التحالف الثلاثي والرمال المتحركة في الشمال الأفريقي: شبح المستنقع العراقي الأفغاني يطارد الولايات المتحدة في ليبيا

بقلم: عمر نجيب

تحاول حكومات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وهي الأطراف الأكثر تحمسا لمواصلة الحرب على الأرض الليبية الحيلولة دون تقلص حجم النافذة الزمنية المتاحة أمامها لمواصلة العمليات العسكرية، غير أن الظروف القائمة مع بداية شهر أبريل سواء على الصعيد الدولي أو المحلي لدى تلك الأطراف تعرقل هذه المحاولات.

الرئيس الأميركي أوباما الذي يسعى لتحسين فرص إعادة انتخابه في 4 نوفمبر سنة 2012 وإنقاذ حزبه الديمقراطي من نكسة إنتخابية جديدة، يحاول الظهور كقائد مختلف عن سابقه بوش فلا يورط الولايات المتحدة في حرب لا نهاية لها تستنزف أموالها، ولا تجلب للأميركيين المكاسب المادية التي تعيد اليهم الإزدهار والعيش الرغيد، خاصة وأنهم ما زالوا غارقين في أزمة اقتصادية خانقة أحد أهم مسبباتها 3500 مليار دولار انفقت في حربي العراق وأفغانستان دون أن تعطي ثمارها من نفط رخيص أو التمكن من استغلال ثروات طبيعية ضخمة.

حتى الربع الأول من سنة 2011 فشل أوباما في تحقيق هذا الأمر.

فيوم الأربعاء 30 مارس جاء في استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك أن 47 في المائة من الناخبين يعارضون تدخل الولايات المتحدة في ليبيا، في مقابل 41 في المائة يؤيدونه.

واشار الاستطلاع الى ان الرئيس الذي توجه الى الشعب الاميركي مساء الاثنين 28 مارس للدفاع عن مشاركة الجيش الاميركي في العمليات ضد نظام القذافي بدعوى تفادي وقوع "مجزرة" وانطلاقا من "القيم" الاميركية، وسعى لتهدئة مخاوف مواطنيه واضعا في الاعتبار انشغال الراي العام الاميركي بالمشاكل الاقتصادية المحلية والسأم من حروب في الدول الاسلامية ومركزا على أن الولايات المتحدة لن تكون الشرطى الذي يحمي حقوق الانسان في العالم، يواجه تشككا كبيرا من قبل الرأي العام.

واظهر الاستطلاع نفسه تراجع نسبة الثقة في اوباما إلى أدنى مستوى منذ توليه الرئاسة في يناير 2009: 42 في المائة راضون عن ادائه مقابل 48 في المائة.

كما أظهر الاستطلاع أن 50 في المائة من الأميركيين الذين شملهم يرون أن اوباما لا يستحق أن يعاد انتخابه بينما 41 في المائة من رأي معاكس.

تبديد مخاوف

وعشية خطاب أوباما، خرج وزير الدفاع روبرت غيتس ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على شاشات التلفزة الاميركية للاجابة على اسئلة الناقدين ولتبديد المخاوف غير أنهما وحسب المراقبين لم يقدما سوى كلام مكرر، لا تأكيدات موثوقة له. وقد سعى الوزيران الى تبديد المخاوف من ان الولايات المتحدة ستغرق في نزاع طويل في ليبيا، مؤكدين على ان المهمة محدودة وكذلك الدور الاميركي.

وفي نفس الوقت وجهت انتقادات لسياسة أوباما من جانب من يوصفون أميركيا باليمين واليسار.

يقول محافظون ان اعتماد اوباما على التعددية في التحالفات يضعف قيادة اميركا للعالم. وذكرت سارة بيلين المرشحة الجمهورية لمنصب نائبة الرئيس في الانتخابات الاميركية لسنة 2008 التي فاز بها أوباما الديمقراطي ونائبه جو بايدن "لا يزال مذهب اوباما زاخرا بالارتباك والتساؤلات. لا يمكن أن تعني المصالح الاميركية مجرد اكتساب شرعية... لما بعد التدخل الأميركي حيث ننتظر أن تقول لنا الجامعة العربية والأمم المتحدة الان.. اميركا يمكنك أن تمضي.. يمكنك ان تتحركي".

