ليبيا صرخة إبداع مدوية

بقلم: ماجدة سيدهم
ليس الدمار، ولا جثث القتلى، بل جثث الكلمات

"في الثورات والحروب يبقي الضحية دوما هو الإنسان المقهور "

ربما قيل وكتب الكثير عن أحداث ليبيا منذ انفجار ثورتها العارمة في 17 فبراير وحتى اللحظة، وما بين أحداث وتحليلات وتوقعات تساءلت عن سر اهتمامي الشديد بالأحداث المتلاحقة هناك والتقاط كل فرص التواصل المتاحة مع الأصدقاء للاطمئنان والاطلاع على تفاصيل زوايا وأرصفة الشارع الليبي بينما لا زال يسألني الكثيرون لماذا قام الشعب الليبي بثورته؟ هل كان في حاجة لهذا؟

ووجدت من الأمانة بحال أن اكتب لا عن وطن عشت وعايشت أهله بحب وأمانة طيلة سنوات وحتى أواخر 2010 ـ بل لأجيب عن سؤال يشكل للشارع المصري على وجه الخصوص علامة استفهام تلك العلامة التي لا تمثل غير انطباع سيئ وغير حقيقي عن الشعب الليبي الذي ذاق الويل والقهر والجوع والبطالة عهدا بائسا متخلفا جاحفا يدعمه طغيان القذافي، ولا أنكر انه ذات الانطباع الذي رافقني ولازمني وقتا فترة إقامتي هناك ـ فما الذي يمكن أن تجود به صحراء يمتد بها الفراغ إلى أركان الخواء المترامي بغير بضعة أشخاص متناثرين يشكلون عالماً غريباً خارج نطاق الفاعلية والحياة ـ ولا أنكر ما كنت اسمعه قبل من سخرية تضاعف من غضبي إلى عزلة متراكمة "حد يروح ليبيا؟ هو فيه هناك ناس زيِّنا كده"!

والآن اكرر اعتذاري عما سبق وفكرت به لأكتب عن وطن لا تكمن ثروته الحقيقية في نفطه المحظور عن شعبه بقدر ما اكتب عن كنزه الذي يفوق حد الدهشة وهو ثروة الإبداع الملقى جانباً بعيداً عن الهواء، فهل سمعنا قبل عن إبداع في ليبيا أو لدينا أدنى فكرة عن اسم فنان أو مثقف ليبيي؟

ولأني عرفت ولامست وقرأت النزر القليل من زخم وثراء وعمق وروعة واختلاف الرؤى في الأدب والفنون والثقافة الليبية ـ إذ أجدني ومنذ سنوات قريبة ارتطم بمفاجأة مذهلة لم أكن أتوقعها يوماً في بلد مهمش بالكلية حتى عن نفسه ـ فالأمر كله يكمن في سياسة التغييب الإعلامي المتقن هناك يقابله إهمال وتحقير إعلامي هنا.

نعم نجحت السلطة الليبية بوحشيتها وجهلها العميق في إقصاء كل فكر وفن ورؤية مختلفة بل الاستخفاف بها، وأفلحت في تهميش كل مثقف و مبدع حقيقي يخالف بل لا يخدم النظام حتى باتت ليبيا مكدسة بمبدعين يعانون الكبت والقهر والعزلة وعدم التقدير والاحترام.

هناك تفشت الانحرافات ما بين العنف العشوائي والإدمان والعزوف عن الحياة وانتشار الأمراض النفسية لفرط ممارسة الضغوط السياسية والاجتماعية والتي كان يدعمها النظام القبلي ويؤكدها بحرص شديد طغيان حاكم يجد في نفسه ملكاً خالداً أبداً كفاتحه الأبدي أيضاً.

راسلني صديقي الشاعر الرائع سالم العوكلي يوماً وكان متابعاً نهماً لأحداث 25 يناير.

يقول بأسى "كم نفتخر جداً بثورة مصر هنا ونهلل ونرفع أعلامها في شوارعنا ولا أتوقع بمثلها في ليبيا ليس لشيء غير أننا ارخص الشعوب"!

