الاحتلال والاختلال سبب ونتيجة للوضع القائم في العراق!

بقلم: جمال محمد تقي

لسنا بحاجة للتدليل على ان الظل يبقى اسيرا لحركة انحسار الضوء عن جهة من جهات الاصل، كما لسنا بحاجة للتذكير بان ظل الاحتلال في العراق والمتمثل بطبيعة العملية السياسية القائمة وآليات عملها ودستورها هو الستار الذي يتوارى خلفه الاصل كوجود مادي وروحي ومرجعي، وكأهداف واجندات وتفاصيل وادوات تنفيذ.

انتهت ثمان سنوات على احتلال العراق ومرت على بغداد ثمانية من اشهر النيسان وهي تحمل في ذكرى التاسع من ايامها صور مؤلمة هي الاكثر فداحة في آلام الحضور والاستدعاء، حيث دخلها علوج النخاسة يستبيحون ما تراه اعيونهم وهم يرددون العبارة العاهرة "جئناكم محررين لا فاتحين"، يومها لم يكن رد الفعل مستوعبا للمشهد بكل حذافيره، لكن كانت كل حالات الحدث بكفة وحالة الادلاء الفخورين بمهمتهم بكفة اخرى، فقد وصل بهم الامر حدا من السقوط يعجز فيه اللسان عن الوصف، لقد استماتوا عند اسيادهم لنسيان شيئا اسمه الرحمة في التعامل مع كل عراقي يدافع عن نفسه، تصرفوا كملكيين اكثر من الملك، ولعبوا دورا لا يمكن ان يوصف بأقل من الدونية في عمق معانيها المجسدة بالخيانة الكاملة والسمسرة للمحتلين، لقد تفوقوا في الاداء على نجومية ابو رغال وابن العلقمي في التأمر والنفاق والاستقواء بالاجنبي على ابناء جلدتهم وفي بيع ضمائرهم املا بمكافأة وشيء من الاستخدام، انها حالة قياسية في المشهد كان رموزها من يتصدر اليوم الصفوف الاولى فيما يسمى بالعملية السياسية القائمة في العراق المحتل!

انتهت ثمان سنوات على غزو واحتلال العراق، ولم تنته المقاومة العراقية من دورها بعد، فكيف تنتهي والاحتلال مازال جاثما على صدر العراق؟ حتى وان اتم انسحابه من المدن، وعلى الرغم من تركيز مهماته باسناد القوات الحكومية، وعلى الرغم من ترشيق اعداد جحافله، وعلى الرغم من الاعلان الملتبس عن انسحابه نهاية عام 2011، ان من يبني قواعد نوعية لا ينوي انسحابا حقيقيا، وان من يبني اكبر سفارة له في العالم على ارض بلادنا سيكون حتما قد وضع بحساباته اشكالا غير مباشرة للتواجد وفرض الوصاية، وفوق كل ذلك ان من زرع بذورا تحمل جينات مشروعه الخاص بمستقبل العراق سيحصد الثمار التي ينتظرها منها عن بعد او قرب، بسبب وجود وكلائه الذين يعملون كظله حتى وان غاب، انه سيبقى يمارس حضوره وان توارى عن الانظار.

ان الفضل الاول والاخير يرجع للمقاومة العراقية في عرقلة المشروع الاميركي في العراق والمنطقة، فما حصل من ازمة في الوضع الاميركي الداخلي والخارجي كان قد حصل بسبب وجود المقاومة ذاتها وبسبب بسالة تصديها وصمودها بوجه دسائس المحتلين وصناعهم، حصل بسبب الكلفة العالية التي دفعها المحتل من ارواح جنوده ومن عديد عدته ومن هيبته وسمعته، وهي كلفة لم تكن لتتحقق لولا الاعمال البطولية للمقاومة العراقية التي اذاقت المحتلين طعم الخيبة المريرة، فيكفي ان نتذكر أم قصر، والفلوجة، وابو غريب، يكفي ان نذكر بغداد وطريق المطار وبابل والموصل والعمارة والكوت وديالى والديوانية والرمادي والناصرية والنجف، يكفي ان نذكر ارقاما فيها اعداد القتلى والجرحى والمرضى النفسيين من جنود الاحتلال قد تعدت الالوف المؤلفة اما الاعداد غير المعلنة من قتلى عناصر شركات الحمايات الاجنبية الخاصة فهي لا تحسب لانها على البيعة هذا الى جانب الكلفة المالية المهولة.

