الأوروبي أن يرحب بهذه المصالحة التي من شأنها أن تسمح للفلسطينيين بالتحدث بصوت واحد..." ويوم السبت رحبت فرنسا على لسان متحدث باسم الخارجية الفرنسية برنار فاليرو باعتزام مصرإعادة فتح الحدود بصورة دائمة مع قطاع غزّة.

لم يعارض الإتفاق إذن إلاّ اسرائيل وبعض الأخوان المسلمين في الخارج؛ فقد أعلنت اسرائيل، دون مواربة عن امتعاضها، بل عبرت عن غضبها من الإتفاق. مباشرةً أطلق نتنياهو تهديداً لمحمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، بأنّ عليه أن يختار ما بينَ اسرائيل أو حماس! وكان الإتفاق الفلسطيني قد أحدث حالة من الإرباك في الحكومة الإسرائيلية، وترافق الإرباك الإسرائيلي باطلاق عدّة احتمالات قد تقوم بها الحكومة الإسرائيلية كردٍ على الإتفاق الفلسطيني بين فتح وحماس، وأولى الإحتمالات: رفض المفاوضات مع الحكومة الفلسطينية المرتقبة، وعرقلة إقامة دولة فلسطينية من جانب واحدٍ، ثمّ إعادة مسار الإنسحاب من بعض القرى بالضفة الفلسطينية، كذلك من جانب واحد، كما انسحب شارون من قطاع غزّة، أي دون عقد اتفاق سياسي مع السلطة الفلسطينية، انّ تلك المخاطر التي تلوح بها اسرائيل مع حجم من الضغوط على محمود عباس من قبل الولايات المتحدة الأميركية، قد تحقق تراجعاً دراماتيكياً، قد يطيح بالأمل الفلسطيني، وهذا ما دعى اليه محمود الزهار أحد قادة حركة حماس، بعد صلاة يوم الجمعة، في تنبيهٍ لأبي مازن بألاّ يسمح للمعارضة الخارجية، خاصةً للولايات المتحدة الأميركية للتأثير عليه!

باعتقادي أن الخطر الذي قد يأتي من الداخل التنظيمي (الحركي أو الفصائلي) ليسَ أقلَّ خطورة من الخطر الخارجي! لفت نظري مقال لأحد المحسوبين على حركة حماس في بريطانيا، يدعو فيه الى التزام الموقعين على الإتفاق الفلسطيني بشروط حماس التي كان قد أعلنها في مقال سابق عام 2009. معتبراً أنّ المأزق الذي تمر فيه حركتي فتح وحماس هو الذي جعلهما يوقعان على اتفاق المصالحة في القاهرة الذي هو سماه "اتفاق المأزق"! لكن الواقع يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن فتح وحماس ينبعثان من جديد بقوة الإنتصارات الشعبية العربية في مصر وتونس، وبقوة الحراك الشعبي الفلسطيني.

والواقع يؤكد أن الإتفاق التاريخي المذكور قد فاجأ تشكيلات تنظيمية في هذا الفصيل أو هذه الحركة، كما فاجأ اسرائيل، وأن تلك التشكيلات التنظيمية لا تستطيع أن تمتثل لضوابط الضرورات الوطنية الفلسطينية حتى لو كُتبت الإتفاقيات بماء الذهب، وشهدت عليها الدنيا بأسرها، حسب ما ورد في مقالة المعارض الإسلامي إياها!

صبري حجير

كاتب فلسطيني مقيم في السويد

sabri_hajir@hotmail.com