كم هو مؤلم جداً هذا ـ لذا صارت القضية لهم قضية حياة أو موت ولا بديل ـ فلا عجب أن يتجاوز عدد الشهداء عشرات الألوف وان يخرج مدوياً غضب النساء والفتيات والأطفال للميادين والشوارع لإنتزاع حقهم في الحياة بلا خوف أو تردد.

لا عجب أن يقال إنها لم تعد ثورة بل حرب شرسة، وقد وصلتني منذ أيام العديد من الصور ومقاطع الفيديو المفزعة التي تعد توثيقاً تفصيلياً مخيفاً يشهد فاضحاً عن فظاعة ما ارتكبه القذافي من مجازر دموية بلا رحمة أو عقل ما تقوى على فعلها قوى الشر مهما تجبرت واستباحت.

وبينما يترقب الجميع السقوط العظيم لطغيان القذافي تكوَّن سريعا المجلس الوطني من ساسة ومفكرين ومثقفين وحقوقيين والذي نال ثقة الشارع الليبي وتقديره وقام بإعداد الدستور ووضع القوانين التي غابت عهداً طويلاً بل قد يكون متفقاً على رئيس الدولة القادم وتوالت الصحف والدوريات والنشرات متابعة الحدث في لحظته.

وهنا يصبح الوقت هو بطل الحدث المرتقب فور السقوط العظيم للنظام، وكل لحظة تمر تحدث كل الفرق في حياة الشعوب المستغيثة لحريتها ودمائها المهدورة بلا رادع أو ضمير، لكنه حتماً سيكون لها خلاصها وانطلاقها صوب الكرامة والإحساس بالقيمة والتقدير وبناء نهضتها بنهم يعادل حرمان السنين.

أجل أراها ليبيا مفاجأة قوية للمنطقة العربية كلها، بينما المفاجأة المذهلة التي ستستحق منا كل الانتباه والإحرام هي في كشف تلك الغيوم عن الثقافة والتراث والحضارة الليبية على مر العصور لنتواصل حديثاً مع الإبداع الليبي المختلف والمتميز الذي حتما سيحدث إضافة وتجديداً في روح الثقافة والفكر والأدب العربي.

ثروة ليبيا الحقيقية ثروة عربية ولفرط المعاناة كانت شديدة العمق والثراء والجمال، مابين فكر وشعر، وفلسفة ونقد، ورواية، وقصة وترجمة يتألق إبراهيم الكوني، الصادق النيهوم، نجيب الحصادي، سالم العوكلي، احمد الفيتوري، فاطمة محمود، فرج العربي عاشور الطويبي، عبد السلام العجيلي، حواء القمودي، سعاد سالم، احمد يوسف عقيلة، احمد باللو، محمد الشلطامي، سليمان تشلاف، يوسف القويري، احمد ابراهيم الفقيه، صالح السنوسي، وفاء البوعيسى، علي الرقيعي، الجيلاني طاربيشان، محمد الفقيه صالح، زاهي المغيربي، محمد الأصفر،عمر الككلي، عائشة المغربي، فرج الترهوني، أيمن مازن، خليفة التليسي، بشير الهاشمي، مرضية النعاس، فاطمة الحاجي، محمد زيدان، عبد الله هارون خديجة الصادق، نعيمة الزني، يوسف الشريف، نجوى بن شتوان، سعيد المحروق، والعديد العديد.

بقي الآن أن أرثي هؤلاء القتلى والجرحى المشوهين اثر فعل شراهة وعار ملك ملوك الجريمة المؤسفة، هناك على رصيف الضمير الإنساني سقط غارقا في حلمه إنسان ربما هو شاعر أو رسام أو طبيب أو عازف أو كاتب أو باحث أو طالب أو بلا عمل حالم بمستقبل له أفضل، جميعهم وأكثر كانوا مشاريع لمستقبل يتوقع منهم أجمل ما لديهم، سترثيهم أجيال ترتفع عالياً على أعظم ما قدموه هو حياتهم القصيرة.

ربما خاب قلمي فيما كنت أرنو إليه لكن..هذا ما كتبت.

بقي سؤال إزاء ما يحدث من جرائم ترتكب في ليبيا، هل قدم الضمير العالمي لصرخة الشعب الليبي ما يجب أن يقدم؟

ماجدة سيدهم