مازال الاميركان يقتلون في العراق ومازالت قواعدهم تتعرض للقصف، ومازالت العبوات الناسفة تتصيدهم برغم قلة خروجهم في شوارع المدن.

ايام الاحتلال البريطاني للعراق اقيمت ايضا عملية سياسية فيها دستور ومجالس منتخبة واحزاب وصناديق اقتراع لكنها كلها كانت مجردة من السيادة الحقيقية والاختيارات الحرة، وكانت مشفوطة من الدسم الديمقراطي الحقيقي، فلا ديمقراطية حقيقية في ظل الاحتلال او تحت انتدابه او وصايته او بظل خارطة طريقه.

ألم يكن نوري الكبير وقت الاحتلال البريطاني للعراق او حتى بعد سريان مفعول الاتفاقات الثنائية بين البلدين، الا وكيلا مجتهدا للتوفيق بين مصالح الطبقة السياسية التابعة وبين المصالح الحيوية للامبريالية البريطانية التي لم تكن تغيب الشمس عن مستعمراتها؟ وماذا سيكون نوري الصغير اليوم غير نسخة معاصرة ورديئة لان نوري الاول كان يتمتع بقدرات شخصية وخبرات واحساس محلي لامع يفتقدها تماما نوري الثاني ومن لف لفه من وجوه المرحلة الاميركية في العراق؟

ان الانسحاب الناجز للمحتلين وارغامهم على تعويض العراق والاعتذار له، واطلاق سراح كل سجناء النضال الوطني الذين بحوزتهم او بحوزة اعوانهم، والغاء اي اتفاقات كانت قد ابرمت وقت الاحتلال او وصايته هي شروط اولية واجبة التنفيذ قبل اي اتفاق على القاء السلاح الموجه للمحتلين وعمليتهم السياسية، فالمحتل واعوانه هم بورطة لا يحسدون عليها، وعمليتهم السياسية فاشلة جملة وتفصيلا وما ارهاصات الثورة الشعبية الا شاهد حي على ذلك، وستندلع حتما الشرارة الكبرى التي ستنتقل بموجبها المقاومة الى الشكل المكثف والمفصلي والذي ستتزاوج فيه المهمات، انهاء الاحتلال وانهاء عمليته السياسية معا، انه شكل الثورة الشاملة المقبلة، والتي لا نتمنى ان يطول انتظارها حتى الذكرى العاشرة لاحتلال العراق، ولن يؤخرها انشغال البعض بالصراعات الجانبية التي يثيرها المحتلون وازلامهم.

ان انخراط بعض فصائل المقاومة العراقية في العملية السياسية القائمة بحجة انتفاء هدف المقاومة المعلل بالانسحاب الاميركي الموعود، هو خطأ قاتل وتنازل مجاني سيحرق هذه الفصائل ويجردها من مكامن قوتها مقابل وعود معسولة وبعض الفتات الذي لا يختلف باحسن الاحوال عن فتات فصائل "الصحوات" التي استخدمت ويجري ترويضها باتجاه تبني المشروع الاحتلالي نفسه، حيث تبني فقه المكونات بعيدا عن المنطلقات الوطنية.

ما تعانيه السلطة التابعة في العراق من مأزق بنيوي، وفشل شامل وفساد مزمن ومهلك، مقرون باقتراب مواعيد اعادة انتشار القوات المحتلة، والذي سيقلل بدوره من تواجد اعداد تلك القوات الى درجة كبيرة، معها ستضعف امكانية المناورة ومحاصرة الفصائل المسلحة، هو ما استدعى سلطة المالكي الطائفية والعنصرية لمحاولة مهادنة واحتواء ما امكنها من مناوئين ومقاومين، وهي نفسها كان يجب ان تكون اوراق ضغط على السلطة من قبل تلك الفصائل المتهافتة على التفاوض وذلك لفرض شروطها مسبقا، بالحوار او الثورة التي سيعجلها مثل هكذا فرض للشروط، وليس برمي طوق النجاة لها والذوبان فيها.

الامر سائر نحو نهايته من المقاومة الى الثورة التي ستتوج كل التراكمات بانجاز لا يقبل التأجيل، فالاختلال القائم في الوضع العراقي هو الوجه الثاني لبقاء الاحتلال جاثما برغم من محاولات تواريه.

جمال محمد تقي