مخاطر الانتقال الديمقراطي في تونس

بقلم: منور مليتي

إن أخطر ما يتهدد عملية الانتقال الديمقراطي التي تعيشها تونس خلال هذه الفترة الدقيقة من تاريخها هو استئثار حزب أو تيار واحد بالاستحقاقات الانتخابية القادمة واحتكاره للساحة السياسية.

لقد ظلت تونس منذ استقلالها عام 1956 إلى يوم ثورة 14 جانفي تئن تحت ضغط أجهزة حزب واحد لم يكتف باحتكار الساحة السياسية بل فرض بطاقة انخراطه على موظفي الدولة ورجال الأعمال والتجار وحتى سائقي سيارات الأجرة مستغلا في ذلك نفوذه الواسع.

وإضافة لاحتكاره للساحة السياسية همش الحزب الحاكم سابقا مختلف القوى الوطنية والديمقراطية وكان يستمتع بما يتعرض له المناضلون السياسيون من مضايقات.

ولما قامت الثورة وسرت في شرايين مختلف التونسيين طالبت مختلف التيارات السياسية ومكونات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية وقبلهم شباب الجهات المحرومة بحياة كريمة ينعم فيها الجميع بالحق في الحرية في إطار مناخ تعددي يضمن حق الاختلاف في الرأي.

وبعد ثلاثة أشهر من الثورة نجحت تونس في إنجاز خطوات هامة على درب القطع مع أشكال استبداد النظام البائد، كما نجحت في الانخراط في عملية البناء الديمقراطي تجسدت من خلال ارتفاع عدد الأحزاب السياسية إلى أكثر من خمسين حزبا. كما تجسدت في أشغال الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي إضافة إلى الحراك السياسي الكبير الذي تشهده البلاد في مختلف الجهات مع حياد واضح للحكومة.

لكن المتابع للمشهد السياسي والحزبي يلاحظ بكل يسر أن كثرة الأحزاب رغم أنها تعكس حالة ديمقراطية ناشئة تؤكد غياب تكافؤ القوى وهو ما يعكس واقعا سياسيا لا متوازنا يمثل أرضية ملائمة لاستئثار تيار أو تيارين على الأكثر بنتائج الانتخابات، وهذا خطر على العملية الديمقراطية.

صحيح أن نظام التمثيل النسبي الذي أعدته الهيئة العليا لحماية أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي يضمن تمثيل الأحزاب السياسية في المجلس التأسيسي، لكن ذلك لا يحول دون ـ حسب فهمنا ـ هيمنة حزب أو تيار.

وبلا شك فإن استئثار حزب سياسي واحد بالساحة السياسية يهدد عملية الانتقال الديمقراطي، إنه يعكس شكلا جديدا من أشكال الاستبداد والدكتاتورية ما لم تتوفر الآليات التي تسهر على احترام العملية الديمقراطية وما لم توجد قوى مضادة قادرة على الضغط.

وتزداد خطورة الاستقطاب الأحادي للمشهد السياسي أمام هشاشة الوضع العام بالبلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وهو وضع لا يحتمل أي احتقان الأمر الذي يدعو إلى تأمين عملية انتقال ديمقراطي في إطار توافق وطني حول جملة من الثوابت والمبادئ والقيم يلتزم بها الجميع.

وللتوقي من مخاطر الانتقال الديمقراطي في تونس التي يتميز تاريخها بخصوصية حضارية عنوانها الأبرز الوسطية والاعتدال فإن القوى الديمقراطية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التكتل والتحالف في إطار جبهة عمل سياسي وسطي ينبذ التطرف والعنف كما ينبذ التعبئة الإيديولوجية وعمليات شحن المشاعر الثقافية والدينية.

وتعد دعوة الأحزاب السياسية الوسطية من مخاطر نزعات التطرف والخلط بين ما هو ديني وما هو سياسي والاستقطاب الأحادي للساحة السياسية على مسار الانتقال الديمقراطي، مبادرة واعية فعلا بطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد.

وقد جاءت هذه المبادرة خلال تظاهرة تحت عنوان "ملتقى للأحزاب الوسطية" شارك فيه ممثلون عن "حزب المجد" و"التحالف الوطني للسلم والنماء" و"حزب الوفاق" و"الحزب الجمهوري" و"حزب الإصلاح والتنمية" و"الحركة الوطنية للعدالة والتنمية" و"حزب الحرية والتنمية" و"حركة شباب تونس الأحرار" و"حزب العدل والتنمية".

لا يتعلق الأمر هنا برفض الأحزاب الراديكالية، اليسارية واليمينية، فهذا أمر ترفضه العملية الديمقراطية، لكن ذلك لا ينفي التأكيد على أن تونس التي تتوق القوى الديمقراطية لبنائها هي تونس المعتدلة، المتسامحة، تونس التي يجد فيها جميع التونسيين حقهم في الحرية والتعبير والرأي دون خوف من سطوة هذا التيار أو ذاك.

وبمعنى أدق فإن ما يتهدد عملية الانتقال الديمقراطي هو الفكر الإيديولوجي الذي يتناقض مبدئيا مع دولة المواطنة ويرفض مفهوم الدولة المدنية بمؤسساتها وبرامجها وثقافتها وهذا أمر في منتهى الخطورة.

ولا نستبعد في هذا الإطار أن أشد خلاف سيشهده المجلس التأسيسي سيكون محوره البند الأول من الدستور وهو البند الذي سيقدم تعريفا قانونيا للدولة المدنية نظرا لوجود تيارات ذات مرجعية إيديولوجية راديكالية.

لهذه الأسباب ولتجنب مخاطر حقيقية تهدد عملية الانتقال الديمقراطي فإن "الميثاق الجمهوري" يعد مسألة حيوية بل ضرورية حتى تتفق كل الأحزاب والقوى الوطنية على جملة من المبادئ والقيم المدنية يلتزم بها الجميع من أجل بناء مجتمع تعددي ديمقراطي ودولة مواطنة مدنية تضمن حقوق كل التونسيين.

منور مليتي