تفجيرات مراكش: المستفيد هو منْ يعمل على منع الاستقرار

بقلم: رويدا مروه

يبدو أنّ معطيات التحقيق المسرّبة مؤخرا في يومية "لوفيغارو" نقلا عن أجهزة التحقيق الفرنسية حول تفجير مقهى أركانة في مدينة مراكش المغربية يوم 28 أبريل 2011 بدأت تزيح الستار على كل ما صدر من تحليلات وتوقعات مختلفة داخل المغرب وخارجه حول هوية المستفيد والمتسّبب في هذا التفحير الارهابي. وبدأت الصورة تتّضح أكثر حول المستفيد من تعطيل ورشة الاصلاح التي أطلقتها المملكة المغربية منذ أسابيع قليلة نحو الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن طريق الدعوة للتعديلات الدستورية التي أعلن عنها الملك محمد السادس في خطابه الأخير في 9 مارس 2011 حول اطلاق ورشة وطنية كبيرة لتفعيل آليات حماية حقوق الانسان حيث شكّل العاهل المغربي المجلس الوطني لحقوق الانسان ليكون هيئة جديدة للدفاع عن حقوق الانسان بدلا من المجلس الاستشاري لحقوق الانسان الذي شكل في 1990 والذي كان دوره استشاريا.

وكانت يومية "لوفيغارو" الفرنسية قد ذكرت، مستندة الى مصادر فرنسية قريبة من التحقيق، بأن المحققين توصلوا للتعرّف على شخصين مشتبه في كونهما وراء التفجير الارهابي، وأضافت الصحيفة نقلا عن المصادر نفسها أن المشتبه فيهما ينتميان إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ما نشرته "لوفيغارو" يأتي بعد عشرة أيام من تاريخ الانفجار مما يعكس فعلا ما يقال عن أن وفد المحققين الفرنسيين (دي سي إر إي - جهاز مكافحة التجسس الفرنسي) والإدارة المركزية للشرطة القضائية والشرطة التقنية والعلمية، والإليزيه، ساركوزي على رأس القصر، يتابعون دقيقة بدقيقة نتائج التحقيق ويولون له اهتماما كبيرا يكاد يوازي اهتمام المغاربة بالوصول الى الحقيقة واعلانها للرأي العام بأقرب وقت خاصة وأن الملك محمد السادس أعلن أن نتائج التحقيق يجب تكون شفافة أمام الرأي العام المغربي والعالمي على السوّاء.

وقد تعدّدت التحليلات منذ الساعات الأولى للتفجير حول المستفيد من هذا العمل الارهابي، فمنهم من وّجه بشكل مبطّن اصابع الاتهام نحو الدولة المغربية معتبرا انّها قد تكون قد سعت لتشويه صورة "حركة 20 فبراير" في دعوتها للتغيير والاصلاح عبر سلسلة المسيرات التي تدعو اليها منذ 20 فبراير الماضي، ومنهم من اتهم الحركة نفسها بتحريك ايادي داخلية لاحداث التفجير، ومنهم من اتهم أعداء المغرب من أنظمة عربية مجاورة معادية للمغرب، نظام معمر القذافي بشكل خاص، ومنهم من اتهم حركات الانفصال والارهاب التي تترّبص شرّا للمغرب منذ سنوات، والمقصود حتما القاعدة في المغرب الاسلامي وجبهة البوليساريو الانفصالية الموجودة قيادتها في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر على الحدود المغربية.

ولو أردنا تحليل كل فرضية على حدة، فيجدر بنا البدء بالفرضية الأخطر من حيث تعريضها الأمن الوطني للفتنة وهي فرضية انّ الحكومة المغربية أو أحد أجهزتها متورط في العملية... ولنوّضح كيف انه لا يمكن لهذه الفرضية ان تصّح.