بينما انتقد عضو الكونغرس الليبرالي دينيس كوسينيتش اوباما لتبريره قرار المشاركة في الغارات الجوية مستندا جزئيا على الاقل لتهديدات القذافي. وقال لقناة ام.اس.ان.بي.سي "تذكروا هذا مافعله جورج بوش وإدارته. قالوا ان العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. ينبغي ان نكون حذرين بشأن الانزلاق في هذه الحروب".

نسبة كبيرة من الأميركيين خاصة والغربيين عامة يرون أن إدارة البيت البيض ومعها كل من باريس ولندن تمارس نفس أساليب التضليل والكذب ولي الحقائق مثلما فعلت إدارتا بوش وبلير لتبرير غزو العراق سنة 2003. ففي بلاد الرافدين طرحت أسطورة أسلحة الدمار الشامل وفي ليبيا يطرح مبرر حماية المدنيين من بطش الجيش الليبي.

يوم الخميس 31 مارس وفي محاولة لإستباق تقرير منتظر من الصليب الأحمر الدولي يقلص بشكل عاصف من التقديرات المنشورة في الغرب عن عدد ضحايا الصراع المسلح في ليبيا، قالت وزارة الخارجية البريطانية في تحديث لتقرير ربع سنوي عن حقوق الانسان في ليبيا غطى الفترة منذ أن بدأت انتفاضة ضد حكم القذافي أنه يعتقد أن حوالي 1000 شخص قتلوا في الاشتباكات بين أنصار الزعيم الليبي معمر القذافي ومعارضيه.

تناقضات صارخة

يشير مراقبون إلى تناقض صارخ في تصريحات وممارسات ساسة واشنطن وباريس ولندن حول المواجهة العسكرية مع ليبيا. ففي وقت يقول ساسة هذه الدول أن الحظر الجوي المصوت عليه في مجلس الأمن يعني فقط منع الطيران الليبي من قصف المدنيين، ولكن لا تمضي ساعات حتى تصبح المهمة ضرب قوات الجيش النظامي الليبي على الأرض، وبعد ذلك يقولون أنه على الشعب الليبي أن يقرر مصيره ثم يقولون أن على القذافي أن يرحل، ويؤكدون أنه لا يمكن تسليح المعارضة الليبية لأن قرار مجلس الأمن يفرض حظرا على السلاح إلى ليبيا، ويتبين بعد ذلك أن العواصم الثلاث ترسل الأسلحة إلى المعارضة.

ويتشدق الحلفاء الثلاثة بتوحد المواقف غير أن الأمر مغاير لذلك.

كتب المحلل فيليب راتر يوم 30 مارس في وكالة فرانس برس: "على رغم انشاء "مجموعة اتصال" حول ليبيا، يبدو ان الغربيين الذين يقصفون منذ قرابة اسبوعين اهدافا في ليبيا يواجهون صعوبة في البحث عن تلاحم دولي صلب لاسقاط نظام معمر القذافي.

وتدور نقاشات حول مسائل عدة منها: هل يصار إلى نفي الزعيم الليبي الموجود في الحكم منذ أكثر من 40 عاما؟. هل يتم تزويد الثوار الليبيين في بنغازي بمساعدة عسكرية"؟. كيف يتم التقاسم الواضح بين "القيادة السياسية" للعمليات العسكرية وادارة هذه الاخيرة من حلف شمال الاطلسي"؟.

والثلاثاء، ابدت الدول المجتمعة في لندن والتي قارب عددها الاربعين، حرصا على الخروج بموقف موحد ومطمئن على الأقل ظاهريا. وتحدثت فرنسا وبريطانيا، رأس الحربة في ائتلاف غربي قوامه نحو عشرة بلدان، بصوت موحد للقول بان "شيئا لم ينته" بعد عمليات القصف المكثف وبأن الحرب يجب ان "تستمر إلى أن يتم تحقيق الأهداف".

وحسب ايطاليا، فإن أكثر من 35 بلدا انضمت اليها لتضيف باأن جوهر المشكلة كان العقيد معمر القذافي وبأن على هذا الأخير مغادرة السلطة، على الرغم من أن هذا الهدف ليس مدرجا في أي من قرارات الامم المتحدة.

