المخاوف السورية اللبنانية المتبادلة وخلفياتها

بقلم: د. خليل حسين

مفارقة العلاقات اللبنانية السورية تكمن في حالات الشد والجذب التي خضعت عبر التاريخ لمكونات خارجة عن إرادة الدولتين شعبا ومؤسسات، بخلاف كل القوانين والضوابط التي تحكم أي علاقات بين بلدين جارين يتمتعان بخصائص مشتركة تكاد لا يمكن التفريق أو التمييز بينهما سوى ببعض التفاصيل الهامشية. ورغم ذلك تشكل حالات المد والجزر في منسوب العلاقات بين دمشق وبيروت لغزا محيّرا لجهة عدم التمكّن من تجاوز الكثير من سلبيات المواقف عند أي مفترق ولو كان غير استراتيجي، ومرد ذلك يعود إلى خلفية المواقف المسبقة في التعاطي مع بعض خصوصيات الواقع اللبناني، كما التعاطي بخفة مع أمور تعتبرها سوريا خطاً أحمراً يصعب التساهل فيه أو التغاضي عنه.

فعلاقات التاريخ والجغرافيا التي حكمت طبيعة العلاقات ومتطلباتها لم تكن يوما بالمستوى المأمول أو المطلوب منها. وعلى الرغم من تقديم سوريا الكثير للبنان في حقبات تاريخية متلاحقة لم يتمكن لبنان من تجاوز عقد وخلفيات مسبقة تعود إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي يوم أُعلن عن إنشاء لبنان الكبير، ومن ثم استقلال البلدين عن الانتداب الفرنسي، الذي كان مناسبة أخرى لتنظيم العلاقات على قواعد محددة من بينها، ان لا يكون لبنان ممرا أو مستقرا للقوى الغربية، وهذه القاعدة بالتحديد كان الهدف منها طمأنة سوريا تحديدا على قاعدة ما تعرّضت له دمشق من مواقف ضاغطة من الغرب انطلاقا من استغلال بعض اللبنانيين الذي وصل الأمر بهم إلى رفض الاستقلال والمطالبة بالانضمام أو حماية فرنسا.

هذا الواقع أسَّس لهواجس ومخاوف متبادلة، والتدقيق في مفاصل وأسباب الأزمات الثنائية بدءا من أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، تظهر جدية التوجّس وعدم قدرتهما على تجاوز الكثير من الأسباب ولو كانت عرضية، ذلك بفعل عوامل كثيرة من بينها هشاشة الواقع اللبناني وسرعة تأثره بالمحاور العربية والغربية التي غالبا ما كانت مناوئة لدمشق. ومثال ذلك الكثير من المحطات أبرزها حلف بغداد ووقوف لبنان الرسمي في صفوفه الخلفية بمواجهة سوريا ومصر آنذاك والتي وصلت الأمور بلبنان تقديم شكاوى إلى الجامعة العربية والأمم المتحدة ضد دمشق على خلفية تدخلات مزعومة. مرورا بأزمة الانفصال المالي والجمركي في الستينيات والموقف اللبناني الرسمي من عمل المقاومة الفلسطينية من لبنان في السبعينيات، وصولا إلى اتفاق 17 أيار 1982 الذي شكَّل عملا صداميا مع دمشق بتحريض أميركي - إسرائيلي واضح لبعض القوى اللبنانية آنذاك.

اليوم تشهد سوريا حراكا إصلاحيا وصلت إلى حد الحراك التغييرّي للنظام كباقي الدول العربية، في وقت بدأ الكثير من المسؤولين الأميركيين والغربيين يفصحون تلميحا وتصريحا عن المطلوب من النظام في سوريا لبقائه وتخفيف الضغط عنه. ومن بين المطلوب فك ارتباطه مع طهران وتقديم تسهيلات وربما تنازلات في إطار الصراع العربي - الإسرائيلي، وبالتالي انتقاله إلى ما سُميَّ بالصف العربي المعتدل.هذه المطالب استشعرت فيها دمشق خطرا على الكيان والنظام معا، وحاول المسؤولون السوريون مواجهتها برزمة من الإصلاحات النوعية في الحياة السياسية والدستورية السورية، ورغم ذلك تصاعد الحراك وصولا إلى مطلب إسقاط النظام الذي ردّته الحكومة السورية إلى جملة من الضغوط الغربية انطلاقا من لبنان، الخاصرة الرخوة لسوريا عبر التاريخ السياسي بين البلدين.