اولا ليس من مصلحة أي جهاز حكومي او امني مغربي احداث عمل تفجيري ارهابي في أحد ركائز اقتصاد البلاد الا وهو مرتكز السياحة في مدينة مراكش المعروف عنها أنّها اهمّ مقصد للسّياح الاجانب والعرب في المغرب، خاصة على أبواب موسم صيفي واعد وسط توترات امنية وسياسية تشهدها دول عربية اخرى لطالما اعتبرت مقصدا للسياح كلبنان ومصر وتونس، والتي من المتوقع ان لا تشهد مواسم سياحية معتادة بسبب عدم استقرار الأوضاع في مصر وتونس بعد خلع النظامين الحاكمين في البلدين المذكورين. أمّا في لبنان فانّ سوء أحوال السياسة والأمن في الجارة "سوريا" بطبيعة الحال سيرعب السيّاح الوافدين الى لبنان...

والسبب الثاني لسقوط فرضية تورّط الحكومة في تفجير مراكش هو انّ صاحبها يعلّل رأيه بأن افتعال هذا الامر من قبل الحكومة يهدف الى الصاق التهمة بحركة 20 فبراير لتشويه صورتها امام المغاربة في الداخل، وربما في الخارج ايضا كي لا ينظر اليها انها حركة شارع مطلبية كما في باقي الدول العربية، وهذا أمر غير منطقي أبدا لان لصق هكذا عمل تفجيري ارهابي بحركة شبابية فايسبوكية صاعدة كحركة 20 فبراير قد يقوّي من التصورات حول حجم وقدرة هذه الحركة على اللعب بقواعد اللعبة السياسية والامنية في المغرب أو بمعنى آخر سيجلب نتائج عكسية بدل النتائج الايجابية التي يتصورها انصار هذه الفرضية بأن بعض من في السلطة في المغرب يهدفون لتحطيم الخصم، والمقصود هنا "حركة 20 فبراير".

والسبب الثالث والأهم لاسقاط هذه الفرضية هو ان الدولة المغربية قد اعلنت منذ قيام حركة 20 فبراير انها تنظر اليها كحركة شعبية مطلبية تنادي بالتغيير والاصلاح لا كخصم او كحركة غير وطنية كما يحصل في البحرين وسوريا واليمن من قبل الانظمة الحاكمة هناك التي ترفض الاعتراف بمطالب شعوبها. والدليل على ذلك ان من يتابع الاعلام المغربي الرسمي من تلفزة واذاعة وطنية وجرائد مؤيدة لبعض الأحزاب الموجودة بقوّة في السلطة يرى أنها تغطي تحركات 20 فبراير لا سيّما عندما تدعو هذه الأخيرة الناس للنزول الى الشارع، ولو أنّهم ينزلون بأعداد بضع آلاف لا تقارن بعدد سكان المغرب الذي يقارب الـ 35 مليون نسمة...

اما القائل بفرضية وجود حركة 20 فبراير وراء التفجير فهذا امر يعتبر محاولة لاحداث فتنة شعبية بين حركة 20 فبراير والدولة والشعب كما انّ هذه الفرضية تعتبر ظلما بحق شباب مغاربة ومواطنين مغاربة نزلوا الى الشارع أكثر من مرة للمطالبة بحقوق اجتماعية واقتصادية ومعيشية محقّة تلبية لنداءات 20 فبراير وغيرها من التحركات التي نزلت للشارع حاملة صور الملك محمد السادس تأييدا ونصرة. والأهم في اسقاط هذه الفرضية هو ان الدولة المغربية وعلى رأسها الملك محمد السادس أطلق في خطابه الشهير مؤخرا في مارس 2011 ورشات اصلاح دستورية وحقوقية زادت عن حجم توقعات الحركة نفسها ومناصريها ونال خطابه اجماعا شعبيا هائلا وحظي بمديح دولي من عواصم القرار... كما ان وجود الحركة وراء هكذا تفجير، وفقا لهذه الفرضية، لا يمكن تصديقه لان من يخطّط وينفّذ تفجير بهذا النوع في مدينة مهمة سياحيا واقتصاديا كمراكش وفي مقهى يضم عدد كبير من الفرنسيين والاجانب يعرف مسبقا ان أمره سيفضح، لأن الأمن المغربي مشهود له قدرته على تحقيق نتائج مهمة في مجال كشف خلايا ارهابية وانفصالية، وعندها لن يخاطر باكتشاف امره.