وتثير سبل تحقيق ذلك الأمر انقسامات بين اعضاء "مجموعة الاتصال". وبعض هذه الدول، وفي طليعتها ايطاليا واسبانيا، يتحدث عن نفي الزعيم الليبي، فيما يطرح اخرون فكرة مثوله أمام محكمة جنائية دولية لضلوعه المفترض في جرائم حرب. ومن دون التشديد على هذه الفرضية الاخيرة، اعتبر وزير الخارجية الفرنسية الان جوبيه أن الامر يعود قبل اي شيء "الى الليبيين للتخلص" من القذافي.

وبهدف التعجيل في سقوط النظام ووضع حد في أسرع وقت ممكن للعمليات الجوية المكلفة في زمن الأزمة الاقتصادية بالنسبة لبعض البلدان الاغنى في العالم، فتحت واشنطن المجال امام التفكير في ما اذا كانت هناك ضرورة لتسليح الثوار كما يطالب هؤلاء.

واذا كان القرار الدولي الرقم 1970 يمنع "التزويد المباشر او غير المباشر وبيع ونقل اسلحة او معدات متصلة من كل الانواع"، فان القرار الذي تلاه وحمل الرقم 1973، يلحظ اعتماد "كل الاجراءات اللازمة" لحماية المدنيين وهو ما تحاول دول الحلف الثلاثي استغلاله.

واذا ما باتت الاستراتيجية العامة من مسؤولية "مجموعة الاتصال"، فإن اجماع اعضاء المجموعة قد يتزعزع مستقبليا حول مصير مسائل شائكة تشمل كيفية تأمين وصول المساعدات الانسانية من دون قوات برية وماهية العمل المطلوب بحال توجه ارتال دبابات نحو مدينة.

وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الايطالي ماوريتسيو ماساري رفض روما لفكرة تسليح الثوار الليبيين، معتبرا أن هذا الاجراء في حال حصوله سيؤدي حتما إلى "انقسام الأسرة الدولية".

كذلك عارضت النرويج، التي تشارك في التحالف الدولي فقط بهدف فرض منطقة الحظر الجوي وليس المشاركة في قصف أراضي ليبيا، تسليح الثوار الليبيين.

ومن بين الاعضاء في مجموعة الاتصال، هناك المانيا وتركيا اللتان تعارضان استخدام القوة.

ويوم 31 مارس ومن العاصمة السويدية ستوكهولم عارض الامين العام لحلف شمال الاطلسي اندرس فوغ راسموسن فكرة تسليح الثوار الليبيين معتبرا ان الحلف يتدخل عسكريا "لحماية الشعب الليبي" وليس "لتسليحه". وأضاف "بالنسبة للحلف الاطلسي، وانا اتكلم باسم الحلف، نركز على فرض حظر على الاسلحة والهدف الواضح من فرض حظر على الاسلحة هو منع دخولها إلى البلاد".

فشل عسكري

فشل الثوار في التقدم والوصول إلى طرابلس رغم الدعم الجوي الكثيف ثم تراجعهم بسرعة مرات عديدة يفرض على واشنطن التي تريد اسقاط النظام الليبي ركوب قطار تقول أنها لا تريده وهو المشاركة في الحرب بريا.

ويقول محللون: يطرح الهجوم المضاد لقوات القذافي مسالة تسليح الثوار الليبيين الذين يتطلب غياب الانضباط في صفوفهم مزيدا من الدعم وأكثر من مجرد الامداد بالاسلحة، أي رجال يدربونهم ميدانيا.

وبعد تقهقر الثوار الفوضوي في العديد من المناسبات وافتقارهم الواضح لتكتيك، المحت واشنطن وباريس صراحة الى احتمال ارسال اسلحة الى المعارضة التي تشبه متظاهرين مسلحين أكثر من مقاتلين محنكين.

واعتبر الخبير مايكل اوهالون في مؤسسة بروكينغز انه اذا تم ارسال امدادات فانها ستتمثل بلا شك في قاذفات صواريخ مضادة للدبابات وانظمة اتصال وادوية.

لكن بعض الخبراء رأوا ان الشجاعة وحدها لا تكفي واطلاق رصاص الرشاشات في الهواء لا يمكن ان يقارن بالتحرك في اطار عملية منسقة. واعتبر داكوتا وود الخبير في الحرب ان مجرد تزويدهم بالاسلحة هو "هدر المال" خاصة وأنهم سيطروا على كميات هامة من الأسلحة من ترسانة الجيش الليبي. واضاف الخبير من مركز التقييم الاستراتيجي والمالي وهو مركز ابحاث في واشنطن "اذا اردنا حقا ان نساعد الثوار الليبيين فان ذلك يتطلب مدربين على الارض" ليعلمونهم "افضل طريقة لاستعمال اسلحتهم".