وبصرف النظر عن جدية هذه الإدعاءات من عدمها، تبقى السوابق التي مرّت بها العلاقة بين البلدين في محطات كثيرة تؤيد وجهة النظر السورية في ذلك، وتعزز قناعاتها لاسيما حملة الاتهامات التي سيقت ضد دمشق منذ اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.

وفي أي حال من الأحوال، ثمّة العديد من القواعد الناظمة للعلاقات اللبنانية السورية التي لم تحترم بما فيه الكفاية للحفاظ على منسوب عالٍ من الوفاق، وبخاصة في القضايا الإستراتيجية المتصلة بالأمن والصراع العربي الإسرائيلي وملفاته المتفرعة. ففي كل مرة كانت تلوح مشاريع السلام الوهمي مع إسرائيل كان لبنان المنصة الغربية الملائمة للتصويب على دمشق بهدف ابتزازها وجرها إلى مواقع متباينة مع توقيتات أجندتها السياسية الخارجية، ومع ذلك تمكنت دمشق من تقطيع الوقت وهضمه في محطات صعبة مختلفة ومتعددة، وكان لبنان الحاضر الناضر لدفع ثمن مواقفه المتباينة معها.

ثمة خلاصات ينبغي على لبنان التنبّه لها والأخذ بها بجدية متناهية وبخاصة في الظروف الإقليمية والدولية العاصفة. اليوم يمر الشرق الأوسط وبالتحديد النظام الإقليمي العربي بأصعب مراحل إعادة التكوين السياسي وربما الجغرافي للكثير من أنظمته، وتكاد تتطابق مع ظروف عشرينيات القرن الماضي، حين قُسمت المنطقة على أسس يمكن استغلالها لاحقا، واليوم وبعد تسعة عقود تعيد القوى الكبرى لعبتها في المنطقة العربية بمسميات وشعارات مختلفة. انطلق الحراك العربي في كل مكان وباتت أحزاب الفيس بوك والتويتر وغيرها، منصة لتحريض الشعوب على أنظمتها كما بعضها على بعض. واليوم ما يجري في سوريا وصلا بالواقع اللبناني المقيت، يهيئ أيضا لواقع مختلف في لبنان عاشه زهاء عقدين من الزمن إبان الحرب الأهلية.

وإذا كان بعض اللبنانيين مسرورين لما يجري في سوريا، وبعضهم الآخر يضرب أخماسا بأسداس، فإن ما ينبغي معرفته انه لم يكن لبنان يوما بمنأى عن أي تحوّلٍ أو تغيير في جغرافيا المنطقة كما تاريخها. بل أن لبنان معني أولا وأخيرا بأمن سوريا كما أمنه، ومعني أيضا بالبوصلة السياسية التي تحكم شرقه قبل غربه. وبالمناسبة أيضا وأيضا، هل نسيَّ اللبنانيون ان لديهم نظام طائفي يرقى إلى درك القرون الوسطى، فلماذا حراكه لا زال هجينا، أليس من الضروري التساؤل عن ذلك، أم ان للبنان وظيفة أخرى ينبغي ان يشغلها في الظرف الراهن.

ثمة هواجس ومخاوف لبنانية وسورية متبادلة وصلت في بعضها إلى حد إلقاء الكثير من الحُرم السياسي والأمني. واليوم على لبنان كما سوريا التنبه للآتي من الأيام التي ربما تكون الأصعب في تاريخهما. اغتيال الرئيس الحريري ومن ثم عدوان إسرائيل على لبنان في العام 2006، لم يغيرا الوجهة السياسية لسوريا وللبنان، واليوم نظرية "الفوضى الخلاقة" تطل برأسها من جديد علَّ وعسى تحقق أهدافا عجزت أميركا وإسرائيل عن تحقيقها سابقا في المنطقة. فهل يعلم أصحاب الرؤوس الحامية بذلك؟ طبعا نحن العرب بحاجة للكثير من الديموقراطية، لكننا لسنا بحاجة إلى إلباسنا المريول الأميركي وجرّنا إلى المدارس لتعليمنا أسس الديموقراطية الأميركية التي أرادت كونداليسا رايس في تموز 2006 إبان العدوان على لبنان ولادتها من رحم الشرق الأوسط الجديد.

د. خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

www.drkhalilhussein.blogspot.com