كيف وصل الفقر إلى 'أرض الفرات'؟

الفقر ليس قدراً

لندن ـ تحيط الالتباسات بمشكلة الفقر في سورية من جوانب عدة، بينها تحديد معنى الفقر أو تعريفه، ثم تحديد روابط الفقر في العلاقة مع المدينة والريف، وكذلك ارتباطه بالنوع الاجتماعي، وروابط الفقر بالنسبة للفرد والاسرة، وجميعها التباسات، تؤثر في تحديد بعض جوانب المشكلة، وتلعب دوراً في ابرازها أو في التخفيف منها.

غير أنه وبغض النظر عن الالتباسات المحيطة، فان المشكلة قائمة بقوة في الواقع السوري، بل هي مشكلة متفاقمة على نحو ما تؤكد المعطيات المحيطة بها، والتي لم تتغير بصورة جوهرية في السنوات العشر الماضية رغم الجهود الرسمية والشعبية، التي تم القيام بها للحد من الفقر أو تصفيته، والتي كان ابرزها طرح وتنفيذ عدد من مشروعات هدفها مكافحة الفقر والحد منه.

‎وطبقاً للارقام الرسمية، فان معدل الفقر في سورية تراوح في الاعوام العشرة الماضية حول نسبة 30 بالمائة، وهذا يعني أن ثلث السوريين عند خط الفقر أو تحته، وهي نسبة كبيرة تتجاوز تأثيراتها الجانب الاقتصادي لتترك تأثيراتها السلبية في الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية في الحياة السورية.

ذلك ان الفقراء وإن كانوا أعجز الفئات في القيام بدور مناسب في الأنشطة الاقتصادية، فإنهم عاجزون بصورة كلية عن القيام بدور سياسي فعال وإيجابي من خلال المشاركة في الحياة السياسية، وهم يشكلون عبئاً ضاغطاً على البنية الاجتماعية، يؤثر على استقرارها وتقدمها، اضافة الى تأثيرهم السلبي في البنية الثقافية ومستويات أدائها بل في انشغالاتها.

وبطبيعة الحال، فان مشكلة الفقر تتولد بفعل اسباب يكثفها الخبير الاقتصادي د.محمود عبد الفضيل بالقول "الفقر نتاج سياسيات موروثة أو عدم كفاءة في تنمية الموارد".

ويتضمن هذا التكثيف الشديد جملة من الأسباب، تنقسم إلى محورين؛ أولهما محور الأسباب الخارجية، والثاني محور الأسباب الداخلية.

والأهم في محور الأسباب الخارجية، تمثله بيئة العلاقات الدولية القائمة، التي تفرز سياسات من شأنها إفقار البلدان والشعوب الأفقر والأقل نمواً من خلال سياسات نهب موارد وقدرات تلك الدول والشعوب المادية والبشرية.

ويضاف إلى ما سبق طبيعة العلاقات الإكراهية وغير المتكافئة المفروضة، والتي تتم ممارستها على نطاق واسع، مضافة إلى السياسات المالية ولا سيما في ميدان القروض والمساعدات.

كما أن إشاعة أنماط معينة في الاستهلاك، يمثل أحد أسباب مفاقمة الفقر في كثير من دول العالم أما في محور الاسباب الداخلية، فيمكن ملاحظة ثلاث مجموعات من الأسباب، أول المجموعات، تمثلها أسباب طبيعية تستمد حضورها من طبيعة سورية، وهي بلد محدود الموارد مقارنة بما هي عليه البلدان النفطية، أو حتى البلدان الزراعية.

إذ هناك محدودية في مساحات الاراضي القابلة للزراعة وللزراعة المروية بصورة خاصة، كما أن بين الأسباب الطبيعية، تحكم الجوار بمصادر المياه الجارية، والتعرض البلاد لعوامل طارئة مثل انحباس الأمطار والجفاف، وهي ظاهرة تزايد حضورها في العقد الاخير، وقد تركت آثاراً ظاهرة في تعميق الفقر وتفاقمه في أغلب المحافظات السورية، ولا سيما في المحافظات الشمالية والشمالية الشرقية.

والمجموعة الثانية في جملة الأسباب الداخلية، تعود إلى الموروثات الاجتماعية التي مازالت تترك أثرها في سلوكيات السوريين، وإن كانت هذه الموروثات آخذة في التقهقر نتيجة تفاعلاتها مع الوضعين الاقتصادي والثقافي.

ولعل الأهم في هذه الموروثات عزوف الرجال عن العمل الزراعي والحرفي في بعض المناطق السورية وخاصة في مناطق الجزيرة، وتكليف النساء وقوة العمل المأجورة القيام بأعمال، يمكن أن يقوم بها الرجال من أصحابها.