وتأهيل المقاتلين يحتاج الى الوقت: بضعة اسابيع للتدريب على القواعد الاساسية للمعارك وأكثر من ذلك لتعلم التحرك في اطار وحدة منسقة.

وأضاف وود داكوتا أنه من دون ذلك فإن هذا يعني "ارسالهم الى مدينة ما للقضاء عليهم" وبالتالي فمن المحتمل ان يضطر المدربون لتأطير الذين يدربونهم في المعارك. وتابع ان "قوات الثوار في ليبيا غير منضبطة. تتمتع بالتأكيد بحسن النية لكنها تنطلق من مستوى متدن كثيرا وربما منعدم. ولا بد من اسابيع لانشاء شيء ما يكون له أدنى حد من الفعالية".

وفي الاثناء لا بد لهم من "معاقل" ليتدربوا فيها بعيدا عن الهجمات كما يرى الخبراء، مما يطرح سؤالا: هل سيضمن حلف شمال الاطلسي لعدة اسابيع الحماية الجوية"؟.

تفاقم الخلافات بين باريس وبرلين

أدى التدخل العسكري في ليبيا الى تفاقم الخلافات بين باريس وبرلين حيث يعتبر الألمان ان السلطات الفرنسية شجعت على هذا التدخل العسكري ضد معمر القذافي لأسباب لها علاقة بالسياسة الداخلية وقضايا شخصية.

وتعتبر هاتان الدولتان عماد الاتحاد الاوروبي وقد تجنبتا حتى الأن نقل خلافاتهما إلى العلن مع أن مواقفهما باتت متعارضة كثيرا بشأن الملف الليبي.

ومعلوم ان فرنسا دفعت بحماسة في اتجاه التدخل العسكري في ليبيا في حين أن ألمانيا لم تكن تريده ورفضت المشاركة فيه وامتنعت عن التصويت في مجلس الامن على القرار الذي اتاح حصوله. وهي المرة الأولى التي تصوت فيها المانيا في مجلس الأمن بشكل يختلف عن تصويت حلفائها الغربيين فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.

ونقلت الصحف الالمانية بعض تفاصيل هذه الحرب الدبلوماسية الدائرة بين البلدين وراء الكواليس.

وذكرت اسبوعية دير شبيغل الأوسع انتشارا في ألمانيا عن مثقف فرنسي قريب من الرئيس نيكولا ساركوزي وصفه لوزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيلي بأنه "كارثة".

كما يأخذ وزير خارجية الماني سابق على حكومته عدم تمكنها من منع فرنسا من اعتماد قرار مجلس الأمن الذي اتاح استخدام القوة في ليبيا بدعوى حماية المدنيين.

وقال الاشتراكي الديموقراطي فرانك فالتر شتاينماير الذي قاد وزارة الخارجية حتى العام 2009 لصحيفة "فرانكفورتر الغماين تسايتونغ" ان "فرنسا التي تقيم علاقات وثيقة مع ليبيا ومع القذافي شعرت بحاجة لتغطية مواقفها السابقة هذه عبر الدفع نحو التدخل العسكري" في هذا البلد.

وذكر شتاينماير في اشارة إلى فرنسا "لم أر طوال حياتي السياسية قرارا بتدخل عسكري يكون مرتبطا إلى هذا الحد بمصالح إحدى الدول". واعتبر أنه كان حريا بألمانيا أن تسعى للحصول على دعم الولايات المتحدة لمنع صدور القرار حول ليبيا.

في المقابل شن الكاتب الفرنسي برنار هنري ليفي المعروف بتأييده الحماسي للتدخل في ليبيا حملة شرسة على فيسترفيلي. وقال إن "غيدو فيسترفيلي كارثة ولدى المستشارة الالمانية انغيلا ميركل حاليا اسوأ وزير خارجية منذ وقت طويل".

وأضاف هنري ليفي "لقد ضيعنا الكثير من الوقت بسبب الألمان وهذا الأمر يشكل كارثة لليبيين اولا ولكن للألمان أيضا الذين سيدفعون ثمن امتناعهم" عن التصويت داخل مجلس الأمن.

وكان التوتر بين البلدين قد بدأ مع اندلاع الازمة الليبية.

