'الاخوان' في مصر بين الخيارين التركي والايراني...

بقلم: خيرالله خيرالله

لعلّ اهم تطور شهدته المنطقة اخيرا، بعد الحدث العراقي طبعا، هو التغيير الذي شهدته مصر. لا تزال مصر، الى اشعار آخر، الدولة العربية الاهم. وليس صدفة ان ما جرى في مصر أثّر على الوضع في ليبيا واليمن وسوريا.

يتبين يوميا ان التغيير في مصر لم يكن ممكنا، بالطريقة شبه السلمية التي حصل بها، لولا وجود اتفاق ما بين المؤسسة العسكرية من جهة وحركة "الاخوان المسلمين" من جهة اخرى. انها ليست المرة الاولى او الاخيرة التي يشارك فيها "الاخوان" في التغيير داخل مصر، بل يلعبون دورا حاسما على صعيد حصوله. لكن السؤال هل في استطاعتهم هذه المرة على ان يصبحوا شركاء حقيقيين في السلطة ام ان العلاقة التي ربطتهم بالمؤسسة العسكرية ستمر، كما العادة، بتجاذبات وصولا الى صدام، على غرار ما حصل مرات عدة في السنوات الستين الماضية. بكلام اوضح، هل يمكن ان يكون "الاخوان" شركاء في السلطة في ظل النظام القائم الذي تاسس في العام 1952، ام انه لا يمكن ان يقبلوا باقلّ من تغيير كامل للنظام؟

قبل الانقلاب العسكري في العام 1952 الذي سمّي "ثورة يوليو"، كان هناك تعاون وثيق بين "الاخوان" و"تنظيم الضباط الاحرار" الذي نفّذ الانقلاب وانتهى من النظام الملكي واقام نظاما جديدا لا يزال مستمرا حتى اليوم عماده الجيش. بعدما استتب الامر لـ"الضباط الاحرار" في العام 1954 وتمكنوا من التخلص من اللواء محمد نجيب ووضعه في الاقامة الجبرية، بدأ الاحتكاك بين المؤسسة العسكرية التي بات على راسها جمال عبدالناصر من جهة و"الاخوان" من جهة اخرى. انتهى الامر بحملة على "الاخوان" استهدفت اجتثاثهم. لم تنته الحملة الا بوفاة عبد الناصر في العام 1970 وحلول انور السادات مكانه لتبدأ مرحلة غزل جديدة بين النظام و"الاخوان".

كان السادات في حاجة الى "الاخوان" ليواجه بقايا الناصريين واليساريين الذين كانوا يشغلون مواقع مهمة في مؤسسات الدولة وفي الاجهزة الامنية والحزبية. استخدم السادات "الاخوان" الذين استفادوا بدورهم من العلاقة الجديدة مع النظام. لكن الامور ما لبثت ان تغيّرت، ذلك ان شهر العسل لم يدم طويلا نظرا الى ان الصدام هو بمثابة حال طبيعية بين النظام المصري القائم و"الاخوان". اغتيل السادات في العام 1981 وهو في مواجهة مع "الاخوان" الذين ولدت كل الجماعات الاسلامية المتطرفة، بما في ذلك تلك التي اغتالت الرئيس المصري، من رحم فكرهم.

شهد عهد الرئيس حسني مبارك السيناريو نفسه. بدأ باطلاق "الاخوان" من السجون وانتهى بمواجهة توجت يوم الجمعة في الثامن والعشرين من يناير الماضي يوم نزول "الاخوان" الى الشارع بكثافة وبشكل منظم. ادى ذلك الى انهيار النظام الامني التابع مباشرة للرئيس المصري بعدما انسحب الامن المركزي من شوارع القاهرة. بدا واضحا يومذاك، ان ثمة تواطئا بين "الاخوان" والمؤسسة العسكرية التي كانت تقف ضد التوريث. تحركت المؤسسة العسكرية ببطء ولكن بفعالية من اجل التخلص من مبارك...

سقط الرئيس المصري وبقي النظام الذي بقيت المؤسسة العسكرية عموده الفقري. ما الذي سيفعله "الاخوان" الآن؟ هل في استطاعتهم القضاء على النظام ام يعملون على تغييره ببطء على مراحل مستفيدين من التجربة التركية؟ من الواضح ان اعتماد التجربة التركية يحتاج الى تخلي "اخوان" مصر عن عاداتهم القديمة. ربما كان هناك جيل جديد يسعى الى ذلك. وهذا يعني في طبيعة الحال تغييرا على مراحل للنظام سيحتاج سنوات عدة بالتعاون مع المؤسسة العسكرية وبالتنسيق معها. نقطة الانطلاق ستكون الانتخابات المقبلة التي لم يتحدد موعدها بعد والتي يمكن ان تجعل من "الاخوان" حزبا يمتلك نسبة لا باس بها من مقاعد مجلس الشعب (مجلس النواب). اي تكتيك سيعتمده "الاخوان"؟ هل يعملون من اجل تغيير النظام بهدوء، علما بان ليس ما يضمن حصولهم على اكثرية في المجلس المقبل؟... ام ان جناحا في الحركة، مرتبط بالنظام في ايران، مستعجل على تغيير النظام وسيستعجل الدخول في مواجهة مع المؤسسة العسكرية؟ من لديه ادنى شك في العلاقة بين بين بعض "الاخوان" وطهران، يمكن احالته الى طبيعة النفوذ الذي تمارسه طهران على "حماس".

اي خيار سينتصر لدى "الاخوان" في مصر؟ الخيار الايراني ام الخيار التركي؟ لن يحتاج المرء سوى الى بضعة اشهر لمعرفة هل تعلّم "الاخوان" في مصر من تجارب السنوات الستين الاخيرة ام ينطبق عليهم المثل الفرنسي القائل: كلّما تغيّرت الاحوال، كلما بقيت الامور على حالها!

خيرالله خيرالله