قراءة لما بعد بن لادن

بقلم: صباح علي الشاهر

الذي دوّخ أميركا وأرعب العالم قُتل. لم يعد من المجدي التشكيك بموت الرجل، فشخص كرئيس الولايات المتحدة لا يمكن أن يعرّض مصداقيته وسمعته إلى خطر مميت، وفضيحة قاتلة بحجم فبركة كذبة موت بن لادن. لقد تأكد الرجل من مقتل بن لادن، ثم أعلن هذا الخبر بالطريقة التي عرفناها جميعاً.

بن لادن قُتل، مات، أغتيل، سيان، فالنتيجة واحدة مؤداها أننا منذ ليلة الأول من مايو/أيار نعيش عصر ما بعد بن لادن.

هل كان بن لادن وفق رواية مقتله بهذا الحجم الذي صوروه لنا؟

رجل بهذه الخطورة الكونية، يسكن هكذا منزل، بهكذا حي، قرب هكذا مؤسسات، بهكذا قدر من الحماية؟

أكان أسيراً أم مُحتجزاً، أم كان مُتخفياً؟ إذا كان الصحيح هو الأمر الثاني فإن قضية (هكذا إختفاء) ستطرح العديد من الأسئلة، التي سيكون الخوض في الإجابة عليها عنوان المرحلة القادمة، مرحلة ما بعد بن لادن، وإذا كان الصحيح هو الأمر الأول فإن على الجميع مراجعة قضية مكافحة الإرهاب، ورمزها بن لادن على بساط البحث من جديد.

لن نستغرب في قابل الأيام أن يتغير إستطفاف القوى في المنطقة، ولن نستغرب كشف بعض الأسرار التي ستغيّر حركة الأحداث في جغرافية متحوّلة متغيرة بإستمرار ككثبان الرمال.

ربما سيستغل أوباما هذا الحدث لتحقيق إنسحاب مشرّف من أفغانستان، وهذا هو الإحتمال الأرجح، بالتزامن مع الإنسحاب من العراق أو بعده بقليل، ربما يتصف هذان الإنسحابان بقدر من الشكلية. قد يعوضان عن الوجود العسكري بالوجود الأمني والإستخباري، أو بمواجهة الأمور عن كثب وعن قرب، قد يكون هذا الأمر ممكناً بالنسبة للعراق، الذي هو على مرمى حجر من قواعد أميركا في تركيا والكويت وقطر والسعودية، لكنه سيكون من الصعب مراقبة الأمور عن كثب فيما يتعلق بإفغانستان إذا تغيّرت العلاقة بين أميركا وباكستان، من علاقة التحالف والتبعية، إلى علاقة التنافر، وربما أبعد من هذا، حينها سيكون خروج أميركا من إفغانستان مذلاً تماماً، ربما لا يختلف عن خروجها من فيتنام كثيراً، وسيؤشر لمرحلة إنحسار أميركي من المنطقة كلها لا من إفغانستان وحدها.

مهما يكن موقف باكستان فلم يعد الوجود الأميركي في إفغانستان بذات الأهمية التي كان عليها قبل عقدين أو عقد من الزمن، لقد حسمت دول بحر قزوين أمرها، وأمن نفط وغاز المنطقة لشعوبها، عبر تفاهمات توطدت أركانها، ولم يعد بالإمكان ربط حوض نفط وغاز قزوين بحوض نفط وغاز منطقة الخليج.

إنتهى حلم فرض الهيمنة والحماية من قبل أميركا والغرب على هذه المنطقة، وهذا أمر لا يمكن أن تغطي عليه قضية إغتيال بن لادن، التي سوف لن تقدم ولا تؤخر في الأمور شيئاً، وعلى العموم فبن لادن عملياً غائب عن الحدث، وهو كما تبين مشلولاً في محبسه أو محتجزه، أو ملجئه، وأميركا تعبت وأنهكت، وما عادت لها القدرة على مواصلة حرب الإرهاب، وبالشكل الذي أختطه بوش الإبن، والذي تسبب في إنهيار هيبة أميركا على نحو دراماتيكي، وأدى إلى كارثة إقتصادية لم تشهد أميركا لها مثيلاً.