فقد قررت فرنسا وحدها في العاشر من مارس 2011 الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي المعارض في ليبيا باعتباره الممثل الشرعي للشعب الليبي، في حين اعتبرت ميركل ان هذا الاعتراف لا قيمة له في القانون الدولي.

وحالت ألمانيا دون موافقة الاتحاد الاوروبي على العملية العسكرية ضد ليبيا. واعترف وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه أن "عددا اخر من الدول تتشارك مع المانيا في هذا الحذر، الا ان برلين هي التي اعترضت علنا".

ويحذر ملاحظون أن الخلاف الألماني الفرنسي يمكن ان يقود إلى إنشقاق خطير في حلف شمال الأطلسي خاصة وأن تركيا تساند بقوة مواقف برلين.

أنقرة وباريس

يشير مراقبون إلى أن أنقرة وجهت مؤخرا صفعة لباريس فيوم الجمعة 25 مارس اعتبر رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان ان نقل قيادة العمليات العسكرية الدولية في ليبيا الى الحلف الاطلسي سيؤدي الى "استبعاد" فرنسا، واصفا هذا التطور بأنه "إيجابي".

وردا على سؤال طرحه صحافيون حول الوضع في ليبيا، أعرب اردوغان عن ارتياحه لتولي الحلف الاطلسي القيادة وأضاف "هذا يعني أن باريس بدأت تتعرض للاستبعاد. وأرى أنه لأمر ايجابي جدا أن تبقى باريس مستبعدة، وخصوصا في العملية الجارية في ليبيا".

وفي خطاب القاه في اسطنبول، انتقد رئيس الوزراء التركي "الاصدقاء الغربيين" الذين يقومون ب"حملة صليبية" في ليبيا. وقال اردوغان "آمل أن يقوموا على الفور بإعادة نظر لانهم عبروا عن افكار تؤجج نظرية صدام الحضارات". وأضاف ان "البعض على رغم كل تحذيراتنا، يشوش على الافكار حول العملية في ليبيا ويستخدم تعابير في غير مكانها مثل حملة صليبية، ما يطرح علامات استفهام" حول نياتهم.

ووافقت تركيا البلد المسلم الوحيد العضو في الحلف الاطلسي، على ان ترسل سفنا حربية قبالة السواحل الليبية، تحت اشراف الحلف فقط لفرض احترام الحظر على الاسلحة المفروض على ليبيا، حيث تعارض الضربات العسكرية، عملا بسياسة عدم الاعتداء على مسلمين التي تطبقها في افغانستان حيث يقتصر تدخلها على الاضطلاع بدور مراقبة.

تكلفة الحملة العسكرية الغربية على ليبيا تتصاعد، ويحذر خبراء من أن هذا الأمر قد يثير اضطرابات شعبية قوية في بعض بلدان أوروبا وربما حتى الولايات المتحدة لأن المواطنين هناك يرون ان مئات ملايين الدولارت تنفق يوميا للقتل ولخدمة مصالح الشركات الكبرى وخاصة النفطية بينما هم يغرقون في الأزمات.

ويضيف الخبراء أنه لو حدثت انتفاضة في الغرب فلن يكون ذلك بدعم من مواقع الفيسبوك أو تويتر التي تغذيها الأجهزة الأميركية بمئات ملايين الرسائل يوميا في محاولة لركوب وتوجيه حركات تطور طبيعية في المنطقة العربية كانت لو تركت لشأنها لما اسفرت عن هذا التخريب والدمار والانهيار الاقتصادي.

وتخشى دوائر أميركية من حدوث إنقلاب عسكري أو تمرد في دولة قطر لأنه حسب عمليات جس نبض جرت في هذه الدولة وعبر عمليات الاستطلاع التي تقوم بها بعض وسائل الأعلام والتي يخضع العديد منها لرقابة الأجهزة الأمنية والإستخبارية الأميركية، تبين ان نسبة 71.2 في المائة من المشاركين القطريين في هذه الإستطلاعات لا يؤيدون التدخل الأميركي الغربي في ليبيا ولا تورط بلادهم فيه. وهذه الوضعية معممة بشكل مشابه وبنسب معارضة متزايدة بالنسبة لكل المشاركين في استطلاعات الرأي في المنطقة العربية. وقد لفتت مراسلات لعدد من السفارات الأميركية في شمال أفريقيا وعدد آخر من الدول العربية والاسلامية إلى تحول جذري في الرأي العام بهذه الدول حيث انتقل مثلا من تأييد للتدخل الغربي بنسبة 61.3 في المائة إلى معارضة بنسبة 70 في المئة خلال فترة تقل عن ثمانية أيام من بداية القصف على الأراضي الليبية يوم 19 مارس 2011.

