يا كرد العراق انقذوا العراق؟

بقلم: انس محمود الشيخ مظهر

العراق دولة متعددة الأعراق والأديان قد لا تضاهيه في هذا التنوع أي دولة عربية أو إسلامية، وهذا التنوع هو من إحدى مقومات النجاح إذا ما عرف العراقيون كيف يستغلونه كي يكون عاملا ايجابيا وليس سلبيا من اجل النهوض بالحاضر والانطلاق منه نحو المستقبل، ولكن عندما تكون الأغلبية السياسية في العراق قاصرة على فهم الواقع العراقي يتحول هذا التنوع إلى سبب من أسباب الفرقة والانحدار في كافة مفاصل الحياة وهذا للأسف ما شهده العراق منذ بداية تكونيه ولحد الآن.

السياسي العربي (باعتباره من الأغلبية) في العراق يعاني من مرض سياسي مزدوج وهو هاجس الخوف والحالة التآمرية التي عانى منها هذا الإنسان العربي منذ العصور الإسلامية الأولى ولحد الآن، سواء أكان هذا الهاجس من خارج الدولة أو حتى في داخله، هذه النقطة جعلت السياسي العربي الحالي يصب كل اهتمامه لحماية نفسه داخليا من خونة مفترضين وحماية سلطته من تحديات خارجية ومؤامرات قد لا تكون لها أساس، وهذا ما شهدناه بوضوح في العراق طوال الحقب الماضية، حيث أن كل الموارد المالية للعراق ذهبت للإنفاق على أجهزة أمنية متعددة كل هدفها حماية النظام من الداخل، وأيضا على ترسانة أسلحة لم تستعمل قط في وجهتها الصحيحة حيث تارة تستعمل لقتل الشعب باعتبار جزء كبير منه كان "يخطط" مع الخارج للتآمر على النظام "الوطني" العراقي على حسب زعمه، وتارة لحماية العراق من "التآمر" ا لإيراني والكويتي جنوبا وشرقا،وهكذا أنهك العراق والشعب العراقي لترضية أحلام "ساسة" دونكيشوتيين يحاربون طواحين من خيال.

المشكلة التي يعاني منها العراق حاليا لا تختلف كثيرا عن المشكلة السابقة، الشيء الوحيد الذي اختلف هو انه بدلا من أن يكون الدكتاتور الفردي فقط عنده هذا الهاجس التآمري تحول المرض إلى مجاميع من الساسة سواء في المعسكر السني العربي أو المعسكر المقابل الشيعي العربي في العراق. فالسياسي العربي الشيعي لديه هاجس خوف تاريخي من الجانب الآخر السني، وهذا الهاجس قد يكون في محلة إلى حد ما ولكن ليس للدرجة التي نراها الآن بحيث يستحيل على السياسي العربي الشيعي أن يرى العراق إلا من خلال مذهبه وينطلق من هذا المذهب لكي يقيم كل القضايا التي يعاني منها العراق حتى وان كانت قضايا لا علاقة لها بأي موضوع مذهبي طائفي. وما التمترس الذي نراه في الأحزاب والقوائم العراقية الشيعية والتقارب بينها وبين إيران الشيعية إلا دليل على هذا التخوف، وما شهدته الانتخابات الاخيره من الممكن اعتباره تأكيد على ما ندعيه وهي حقيقة ماثلة للعيان. هاجس الخوف الجمعي من المؤامرة جعلت العلاقات السياسية العراقية مع دول الجوار العربية (السنية) تتراوح في مكانها حيث لم يستطع العراق ( ذو الأغلبية العربية الشيعية) من إقامة علاقات طبيعية مع أي دولة عربية بل إن العلاقات العراقية – العربية يمكن تعريفها في أكثر الأوقات بأنها متأزمة.

وفي الجهة المقابلة، المعسكر السياسي العربي السني في العراق بقي أسير الماضي القريب وإعادة عقارب الساعة للوراء إلى ما كان عليه الأمر منذ العصور الأولى للإسلام ولحد الألفين وثلاثة مستعينا بالعمق العربي السني في الدول العربية، وهذا المعسكر ذهب ابعد من الهاجس الطائفي فقط وإنما غرس في الذهن السياسي الجمعي لهذا المعسكر أن هناك مؤامرة خارجية على عروبة العراق من دولة كإيران وأيضا من الحركة التحررية الكردستانية فبقي أسير قيدين وليس قيدا واحدا للحد الذي تقابل أي خطوة تخطوها حكومة إقليم كردستان بحسن نية ولراب الصدع العراقي - العراقي تجاهها يجابهها هذا المعسكر بوابل من الشكوك والريبة تجعل من المستحيل إقامة علاقات سياسية طبيعية مع هذا المعسكر (بالرغم من أن أكثرية الكرد هم من المذهب السني).