والأمر الثاني في الموروث الأجتماعي، يرتبط بعمل المرأة، إذ ما زالت أوساط غير قليلة تمانع عمل المرأة، أو هي تعترض على نسق معين من أعمال، يمكن ان تقوم بها النساء، كما أن ثقافة "العيب" تسجل حضورها في أعمال لا تخص النساء فقط، وإنما الرجال ايضاً، رغم أن هذه الأعمال لا تتعارض مع القيم الإنسانية وكرامة النساء والرجال معاً.

والناتج النهائي لهذه الأسباب أنها تغلق أبواباً، يمكن من خلالها الخروج من أسر الفقر، أو على الأقل تخفيف حضوره في حياة السوريين.

أما المجموعة الثالثة والأخيرة في جملة أسباب الفقر في سورية، فهي السياسات الحكومية التي جرى تطبيقها، وأدت إلى مشكلة الفقر، وقد فاقمت تلك السياسات في سنواتها الأخيرة تلك المشكلة رغم مساعيها المعلنة في محاربة الفقر أو الحد منه على نحو ما تؤشر الوثائق الحكومية، وتصريحات كبار المسؤولين السوريين.

أول هذه الأسباب وأهمها، تمثله مضامين ونتائج خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي وضعتها ونفذتها الحكومات السورية المتعاقبة، وقد برهنت عجز السلطات عن القيام بخطط تنمية حقيقية وجدية، وكشفت عما يمكن تسميته بـ"خطط التنمية الشكلية" بحسب نتائجها.

ففي مناطق يفترض، ان تكون موضع اهتمام حكومي مركّز مثل الجزيرة السورية، والتي تمثل خزان ثروات سورية من النفط والقمح والقطن والبشر، عجزت خطط التنمية المطبقة منذ بداية الستينات عن تطوير هذه المنطقة وحمايتها من السياسات الارتجالية والتبدلات الطبيعية الطارئة، وقد دفعت الأخيرة في الأعوام القليلة الماضية مئات من سكان المنطقة إلى هجرات داخلية ـ خارجية هرباً من الفقر والعوز.

والسبب الثاني، تمثله السياسات المالية والضرائبية، التي تتابع الحكومة تنفيذها، حيث تؤدي الاولى الى ارتفاع معدلات التضخم، وتتصف الثانية بالجور على الفئات الاجتماعية الادنى ومحاباة الفئات الاعلى ولا سيما الأغنياء من خلال سياسة الضرائب، حيث تكثيف الضرائب ومتابعتها للفئات الدنيا كما هو حال الموظفين وغالبيتهم من الفقراء، مقابل اعفاءات وسياسات ضريبية ميسرة وتسهيلات لاصحاب الاموال والمشاريع.

وثالث الأسباب إفساح الأبواب لعمليات نهب امكانيات الدولة والمجتمع بالتزامن من خلال شيوع السرقات والتعدي على المال العام وأراضي الدولة، وقبض العمولات والرشى، الى جانب هدر القدرات والطاقات وتدمير الامكانات والفرص، التي يمكن ان تساعد في النمو والتقدم.

والسبب الرابع، يمثله تراجع دور الدولة وخاصة في المجالات الخدمية مثل الصحة والتعليم الذين تراجعت موازنتهما النسبية في العقود الاخيرة، وهو أمر ترافق مع تدهور نظام الحماية الاجتماعية الذي يعني الفقراء والمعدمين أكثر من غيرهم، رغم الضعف الشديد الذي يسم نظام الحماية الاجتماعية في سورية.

وخامس الاسباب، يظهر في التقاعس الحكومي في مواجهة ظواهر تعزز حضور الفقر، وتدفع مزيد من الفئات الى اتونه مثل البطالة والفساد وتدهور التعليم وانخفاض سويات التدريب، وكلها تترك آثاراً شديدة التأثير على قوة العمل وقدرتها في المساهمة بدورها في التطور الاقتصادي الاجتماعي للبلاد

وكما هو واضح، فان أسباب الفقر في سورية كثير ومعقدة، غير أنها قابلة للمعالجة، إذا توفرت إرادة سياسية لدى أصحاب القرار والسلطات المعنية.

ذلك أن الفقر ليس قدراً، وإنما ناتج عن وقائع وسياسات، مما يعني أن تغيير الوقائع وتبديل السياسات، يمكن أن يساهم في القضاء على الفقر أو الحد منه على الأقل.

ولعل المفتاح الأساسي في ذلك يكمن في اتباع سياسات تستغل الموارد والقدرات بصورة جدية وتوسع الاستثمارات، ثم اتباعها بسياسات مناصرة للفقراء، والتي تتضمن في الاساس من مضمونها تحقيق تنمية زراعية وريفية وتخصيص استثمارات عامة لانتاج والخدمات وتوليد فرص عمل ورفع إنتاجية العاملين، وتنفيذ سياسات مالية تتبنى أهدافاً تضخمية أقل، وإصلاح القطاع المالي والنظام الضريبي.(مركز التواصل والأبحاث الاستراتيجية)