قوات ضخمة

يوم 24 مارس أقر نائب الاميرال بيل غورتني المسؤول الكبير في البنتاغون أن "أكثر من 350 طائرة" للائتلاف تشارك في العمليات الجوية في ليبيا أزيد من نصفها بقليل اميركية. بينما ذكرت مصادر ألمانية أن 2000 طلعة جوية نفذت خلال الأسبوع الأول فقط.

بعد ذلك بخمسة أيام ذكرت وزارة الدفاع الاميركية ان الولايات المتحدة أنفقت 550 مليون دولار خلال ستة أيام على العمليات العسكرية في ليبيا التي بدأت ليلة 19 مارس. وقال البنتاغون ان حوالي 60 بالمئة من هذه الاموال انفقت على 216 صاروخا وقنابل استخدمت في ليبيا وانفقت باقي الأموال على نقل القوات إلى المنطقة وعلى العمليات، كل ذلك في وقت من المتوقع ان يصل العجز في الميزانية الاتحادية الأميركية الي 1400 مليار دولار في السنة المالية الحالية التي تنتهي في الثلاثين من سبتمبر، وفي وقت حدد فيه أن عدد الأميركيين الذين يعيشون تحت مستوى الفقر يفوق 36 مليون نسمة.

يوم الثلاثاء 29 مارس اعترف وزير الخارجية الفرنسي الان جوبيه في لندن بضخامة حجم مشاركة فرنسا التي تعتبر نفسها دولة عظمى، في الحملة ضد ليبيا حيث قال "منذ عشرة ايام، قدمت فرنسا تقريبا ثلث قوتها الجوية للتدخل فوق ليبيا".

ومما يصعد من المخاوف لدى الرأي العام في الغرب الإدراك ان الحرب في ليبيا قد تطول مثلما حدث في العراق وأفغانستان وأن الساسة يكذبون ويحظون بتغطية وسائل الاعلام الخاضعة لتوجيهات جماعات الضغط العسكرية الاقتصادية. فيوم الخميس 31 مارس ذكر الامين العام لحلف شمال الاطلسي اندرس فوغ راسموسين، انه من المتعذر الحديث عن موعد لإنجاز مهمة الحلف الاطلسي في ليبيا. وأضاف "استطيع ان اعرب عن أملي في أن نجد حلا سياسيا في أسرع وقت ممكن. وبوضوح، ليس هناك حل عسكري فقط في ليبيا".

ويشير مراقبون أن التحالف الثلاثي المكون من "واشنطن ولندن وباريس" يواجه مأزقا آخر فقد كان يتصور أن القصف الجوي سيسفر عن إنهيار الجيش الليبي خلال مدة تتراوح بين خمسة إلى ثمانية أيام على أقصى تقدير وهو ما لم يتم. حيث أقر البنتاغون رسميا يوم الخميس 31 مارس أن الضربات الجوية رغم ضخامتها لم تسفر عن تدمير سوى 20 إلى 25 في المائة من القدرات العسكرية الليبية.

كما تظهر الأحداث أن المعلومات التي كانت تتحدث عن ضعف الجيش الليبي ليست دقيقة فقد وصفت مثلا مجلة "جاينز ديفينس" البريطانية المتخصصة في عددها لشهر ابريل 2011 القوات المسلحة الليبية بأنها "ضعيفة جدا". وحسب المجلة التي تعتبر غربيا مرجعية في مجال الدفاع، فإن القوات البرية الليبية تعد فقط 25 الف عنصر يمكن ان ينضم اليهم عدد مواز من قوات الاحتياط، وقد ذكر مصدر فرنسي أنهم "مجندون كانوا يكلفون بشكل اساسي القيام بمهمات مراقبة الحدود ولا يشكلون قوة مقاتلة".

وما يزيد من قتامة الوضع للمتحالفين الثلاثة تعثرهم وإنكشاف حجم تورطهم على الصعيد البري دون التمكن من تحقيق نتائج سريعة.