وتجدر الاشارة الى أنّ هذه الحركة منذ نشأت على صفحات الفايسبوك وهي تعتبر نفسها حركة شعبية نابعة من الشعب وبالتالي ليس من مصلحتها أن تعمل على ارتكاب ما يضرّ بمصالح الشعب الذي تنتمي اليه والمفترض انها تعمل لاصلاحه في مشروعها...

اذن يبقى ان فرضية وجود عدو أو ربما أعداء يتربصون للمغرب شعبا وحكومة هي الفرضية الأصّح والتي يؤكدها المنطق التحليلي وبدأت تتأكد بالتحقيقات الفرنسية الأوّلية المسرّبة للصحافة. ومن المرجح طبعا أنّ تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي، والذي بطبيعة الحال معروف تعاونه الوثيق أمنيا ولوجستيا مع حركة البوليساريو الانفصالية التي تحتجز الصحراويين المغاربة في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر منذ 36 عاما لقضية وهمية يطلقون عليها تسمية "مشروع تأسيس الجمهورية الصحراوية الديمقراطية"...ولا يخفى أيضا احتمالية تورّط أنظمة عربية حليفة كانت ولا زالت داعمة للبوليساريو، أبرزها النظام الليبي ممثلا بمعمر القذافي وبعض المستفيدين من بقاء النزاع على الصحراء من داخل النظام الجزائري، في هذا التفجير...

فقد ذكر موقع "الخبر" الالكتروني في مقال نشر بتاريخ 22 أبريل 2011 بعنوان "من أين للقذافي بكل هذا الصمود؟" ما مفاده ان خبراء الحلف تمكنوا من فك لغز صمود العقيد بعد أسابيع من الدراسات الميدانية العسكرية ليتأكدوا بأن قوة القذافي المتبقية هي في المرتزقة القادمين من كل بقاع العالم الغامض وخصوصا من مقاتلي البوليساريو الأشداء نظرا لسخائه "الثوري" المعهود معهم منذ قيام الجبهة في العام 1975...وقد تأكد التحليل الاستراتيجي للحلف مرة أخرى وفقا لما ذكره موقع "الخبر" عبر تصريحات حديثة ودقيقة لأحد أيادي القذافي الباطشة السابقين الذي انتقل الى صفوف المتمردين المقاتلين ضد الجبهات المفتوحة والمتبقية للعقيد...

وكانت صحيفة "الدايلي غراف" البريطانية قد نقلت معلومات دقيقة ومباشرة عن من وصفتهم "كبار القياديين في الحلف الأطلسي" ونقلا عن تأكيدات المنشق العسكري عن القدافي بكون هذا الأخير قد أنفق ملايين الجنيهات الاسترلينية لاستقطاب مقاتلين مرتزقة من البوليساريو...

ومن التحليلات التي تهمّ المراقبين للشأن المغربي، بعض ما ذكرته المقالات والأخبارالمتداولة اعلاميا حول ارتباط التفجير بالقضية الاولى والاهم للمملكة المغربية وهي وحدته الترابية والنزاع على الصحراء.

ولكن عن أي صحراء نتتحدث؟ وليس للسؤال المطروح هنا "عن أيّ صحراء نتحدث؟" علاقة بالتسمية المختلف عليها بين "صحراء مغربية" و"صحراء غربية" وليس له علاقة بأصول الصحراويين داخل مخيمات تندوف بين "صحراوي مغربي أصيل" من قبائل صحراوية أصيلة و"صحراوي مرتزق" في لوائح تعداد البوليساريو لسكان مخيمات تندوف، بل انه السؤال الذي يطرح اشكالية مستقبل الصحراء ومصير التنمية وحقوق الانسان والأمن الانساني في ظلّ تغيرات جذرية تطرأ على العالم العربي لا سيّما دول المغرب العربي وثورتي تونس وليبيا القائمتين والثورة المرتقبة في الجزائر، وسلسلة الاصلاحات المعلن عنها في المملكة المغربية...

قبل أيام قليلة سمعنا خبر وفاة أسامة بن لادن، وسرعان ما بدأ المراقبون والمحللون والرأي العام الغربي والعربي على السّواء ينشغل بمستقبل القاعدة بعد وفاة قائدها، وسرعان ما بدأت الأوساط نفسها داخل المغرب ودول شمال افريقيا المجاورة تتساءل عن مصير نشاط القاعدة وأعمال التخريب والتهريب والترهيب من قبل القاعدة في شمال افريقيا...

