الثورة الليبية... فاجأت الاميركيين والاوروبيين!

بقلم: خيرالله خيرالله

هل فاجأ الليبيون العالم وبدأوا ثورتهم في وقت لم يكن احد ينتظرها؟ بكلام اوضح، هل بدأت الثورة في ليبيا قبل ان يحين اوانها وتستتب الامور في مصر؟ مثل هذا الاحتمال وارد الى حد كبير في ضوء ردود الفعل الاميركية على الحدث الليبي. هناك احيانا رغبة في الحسم العسكري ثم تراجع عنه تليه مرحلة من الجمود تكرس امرا واقعا يحتمل ان يستمر اشهرا عدة. يتمثل الامر الواقع في معارك صغيرة في هذه المنطقة او تلك من دون مس بوجود كيانين منفصلين عاصمة احدهما طرابلس والآخر بنغازي.

كان طبيعيا ان يثور الليبيون يوما. فبعد ما يزيد على اربعين عاما من الحكم الفردي الذي سعى الى تدجينهم والاستخفاف بعقولهم، اكتشفوا انهم لا يزالون ليبيين وانهم يرغبون في العودة الى ما كان عليه بلدهم قبل العام 1969 تاريخ حصول الانقلاب العسكري الذي قاده ضابط شاب متحمّس اسمه معمّر القذافي. اكتسب القذّافي خبرة كبيرة في كيفية السيطرة على ليبيا وعلى الليبيين. مارس هذه الهواية، مع هوايات اخرى، منذ وصوله الى السلطة. بدا انه يتلذذ في اخضاع مواطنيه واللعب على التناقضات القائمة في ما بينهم بما في ذلك على الحساسيات الشخصية بين رئيس هذا الجهاز الامني او ذاك، او بين مسؤول عن ادارة قطاع معيّن وآخر يتدخل في شؤون هذا القطاع...

كان في استطاعة القذّافي بناء نظام متحرر يعود بالخير والرفاه على ابناء شعبه، لكنه اعتمد سياسة تقوم على تدجين الشعب عن طريق افقاره. هنا يكمن الفشل الاكبر للزعيم الليبي الذي اعتقد انه بلغ مرحلة لم يعد فيها مواطنوه قادرين على طرح اي سؤال من اي نوع كان بما في ذلك اين ضاعت ثروات البلد ولماذا تدخلت ليبيا في هذه المنطقة من العالم او تلك... وصولا الى الفيليبين؟

لم يفاجئ الليبيون القذّافي وحده، بل يبدو انهم فاجأوا الاميركيين والاوروبيين ايضا. وهذا يعني في طبيعة الحال ان هناك حاجة الى مزيد من الوقت لبلورة سياسة دولية واضحة تدعم الثوار الليبيين في حال احسنوا التصرف في الفترة المقبلة وطمأنوا كل من استثمر في ليبيا – معمّر القذافي الى انه لن يلحق الضرر بالمشاريع التي اخذوا على عاتقهم تنفيذها.

من الواضح ان هناك قرارا اوروبيا بالانتهاء من النظام القائم في ليبيا. ما كان شخص من طينة رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني يتجرأ على الاعلان عن ان بلاده ستشارك في الغارات الجوية على القوات الموالية للقذّافي لو كان يمتلك ادنى شك في ان النظام قابل للاستمرار. ولكن يبدو ان الاميركيين يحتاجون الى بعض الوقت لتحديد ما الذي يريدونه بالفعل من ليبيا وما هي الوسائل التي سيعتمدونها للتخلص من النظام. ما الذي ينتظره الاميركيون الذين يعتبرون ان النفط الليبي يجب ان يكون تحت سيطرتهم وان ليس مسموحا لاي طرف آخر التحكّم به؟ الجواب المحتمل انه الى ما قبل ايام من اندلاع الثورة في ليبيا لم تكن لدى واشنطن سياسة تقوم على التعاطي مع بدائل من معمّر القذافي. ربما كان ذلك عائدا الى شركات النفط الاميركية حصلت على ما تريد الحصول عليه من ليبيا واستثمرت مئات ملايين الدولارات في هذا الحقل. ظنّ الزعيم الليبي ان في استطاعته ممارسة كل الهوايات التي يحبها بما في ذلك تمكين برلوسكوني من تقبيل يده او القاء خطاب طويل امام الجمعية العامة للامم المتحدة والتدخل حيث يشاء في افريقيا... ما دامت شركات النفط الاميركية راضية على نظامه!

فاجأ الليبيون الاميركيين قبل ان يفاجئوا القذّافي. ربما كان هناك تفكير في واشنطن في كيفية التعاطي مع مرحلة ما بعد القذّافي ولكن بعد وضوح الصورة في مصر. هذا ما يفسّر الى حد كبير التردد الاميركي في الذهاب بعيدا في القصف الجوي واللجوء الى استخدام قوات برية. وثمة من يقول ان هناك قنوات اميركية لا تزال تعمل حتى الآن على خط واشنطن- طرابلس.

قد تكون هناك حاجة الى مزيد من الوقت كي تتبلور السياسة الاميركية الجديدة تجاه ليبيا. قد يساعد الموقف العربي العام المؤيد للشعب الليبي والداعم له في تسريع الانتهاء من التردد الاميركي. فالعرب اقدموا على خطوة مهمة تتمثل في اتخاذ موقف واضح من النظام في ليبيا التي سيتثمرون فيها مليارات الدولارات متى طويت صفحة "الجماهيرية العظمى". فليبيا بشواطئها وصحرائها ومساحاتها الشاسعة وما تمتلكه من ثروات طبيعية وآثار لا تزال عذراء. انها في حاجة الى بنية تحتية. انها في حاجة الى جامعات ومدارس وموانئ ومطارات وطرقات وفنادق وحدائق عامة وكل ما من شأنه اعادتها الى وضع الدولة الطبيعية المزدهرة الواقعة على مرمى حجر من اوروبا. انها في حاجة قبل اي شيء آخر الى نظام ديموقراطي يعيد اللحمة بين افراد الشعب ويضع حدا للانقسام والتقسيم. وهذه مسؤولية المجلس الانتقالي الذي عليه ان يبعث الى العالم برسالة فحواها ان هناك ليبيا جديدة لا علاقة لها بالتزمت والتطرف وان كل ما يريده الليبيون هو فتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي والانتماء اليه. مثل هذا التوجه لا يطمئن العرب والاوروبيين فحسب، بل يدفع الادارة الاميركية ايضا الى حسم امرها في اسرع وقت والخروج من حال التردد التي تعاني منها...

خيرالله خيرالله