تحت ذريعة مكافحة الإرهاب شن الطغاة المزيد والمزيد من الأعمال الوحشية ضد شعوبهم، وحتى تلك الدول التي كانت بمعزل عن نفوذ القاعدة أوجدت قاعدتها المفتراة، لتزاول عبرها ومن خلالها أبشع أنواع البطش والتنكيل، وتصفية الحسابات مع الخصوم، والمنافسين. لقد قامت القواعد المفتراة بحملة إبادة جماعية عشوائية، لا مسوغ لها، وغير مبررة، وقامت الأنظمة المستبدة تحت رعاية أميركا وحمايتها بحملة إبادة شاملة ضد الجميع بحجة مكافحة القاعدة، وعاش الناس، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط التي أريد أن تبنى من جديد، ومن خلال الفوضى الخلاقة، في رعب دائم ومتواصل، بحيث بات الأمن العادي والطبيعي مُنية المنى، وعز الطلب.

وأزعم غير مجانب للصواب، أن البلطجية، والقناصة، والشبيحة، ومن لم يظهرهم بعد جراب الحاوي، ما هم في حقيقة الأمر إلا نوع من أنواع القواعد المفتراة، ممن كانوا يعملون في الميدان فعلاً، أو ممن لم يُستخدموا بعد، بإنتظار وجود فرصة مناسبة لظهور فعاليتهم وربما جهاديتهم.

توقيت تصفية بن لادن جاء موافقاً لمتطلبات عدّة، لا تتعلق بقرب إنطلاق الحملة الرئاسية وبرفع حظوظ أوباما فقط، وإنما أيضاً بوجود ضرورة أميركية لإنهاء مرحلة وبداية أخرى، يمكن من خلالها الحفاظ على ما تبقى لأميركا من هيبة وهيمنة في العالم.

العالم لم يعد هو العالم، والعصر الأميركي بات من الماضي، وما يحدث في العالم العربي من إنتفاضات شعبية شاملة يشير بوضح إلى هذا، إذ أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن ليس بمقدور أميركا الإعتماد على المستبدين، وإنها غير قادرة على دعمهم وإسنادهم إذا ما هبّت الشعوب، وبعيداً عن النفاق الأميركي ومحاولة أميركا مؤخراً الإيحاء بإنها إلى جانب الشعوب العربية وخياراتها، فإن الحقيقة غير هذه بالمرّة، ولذا يحق القول أن الإنتفاضات العربية كانت من العوامل المساعدة التي دفعت إلى التسريع بتدشين مرحلة جديدة في السياسة الأميركية، لا تختلف من حيث النوع، لأن أميركا لا ولن تتغير، إلا بثورة شاملة لم يحن أوانها بعد، وليس أوباما رمزاً لها، لكنها تختلف من حيث الإسلوب عما كان يحدث زمن حكم المتصهينين.

هذه المرحلة تراعي إمكانات وقدرات أميركا الحقيقية، وليست المتخيلة. تغادر وهم القوة الأقدر والأعظم، والقطب الأوحد المتحكم بالعالم.

تحاول تضميد الجراح، وتقليص الخسائر، وتقليل الإنفاق قدر الإمكان، لمواجهة خطر الإنهيار المالي، الذي لم يعد مجرد إحتمال.

ومن أجل إنسحاب مشرف من أرض المعارك، فإن رأس بن لادن يبدو ثمناً مناسبا لإرضاء عنجهية الأميركي، وصلفه، وعدم شعوره بالهزيمة، رغم أن بن لادن في النهاية فرد، وأميركا أمة، كانت حتى وقت قريب من أعظم الأمم.

صباح علي الشاهر