حرب برية سرية

يقول المحلل دومينيك شابرول: يعتبر وجود عناصر من اجهزة الاستخبارات والقوات الخاصة الغربية لدى الثوار الليبيين، وهو ما يؤكده الخبراء فيما تنفيه دول الائتلاف الدولي، عنصرا اساسيا في النزاع الجاري في ليبيا.

وإن كان الائتلاف ينفي رسميا وجود أي من عناصره على الارض في ليبيا، الا ان وسائل الاعلام البريطانية تتحدث منذ نهاية فبراير عن قيام عناصر من القوات الخاصة في الجيش البريطاني بالتدخل على الأرض الليبية. ورغم ذلك ومنذ ذلك الحين ينفي الائتلاف أي وجود لعناصر استخبارات غربية في صفوف الثوار.

ويرد مسؤولو المديرية العامة للامن الخارجي "اجهزة الاستخبارات الفرنسية" على أي سؤال بهذا الصدد بالصيغة المعهودة "لا ندلي بأي تعليق على عملياتنا سواء الفعلية أو المفترضة".

غير ان خبراء الاستخبارات يشيرون إلى أن وجود عناصر على الارض في هذا النوع من النزاعات هو "عنصر ثابت في التاريخ العسكري".

ويوضح باسكال لو بوتريما اختصاصي العالم العربي والمحرر في مجلة "ديفانس" التي يصدرها معهد الدراسات العليا للدفاع الوطني "نظرا إلى الطابع الخلافي لهذا التدخل والانتقادات التي تصدر عن العالم العربي، فان نشر قوات من فئة القوات التقليدية أمر معقد للغاية". وتابع انه "يكون أكثر ذكاء التدخل بفرق صغيرة تتحرك بشكل متستر فتقدم مهارتها العملاتية في التدريب والمواكبة والتوجيه التكتيكي الصرف".

ويشير الخبراء إلى تدخل فرق من "خمسة عناصر إلى 12 عنصرا" مجهزة بوسائل اتصال فائقة التطور مهمتها "تحديد أهداف" للسماح لطائرات الائتلاف بتصويب ضرباتها.

ويعتقد في هذا السياق أن عناصر متسللين ينشطون ليلا لتحديد قدرات قوات القذافي على العديد من الاصعدة وخاصة حركة المدرعات وتوجيه الثوار وتقديم النصح لهم، او تدريبهم على استخدام الاسلحة المضادة للدبابات.

ويقول اختصاصي في الاستخبارات طلب عدم كشف إسمه بهذا الصدد "يمكن الافتراض في اوضاع من هذا النوع أن أي جهاز استخبارات جدير بهذا الإسم لا بد أن يكون له وجود في بنغازي ليرى ما يجري هناك".

وتضم عدد من هذه الاجهزة عملاء وعسكريين من دول الائتلاف (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) اضافة الى عملاء ألمان وروس ربما يكونون ناصحين لقوات القذافي، مشيرا الى ان جميع هذه الدول تملك اجهزة فاعلة للغاية.

ويقول باسكال لو بوتريما "هناك في مطلق الأحوال عناصر كانت متمركزة منذ سنوات في المنطقة، في غرب افريقيا وافريقيا الوسطى ومنطقة المغرب الكبرى".

نفي أميركي

يرفض البيت الابيض التعليق على الحرب الخفية التي تدور في ليبيا وحول تقرير بأن الرئيس باراك اوباما وقع مذكرة سرية تجيز لوكالة الاستخبارات المركزية "سي آي ايه" القيام بعمليات سرية في ليبيا.

من جهتها، اوردت صحيفة "نيويورك تايمز" ان السي آي ايه ارسلت عملاء سريين إلى ليبيا لجمع معلومات من أجل الضربات الجوية ولاقامة اتصالات مع الثوار الذين تعرضوا لانتكاسات يوم الاربعاء 30 مارس امام القوات الموالية للنظام. فيما أشارت مصادر أخرى إلى أن عملاء المخابرات كانوا في ليبيا حتى قبل بداية الاحتجاجات.

ورغم تأكيدات اوباما عن انه لن يتم نشر أي قوات برية اميركية في ليبيا، الا ان "نيويورك تايمز" اشارت الى ان مجموعات من العملاء السريين الاميركيين يقومون بمهمات داخل ليبيا منذ اسابيع عدة.

