هل تتجه منظمة التحرير نحو إيران باتفاقها مع حماس؟

بقلم: انس محمود الشيخ مظهر

من المعروف إن المصالحة بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين حركة حماس والمزمع توقيع بنودها هذا الأسبوع في القاهرة هي نتاج مفاوضات كان الجانبين يجرونها في عهد النظام المصري السابق، ولكن يظهر أن أبو مازن في وقتها لم يكن مضطرا لإدخال حركة حماس كشريك في الحكومة الفلسطينية وخصوصا وأنها كانت تتعرض لضغوطات أميركية وإسرائيلية وعربية تمنعها من الوصول إلى أي اتفاق جدي مع حماس.

الحديث عن هذا الاتفاق جعل الجانب الإسرائيلي (الحكومي والمعارض) يدلي بتصريحات بعيدة عن الرزانة التي طالما حاولت إسرائيل أن تظهر بها أمام الرأي الإسرائيلي الداخلي والرأي العام الدولي. التخوفات الإسرائيلية من هكذا اتفاق ينبع من أن ظهور حماس على المشهد السياسي الفلسطيني مرة أخرى سوف يعرقل كثيرا الوصول لاتفاق إسرائيلي فلسطيني على الملفات العالقة بين الجانبين في عملية السلام والتي مضى عليها أكثر من عقدين من الزمن، حيث انه من المعروف إن النهج السياسي والعقائدي لحركة حماس تجعلها غير آبهة كثيرا بعملية السلام.

التصريحات الإسرائيلية والتي أتت على لسان نتانياهو وليفي وليبرمان جعلت أبو مازن يسارع بتطمين الجانب الإسرائيلي بان الشراكة مع حماس لا يعني إن هناك أي تغير في الموقف الفلسطيني تجاه عملية السلام بما أن هذا الملف سوف يكون في يد منظمة التحرير الفلسطينية وأبو مازن بالذات.

فما الذي جعل منظمة التحرير الفلسطيني تقوم بهكذا خطوة تصالحيه مع خصمها السياسي الآن؟

تمتاز منظمة التحرير الفلسطينية بقدرة فائقة على القفز السريع بين المواقف تبعا للظروف الإقليمية والدولية وتساعدها على ذلك محدودية مسئولياتها الدولية والأسس السياسية التي قامت عليها المنظمة وحركة فتح والظروف التي مرت بها المنظمة طوال هذه العقود.

رأت المنظمة نفسها فجاءة بأنها محاطة بظروف عربية لم تعهدها منذ انطلاقها ولحد الآن، فاستقراء الواقع الحالي من قبل منظمة التحرير يشير إلى أن حماس أصبحت واقعا حقيقيا في واقع الحياة السياسية الفلسطينية بشكل لا يمكن تجاهله، وتتخذ الحركة طريقا مختلفا تماما عن المنظمة في التعامل مع إسرائيل والتي صمدت في وجه محاولات إسرائيل لعزلها وإزالتها الأمر الذي جعل شعبيتها تزداد في الشارع الفلسطيني ليس في غزة فحسب وإنما في الضفة الغربية أيضا والتي تسيطر عليها فتح ،وأيضا فان بقاء القوة الإقليمية التي تعتمد عليها حركة حماس وهي إيران بعيدة عن الاضطرابات الداخلية، في الوقت الذي فيه تعاني الدول التي كانت تعتبر تمد الحياة للمنظمة تعاني من تغيرات دراماتيكية لا يمكن التنبؤ بما سوف تئول إليها أحوالها، خصوصا وان كل المؤشرات تدل على انه في أحسن الأحوال لن تكون حكوماتها المستقبلية آبهة بعملية السلام كما كان عليها الأمر في هذه الدول قبل ثوراتها.

فها هي مصر التي كانت تعتبرها سندا دبلوماسيا لها في كل خطوة تقوم بها يتهاوى النظام فيه في غضون أيام، وتونس التي آوت المنظمة في وقت تخلت عنها كل الدول العربية حيث كانت تعتبر الدولة التي تستطيع جمع التناقضات بعيدا عن الأجندات الجمعية العربية في وقت الشدائد تعيش ظروفا مضطربة من المستحيل أن تستقر على الوضع الذي كان عليه بالنتيجة، وليبيا التي كانت تعتبر بالنسبة للمنظمة الدولة العربية التي يمكن الاعتماد عليها في ظروف معينة تعيش حالة حرب أهلية حقيقة مكنت الغرب وأميركا من مد اذرعها الأخطبوطية فيها.

كل هذه الأمور أدت بالمنظمة إلى التوجه للملمة المشهد الفلسطيني المتشظي حيث أن اتفاقها على التطبيع مع حماس وإدخالها للحكومة سوف تستعجل بالمواقف التي كانت أميركا وإسرائيل تنوي اتخاذها تجاه المنظمة وعملية السلام بشكل يوجه الضغط فيه إلى حماس أكثر من توجيهه للمنظمة مما يجعلها الطرف (الحكيم) والذي يبقيها بيضة القبان بالنسبة للسياسة الأميركية والإسرائيلية ويخفف عليها الضغط لتقديم تنازلات أكثر من للجانب الإسرائيلي في الملفات العالقة.

من خلال الخبرة الطويلة للمنظمة في التعامل مع أميركا وإسرائيل فهي ترى إن الدولتين هاتين سوف تحاولان الوصول إلى اتفاقية سلام سريعة بشكل ما مع المنظمة لتثبيت أمر واقع تلافيا لأي تغيرات محتملة في المشهد العربي قد تكون في غير صالح الوجود الإسرائيلي، ومن المؤكد إن التماطل في عملية السلام في الوقت الحاضر هي للصالح العربي بعكس الفترات السابقة، حيث بتصوري إن منظمة التحرير سوف تعرقل الوصول لأي اتفاق سلام نهائية مع إسرائيل لحين وضوح رؤية المشهد العربي بشكل يمكن استقرائه من قبل المنظمة لتخطو الخطوات اللازمة بعد ذلك سواء بالاستمرار بعملية السلام أو نبذها كليا وان وجود حماس في الحكومة الفلسطينية سوف يساعد على هذا الاتجاه.

ولا يستبعد أن تتحرك المنظمة هذه المرة اتجاه إيران من خلال حماس للاعتماد عليها هذه المرة واستعمالها كـ"عامل ضغط" يمكن الاستفادة منها سياسيا في مسرح التعامل الإسرائيلي الفلسطيني ولكنها قطعا لن تذهب بعيدا في تعاملها مع إيران لأنها في النهاية لن تستطيع أن تقطع كل الخيوط مع أميركا وإنهاء الحراك الدبلوماسي معها ومع إسرائيل.

من الصعب كثيرا الحكم على الخطوة الفلسطينية هذه على المدى البعيد ولكن قطعا إن منظمة التحرير الفلسطينية لن تضع كل بيضها في سلة واحدة لان من المؤكد أنها سوف توزعها في السلة الأميركية والإسرائيلية والخليجية (عربيا) من ناحية ومن ناحية أخرى سوف توزعها في السلة الإيرانية وسلة حماس كونها لن تكرر الخطأ الذي وقعت فيه قبل عقدين من الزمن حينما راهنت على نظام صدام حسين وابتعدت عن الإجماع العربي والدولي ودفعت الثمن بالدخول في عملية سلام لم تكن محسوبة تماما ابتداء من اتفاقية أوسلو وما تلته من اتفاقيات سلام منقوصة.

انس محمود الشيخ مظهر

كردستان العراق – دهوك

Portalin2005@yahoo.com