أمّا المهتمون بقضية الصحراء فقد بدأوا بالتحليل والتوّقع حول مصير جبهة البوليساريو بعد سقوط بن لادن...لكنّ الأهم في الحديث عن مصير البوليساريو بعد وفاة بن لادن يعود الى علاقات "التعاون" بين الجبهة والقاعدة لا سيّما ما كشفت عنه العديد من التقارير والأبحاث من مراكز أوروبية وأميركية موثوقة المصداقية عن تهريب مخدرات واتجار بالبشر وخطف أجانب، لا سيّما ناشطي حقوق الانسان، بالقرب من مخيمات تندوف من قبل عناصر من القاعدة والمعروف أنّ هكذا عمليات تحتاح الى مباركة من قيادات البوليساريو لأنّهم يعرفون تلك المنطقة جيدا...

والحديث عن مستقبل النزاع على الصحراء يرتبط أيضا بالثورة التصحيحية للشباب الصحراوي داخل مخيمات تندوف منذ مارس 2011 ضدّ قيادات البوليساريو والتي قامت لقناعة هذا الشباب الحرّ والشجاع بأن البوليساريو ليست حركة تحررية، كما ظلت تدّعي لأكثر من 36 سنة وتروّج في الخارج، وإنما هي "حركة" أو بالأحرى دمية بأيدي أنظمة ديكتاتورية لتحقيق أهداف سياسية ارتزاقية والتي قال عنها المناضل الصحراوي مصطفى سلمى: "بداية لثورة لن تنطفئ، إلى غاية إزالة الظلم والمعاناة" كما وصفها أيضا بأنّها "صرخة في وجه الظلم والاستبداد، الجاثم على صدور الشباب" لأزيد من ثلاثة عقود وفقا لما نقله الناشط عبدالعزيز لفقيه من منتدى مؤيدي الحكم الذاتي في تندوف في مقال نشر له مؤخرا على مواقع الكترونية...

وذكر موقع "الجزائر تايمز" بتاريخ 21 ابريل 2011 أن النظام في الجزائر، وإن كتب له البقاء، فإنه سيفقد حليفا كبيرا له، المقصود معمر القذافي ونظامه، فيما يخصّ دعم عصابات البوليساريو من جهة كما أنه سيجد نفسه محاصرا شرقا وغربا وجنوبا من طرف جيران يحملون له الكراهية بسبب مواقفه العدائية تجاههم، سواء في تونس وما يحفظه حكامها الجدّد من مواقف عدائية تجاه ثورتهم من طرف هذا النظام، وكذلك سيكون عليه الحال في ليبيا... أما في المغرب فلن يكون من السهل عليهم نسيان المواقف العدائية تجاههم، وخاصة حول قضية الصحراء التي جعل منها الجزائر قضيته الأولى قبل قضية الجزائر ومستقبل شعبها...

كل هذه المعطيات المتعلقة بنتائج التحقيق في تفجير مراكش ومستقبل نجاح حركة 20 فبراير واستكمال ورشة الاصلاحات والتعديلات الدستورية التي بدأها العاهل المغربي محمد السادس وشكل الأنظمة القادمة في تونس وليبيا بعد سقوط الأنظمة القديمة الحاكمة، ومصير القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي بعد مقتل بن لادن، تطرح الأسئلة الأكبر اليوم: هل سيشّكل المغرب استثناء في المواجهة الحقيقة للارهاب بين الدول العربية؟ وهل سيشكل العاهل المغربي استثناء بين الزعماء والملوك العرب في حكمته المعهودة في ادارة شؤون بلاده وتلبية مطالب شعبه؟ وهل سيكون الشعب المغربي على قدر تحمّل الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي قد تواجهه في مسيرة الاصلاح التي بدأها تحت شعار "الله، الوطن، الملك" كما كان دائما؟ أسئلة تبدو الاجابة عليها رهن الأيام القادمة...

رويدا مروه

باحثة في العلاقات الدولية، والمديرة التنفيذية للمركز الدولي للتنمية والتدريب وحلّ النزاعات - بيروت