بن لادن ضحية لنفاق النظام السعودي!

بقلم: جمال محمد تقي

غمرني سيل من الاسئلة المركبة، وانا اتأمل صورة قديمة التقطت عام 1971، وكان قد عرضها التلفزيون السويدي وهو يؤشر على وجه اسامة بن لادن، وكان وقتها لم يتجاوز بعد سن الرابعة عشر ربيعا، وهو بمعية اخوته واخواته، وما اكثرهم، عندما كانوا يقضون اجازة الصيف في مدينة فالون شمال استوكهولم، بدعوة علاقات عامة من شركة فولفو.

هل بن لادن جاني ام مجني عليه، أم الاثنين معا؟ هل هو منتج شكلته عوامل البيئة ـ من نظم وعلاقات رسمية وعرفية وايديولوجية سائدة ـ والتي جعلت منه بطلا مغوار باعين المستثمرين فيها او بعبارة ادق باعين واجندات المتحكمين فيها، عندما اتسق مع ما يحيطه وراح يندفع باتجاه تكريس ما لقن عليه او ما يشيعه الفقه السائد، فقه النظام ومن يتبعه من علماء السلطة؟

هل هو كذلك عندما وجد بالفطرة ان ذات الطريق تفرض عليه مخالفة فقه الملك الجائر، والمفصل على مقاسات مصالحه الانانية المستبدة بالدنيا والدين، وبالبلاد والعباد، والذي لا يخدم سوى اعداء الدين الحق، وهل هو كذلك حين انقلب بقدرة قادر الى ارهابي وعار؟

لقد وجد اسامة بن لادن بان فقه الملك يمنع الجهاد ضد الصهاينة محتلي بيت المقدس وثالث الحرمين الشريفين، ووجده حاجزا بين جهاد المسلمين ضد الاميركان الذين يعيثون بارض المسلمين احتلالا ونهبا واذلالا، وجد بفقه الملك غير الصالح خادما حقيقيا ومطيعا ليس للحرمين الشريفين وانما للثقلين الذين لا يستغني عنهما قيصر الشر الحاكم في البيت الابيض ـ النفط واسرائيل!

ربما ينطبق قول انقلاب السحر على الساحر على حالة التجييش الجهادي الذي قاده الملك وفقهاء البترودولار بزعامة اميركا لطرد الروس من افغانستان، وحالة تواصله بالضد من الاميركان الذين فعلوا الافاعيل في افغانستان ذاتها وذلك لانهم ارادوها جسرا لتحطيم الروس لينفردوا بكل الساحات دون منافس، وحينها فقط انقلب بن لادن الى ارهابي وخارج عن الملة، بقرار اميركي بصم عليه بالعشرين نفس الملك الجائر الذي توج بن لادن اميرا للمجاهدين، ونفس فقهاء السوء الذين كانوا قد البسوه كل صفات مشايخ المجاهدين، الاوائل والمتأخرين!

فقه الملك، فقه الخيار والفقوس، فقه يقوم على التشدد بالصغائر وبالتعسير على يوميات الناس وتعاملهم مع بعضهم ـ نساء ورجال، كبار وصغار ـ والانحلال في الكبائر، أوليس دخول بيت طاعة الروم من الكبائر؟ أوليس نصرة الروم على المسلمين من الكبائر؟ أوليس تنفيذ اجندات اليهود "الصهاينة" من الكبائر؟ أوليس انكار حق العباد بتقرير مصيرهم من الكبائر؟ من ساعد الاميركان على احتلال العراق وافغانستان غير نظام المملكة الجائر؟ ومن ومن ومن؟

من المطاوعة والاخوان سيخرج الف والف من امثال بن لادن الذين سيكتشفون متأخرين بان النظام يتاجر بالتشدد الديني لكسب شرعية يفتقدها دينيا ودنيويا، فكما كان ظهور جهيمان العتيبي وثورته في الحرم المكي، عام 1979، كاحد افرازات النتائج العكسية للتشدد الفاسد والغلو الذي يقصد به التعمية في الدولة والمجتمع والقيم الدينية والاخلاقية السوية، مفاجئا وقويا، سيكون ظهور المتمردين باثر عكسي متواصلا ومفاجئا ومنذرا بسقوط اوراق التوت التي يتوارى تحتها النظام المتهالك في المملكة والذي صار يعتمد وبقوة اكبر على الحماية الاميركية!

