العِراق... كان لأميركا المشتكى!

بقلم: رشيد الخيّون

أخذ الجدل يشتد مع اقتراب موعد انسحاب الجيش الأميركي مِن العِراق، بين مؤيدٍ ومعارضٍ، مع أن الجميع يقرون، في دواخلهم، بالفضل الأميركي فلولاه ما اقترب أحد مِن عتبة السُّلطة. تلك حقيقة لا تسترها تظاهرات هذا التَّيار أو ذاك، ولا تمحوها مِن الذاكرة التَّصريحات النَّارية، ولا الصِّلات مع خصوم الأميركان وفسح المجال لاحتلال موازنٍ يُعمي الأبصار. لقد تبدل الزَّمن وما عاد الجمهور مغفلاً ويؤخذ بالهتاف.

ما بات العداء لأميركا يصنع الأبطال، بل ها هم الثُّوار في الأمكنة كافة يرجون رضاها، فلا مفردة "الإمبريالية" ولا "الاستكبار العالمي" ولا "الشَّيطان الأكبر" مطربة للجماهير وهي تشكو الأمرين مِن أعداء أميركا، وأي ثائر بمنطقتنا لم يحُمل إلى السُّلطة في قطارها، أو حظي بسكوتها وهو يتسلل إليها، أكانت باسم الدِّين أو الشعب! هذه حقيقة على النابهين عدم إغفالها، كي لا يُستغفل النَّاس، فليس مِن الشِّيمة والاستقامة أن تكره الاحتلال وتتنعم بنعمته، والسُّلطة بالعراق، بلا شك، نعمة أميركية بامتياز، وسوء التَّصرف بها يُعد جَريرة أميركية أيضاً.

لستُ معيباً على مَن قَبل بالعون الأميركي، وحاول خدمة بلاده، ويعذر لأنه ليس أهلاً لإسقاط نظام عاتٍ، فولاذي القبضة، لا تأخذه مع خصمه رأفة مهما كان ضئيلاً، بقدر ما استقذر السلوك المشين في استغلال المناصب للإفساد بالمال العام، وتغذية الفتنة إلى حد الذَّبح على الهوية، وتحويل العِراق إلى غابة تتحكم الكواتم واللواصق. كذلك يُعاب الامتهان الثورجي والخطاب المسرف بالأكاذيب والعزف على نغمة الوطنية مع أن الفضل الأول والأخير كان للدبابة الأميركية. وما الفرق للمواطن العِراقي بين احتلال ناطق قادم مِن الغرب واحتلال صامت قادم مِن الشَّرق، ولعل الأخير كان أعظم وطأةً لأنه لا يضمر للبلاد سوى الخراب. نحترم مَن عادى الاحتلال، مِن أول لحظة، وظل على موقفه، ولا نحترم مَن استغل نعمة الاحتلال ولاغ بدماء العراقيين وعاث بأموالهم، ويقف اليوم مناضلاً ضده، تلك لعَمري أكاذيب وترهات.

جاء البعث إلى السُّلطة (شباط 1963) و(تموز 1968) بتأييد أميركا، لم يبقه البعثيون أنفسهم سراً، لكن صوتهم مازال عالياً ضد الأميركان، ويعتبرون مَن تعاون، مِن خارجهم، عميلاً. وأقطاب شتى في المعارضة العِراقية كانت ترجو استقدام الجيش الأميركي، بل اعتبرت عدم جدية الأميركان في تسليم السُّلطة لها خيانة لمبادئ الدِّيمقراطية الأميركية، ولما تمكنت وجدت الهتاف ضد أميركا هو الجاذب للجماهير، وهم لا يضحكون على الدَّولة الأعظم بقدر ما يضحكون على النَّاس، فاللعبة مشتركة، وكثيراً ما تعطي أميركا نفسها الضوء الأخضر لجذب الجماهير وإن كان بشتمها. وكان الحال نفسه مع أشد المعادين لأميركا اليوم مِن شيوخ الإسلاميين، فإثناء حرب أفغانستان (1980-1992) كانت أميركا هي الحضن الآمن للشَّاهرين السَّيف بوجهها، وبين ليلة وضحاها صاروا مناضلين ضدها!