مثل هكذا تقوقع فكري سياسي يستحيل أن يقدم شيئا للعراق من المعسكرين العربيين وخصوصا وان المنطقة تتهيأ لصراع طائفي سني شيعي يتعدى العراق ليشمل كل المنطقة الإسلامية العربية أي إن سيطرة هذين المعسكرين العربيين على العراق سوف يأتي بمآس أكثر واكبر على العراق.

لو كان الأمر يتعلق بدولة أخرى ليس لدينا فيها ككرد ناقة ولا جمل لما كنا قد اكترثنا لان كل دولة لها خصوصياتها وأهل مكة أدرى بشعابها مثلما يقال، ولكن بما أن الوضع العراقي يؤثر علينا نحن ككردستانيين عراقيين سواء من الناحية السلبية أو الايجابية، إذا فيجب علينا ككرد حماية تجربة العراق الجديد بالشكل الذي يقدم الازدهار لهذا البلد والذي سوف يؤدي بالنتيجة لازدهار الإقليم أكثر وأكثر. لو كان للكرد الأغلبية السكانية في العراق لما كنا سوف نواجه أي مشكلة بعدم السماح لهذين المعسكرين بتصدر المشهد السياسي العراقي اعتمادا على مبدأ الأغلبية وصناديق الاقتراع، ولكن وبما أننا لا نمثل الأغلبية الكافية لتصدر المشهد السياسي العراقي، إذا فيجب علينا الاعتماد على الأغلبية العربية في جمع الأصوات الكافية لذلك. ولكننا واثقون بان هذه النقطة مستحيلة الحدوث في ظل الاستقطابات الموجودة حاليا في العراق، إذا فمن الواجب على الكرد محاولة تضعيف الدور العربي في العراق وإفشال محاولات الطرفين في السيطرة الكاملة على زمام الأمور، وهذا لا يأتي ومؤسسات الدولة والحكومة كلها موجودة ومتركزة في العاصمة بغداد، لأنه طالما ظلت الوزارات ومؤسسات الدولة موجودة في بغداد ذات المحيط والنفوذ العربي الأكثر، فالدور الكردي في دفع الأمور باتجاه سياسة حكيمة للصالح العراقي سوف يكون غير ملموس إن لم نقل معدوم، إذا فمن المفروض الدعوة لنقل بعض مؤسسات الدولة المهمة في الحكومة العراقية إلى مدينتين عراقيتين بالإضافة إلى بغداد إحداها في الجنوب الشيعي والثانية في مدينة كردستانية حيث سوف تكون هذه المؤسسات بعيدة عن ضعف الأداء العربي من المعسكرين، حتى وان كانت هذه الوزارات تابعة لقوائم عربية من الطرفين. هذه الخطوة لن تكون فقط لصالح الحاضر العراقي وإنما سوف تقلل من عوامل عدم الثقة السياسية الموجودة بين ساسة المذهبين وتزيد من الطمأنينة من قبل كل معسكر لمستقبله في العراق وتقلل من هاجس التآمر الذي يلازم هؤلاء بشكل مستمر وخصوصا بعد أن أظهرت الانتخابات الأخيرة بان العراق قد تحول من دكتاتورية الفرد في عهد صدام حسين إلى دكتاتورية الطائفة في عهد ما بعد صدام حسين.

يجب أن لا ننسى إن الإقليم استطاع في السنوات الثمانية الماضية من أن تخطوا خطوات نهضوية واعدة في كل مجالات الحياة، وتعاملت مع دول الجوار العربية وغير العربية بشكل استطاعت من خلالها أن تكون شبكة علاقات مبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل الشيء الذي فشل من تحقيقه حكومة المركز وبجدارة.

انس محمود الشيخ مظهر

كردستان العراق – دهوك

Portalin2005@yahoo.com