صورة الفتى اسامة، نحيل بعيون متقدة وابتسامة مشرقة، متحاضن مع اخوته في اجواء مرحة تعكس تألف ذاتي وجمعي غير متكلف، كان يقف الى جانبه اخوه الاكبر سالم بن لادن الذي قتل بحادث غامض عام 1988 في مدينة تكساس، وقبلها كان مدفوعا لصفقات استثمارية خاسرة مع آل بوش، وتحديدا بوش الابن، برعاية متكاملة من الامير السفير بندر بن سلطان!

ورد عن سيرة والد اسامة، محمد بن عوض بن لادن، بانه كان مقاول عصامي، فبعد هجرته من حضرموت واستقراره في جدة عام 1930 تدرج بمزاولة ما تيسر له من اعمال، وهكذا من عتال على ارصفة الميناء الى متعهد عمال، الى مقاول صغير، حتى اصبح واحدا من اكبر مقاولي السعودية والخليج على الاطلاق، وكان منذ بدايته يزداد مع كل مقاولة جديدة حظوة وسطوة عند امير مكة المكرمة فيصل بن عبدالعزيز وملك المملكة فيما بعد، فهو مخلص ودقيق وسخي بعمله وعمولته، واذا كنا متفقين على ان عبدالعزيز آل سعود قد اقام مملكة استمر يملكها ويحكمها هو ومن بعده ابناؤه الامراء، او الكثرة الكثيرة من ورثته، ليس بشرعة الحكم العصامي، وانما بشرعة السيف وتزاوجه مع فتاوى وعاض السلاطين وجبر المطاوعة واخوانهم المتعجرفين، وبما توفر من يسر المال الذي فاض من ريع الزيت المستخرج من باطن ارض المنطقة الشرقية، فاننا حتما سنتفق على ان محمد بن لادن قد اقام مملكة من نوع اخر تتشابه مع الاولى من حيث كثرة وتكاثر ورثتها وثروتها، لكنها تختلف عنها من ناحية توافر الشرعية من عدمه، فليس للاولى شرعية حقيقية، اما الثانية فلها من العصامية المنتجة شرعية ما.

ان محاولة النظام خلط الشرعيات "الدينية والشعبية والمالية بشرعة السيف" قد اساءت حتى لمملكة كان يمكن ان تكون عصامية على طول الخط "مملكة بن لادن"، وهي قد تمنح النظام عمرا اطول ولكنها لن تمنحه عمرا مدى الحياة.

ان الارهاب النابع من فساد واستبداد نظام حكم المملكة وايديولوجيته الشمولية "الوهابية" التي تنكر التعددية الفكرية والاختلاف كونه رحمة تحتمها سنن التطور وتفاوت الظروف ونسبيتها، كي لا يتوقف الناس عن التجدد، لا يكتفي باحتكار السلطة والثروة معا، وانما يريد احتكار حقيقة الدين ايضا، وهذا لعمري هو الكفر بعينه، فالدين لا يحتكر لانه لله وحده ولا اكراه فيه، ومن اهم تعاليمه نصرة المظلوم على الظالم، ونظام المملكة يعكس الاية فهو يظلم وينصر الظالمين، انه وبتحالفه مع ارهاب الدولة الاعظم، اميركا، يكون قد انتج اخطر ارهاب يفسد الارض والسماء.

بن لادن ضحية مركبة من ضحايا التحجر والتكلس "السعودي"، وتجهيله للعامة وابتزازه للخاصة، وازدواجيته القبيحة، انه ضحية لنفاق نظام المملكة وتأمرها المفرط مع طغاة العالم وقياصرته.

جمال محمد تقي