نعم، في ما مضى كان الألق الأميركي مؤثراً، عندما أغرت مبادئ (1919) الرئيس توماس ولسون (ت 1924) في حق تقرير الشُّعوب لمصائرها، فتقدمت الزَّعامات صراحة في طلب المعونة الأميركية ضد السَّيطرة البريطانية. ففي 13 شباط (فبراير) 1919 كتب المرجعان النَّجفيان الشَّيخ محمد تقي الشِّيرازي (ت 1920)، وشيخ الشَّريعة فتح الله الأصفهاني (ت 1920) مِن كربلاء والنَّجف رسالة إلى الرئيس الأميركي، يستنصراه ضد الاحتلال البريطاني للعراق: جاء فيها: "إلى حضرة رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأميركية. ابتهجت الشُّعوب جميعها بالغاية المقصودة مِن الاشتراك في هذه الحروب الأوروبية، مِن منح الأمم المظلومة حقوقها، وإفساح المجال لاستمتاعها بالاستقلال حسب الشُّروط المذاعة عندكم. وبما إنكم كنتم صاحب المبدأ في هذا المشروع، مشروع السعادة والسَّلام العام، فلا بد أن تكونوا الملجأ في رفع الموانع عنه، وحيث وجد مانع قوي يمنع إظهار رغائب كثير مِن العِراقيين على حقيقتها بالرَّغم مما أظهرته الدَّولة البريطانية مِن رغبتها في إبداء آرائهم، فرغبة العراقيين جميعهم، والرَّأي السَّائد بما أنهم أمة مسلمة أن تكون حرية قانونية واختيار دولة جديدة عربية مستقلة إسلامية، وملك مسلم مُقيد بمجلس وطني. وأما الكلام في أمر الحماية فإن رفضها والموافقة عليها يعود إلى رأي المجلس الوطني بعد الانتهاء مِن مؤتمر الصِّلح. فالأمل منا حيث إننا مسؤولون عن العِراقيين في بث آمالهم وإزالة الموانع عن إظهار رغائبهم بما يكون كافياً ليطلع الرأي العام على حقيقة الغاية التي طلبتموها في الحرية التَّامة، ويكون لكم الذِّكر الخالد في التَّاريخ ومدنيته الحديثة"( الوردي، لمحات اجتماعية مِن تاريخ العِراق الحديث).

كانت أميركا مشاركة في مؤتمر القاهرة (1919) ضمن أربعة وفود: أميركا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ولما عُقد المؤتمر للبت بمصائر الشّعوب الخارجة مِن السيطرة العثمانية غير مريح للدول الثلاث ماعدا أميركا، امتنعت تلك الدول عن الحضور، فبعث الرئيس ولسون لجنة أميركية لتقصي الحقائق برئاسة جارلس كراين، الذي طلب مِن بريطانيا السماح له بزيارة العراق، على اعتبار أنه كان تحت الاحتلال البريطاني.

لكن البريطانيين رفضوا الطلب، وحصل أن زار المستر كراين العراق 1929 بغداد فأقيمت له حفلة استقبال مِن قبل الشباب العراقيين، ممثلين بالحزب الوطني العِراقي، يوم 13 يناير 1929، ونهض الشَّاعر محمد باقر الشِّبيبي (ت 1960) مناشداً المستر كراين في قصيدة منها البيت المشهور(الهلالي، الشَّاعر الثَّائر محمد باقر الشِّبيبي): "المستشارُ هو الذي شرب الطِّلاء فعلام يا هذا الوزير تعربدُ"

وكان مطلع القصيدة وبيت منها:

"حقاً تقوم لك البلاد وتقعدُ.. وتنشدُ باسمك يا وفي وننشدُ.. هذه البلاد على كآبة حالها.. تشدو بمقدم ضيفها وتغردُ".

أما الشَّاعر معروف عبد الغني الرَّصافي(ت 1945) فألقى في الحفل نفسه قصيدة سماها: "يا محب الشَّرق"، جاء فيها: "يا مُحب الشَّرق أهلاً.. بك يا مستر كراين.. مرحباً بالزائر المشـ.. ـهور في كل المدائن.. مرحباُ بالقادم المشـ.. ـكور في هذه المواطن"(الرَّصافي، الديوان، دار العودة). ودارت الأيام وتبدلت الدُّنيا فصار مَن انتظر الأمل مِن الرئيس الأميركي ومستر كراين آنذاك إلا كما قال ابن العباس الصُّولي (ت 243 هـ): "وكنت أذم إليك الزَّمـان.. فأصبحت منك أذمُ الزَّمانا". لقد صارت أميركا، في الغالب مِن الأحيان، هي الخصمُ والحكمُ. نعم كان لأميركا المشتكى ومازال، ونجد النِّفاق في عِدائها والنِّفاق في مودتها أيضاً!

(نشر في الاتحاد الظبيانية)

رشيد الخيّون