كما نقلت عن مسؤولين بريطانيين حاليين وسابقين ان عشرات من عناصر القوات البريطانية الخاصة وعناصر جهاز الاستخبارات "ام آي 6" موجودون ايضا في ليبيا حيث يجمعون المعلومات حول القوات الموالية واسلحتها.

ورفض المتحدث باسم البيت الابيض جاي كارني تاكيد هذه التقارير او نفيها، مشيرا الى انه لا يتم التعليق "عادة" على القضايا المتعلقة بالاستخبارات.

ويقول خبراء ومسؤولون عسكريون اميركيون سابقون ان الضربات الجوية غالبا ما تتطلب "عيونا على الارض" لارشادها ولتحديد اهداف العمليات العسكرية.

البحث عن تسوية

بينما تتعقد مهمة الحلف الثلاثي في ليبيا يتشكل تجمع آخر يسعى لتسوية سلمية تقوده تركيا وألمانيا وتشارك فيه إيطاليا.

وهكذا صرح رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان ان بلاده مستعدة للقيام بوساطة بين الزعيم الليبي معمر القذافي والثوار المعارضين لنظامه، وذلك في مقابلة نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية يوم الاثنين 28 مارس. وقال اردوغان للصحيفة انه اذا طلب طرفا النزاع من تركيا أن تتولى دور الوساطة، "فاننا سنتخذ خطوات للقيام بذلك" في اطار حلف شمال الاطلسي والجامعة العربية والاتحاد الافريقي. واضاف "لا يمكننا أن نتجاهل مطلقا الحقوق الديموقراطية والحريات التي يطالب بها الشعب الليبي، ولا يمكن تأجيل أو تأخير التغيير أو التحول".

وذكر اردوغان أنه تحدث مع رئيس الوزراء الليبي منذ بدء الغارات الجوية، كما ان وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو على اتصال مع المعارضة في مدينة بنغازي الشرقية.

وأكد اردوغان "القذافي يريد وقفا لاطلاق النار، وقد ورد ذلك اثناء حديثي مع رئيس الوزراء، ولكن من المهم ان تتضح الظروف"، "بالنسبة لتركيا لا يمكن ان نطلق النار على الشعب الليبي او نلقي عليهم القنابل".

فرق تسد

هناك من يقول أن التاريخ يعيد نفسه في الكثير من الأحيان.

عندما قامت الحرب العالمية الثانية، رآها الليبيون فرصة يجب استغلالها من أجل تحرير ليبيا من الاحتلال الايطالي، فإنضموا إلى صفوف الحلفاء، بعد أن تعهدت لهم بريطانيا صراحة بأنه عندما تضع الحرب أوزارها فإن ليبيا لن تعود بأي حال من الأحوال تحت السيطرة الإيطالية. كانت الشكوك تساور الليبيين في نوايا بريطانيا بعد انتهاء الحرب، واتضحت هذه النوايا بعد هزيمة إيطاليا وسقوط كل من بنغازي وطرابلس في أيدي القوات البريطانية. كان هدف بريطانيا المتماشي مع سياستها المعهودة فرق تسد، هو الفصل بين إقليمي برقة وطرابلس ومنح فزان لفرنسا، وكذلك العمل على غرس بذور الفرقة بين أبناء ليبيا. وبينما رأى الليبيون أنه بهزيمة إيطاليا يجب أن تكون السيادة على ليبيا لأهلها، إلا أن الإنجليز والفرنسيين رفضوا ذلك وصمموا على حكم ليبيا حتى تتم التسوية مع إيطاليا.

أصبحت هاتان الدولتان تتحكمان في مصير ليبيا ضد رغبات الشعب الليبي، واتفقت بريطانيا في 10 مارس 1949 م على مشروع "بيفن سيفورزا" الذي يقضي بفرض الوصاية الإيطالية على طرابلس والوصاية البريطانية على برقة والوصاية الفرنسية على فزان، على أن تمنح ليبيا الاستقلال بعد عشر سنوات من تاريخ الموافقة على مشروع الوصاية.

ولكن على الرغم من كل ما قامت به بعض الدوائر الاستعمارية بعد 1951 من أجل الإبقاء على ليبيا مقسمة وضعيفة تحت ذلك النظام الإتحادي، فإن شعب ليبيا عبر ممثليه المنتخبين قام في 26 أبريل 1963 بتعديل الدستور وأسست دولة ليبيا الموحدة وأزيل جزء هام من العقبات التي كانت تحول دون وحدة ليبيا.

عمر نجيب