المربع الذهبي

بقلم: صباح علي الشاهر

عندما كنا صبية يتوارد إلى ذهننا حالما نسمع مصطلح "المربع الذهبي" العقداء الشهداء الأربعة، الذين حكم عليهم بالإعدام زمن العهد الملكي. كان المصطلح المهيوب يثير فينا الإحساس بالتحدي المقرون بشعور متعمّق ومتجذر بالفخر.

رتبة عقيد رتبة وسط في الجيش، ليست كمثل فريق أو لواء مثلاً. الأولى ألصق بالفتوة والشباب، والثانية ألصق بالكهولة والإبتعاد عن المغامرات، وبالنسبة لوعينا حينذاك، الأولى الأقرب للجندي وضابط الصف، والثانية الأقرب للسلطة والحكم والقصر.

قيّض فيما بعد لرتبة عقيد أن تلعب دوراً في تأريخ الثورات العربية، فبالإضافة للعقداء الأربعة، كان الشهيد العقيد المالكي، وكانت ثورة العقيد السلال في اليمن، قبل أن يتحول إلى مشير، وكذلك مساهمة العقيد عبدالسلام عارف بثورة تموز المجيدة، وأيضاً قبل أن يتحوّل إلى مشير، وحركة العقيد معمّر القذافي، والعقيد هاشم العطا في السودان، والعقيد علي عبدالله صالح في اليمن، والعقيد جون قرنق في جنوب السودان.. إلخ.

وبتحول العقداء من ثوار وشهداء إلى حكام وأباطرة فقدت رتبة عقيد جذوتها واتقادها، لكن المربع الذهبي ظلَّ متربعاً في الوجدان، وجداننا نحن العراقيين في الأقل.

إستشهد العقداء الأربعة قبل التقسيمات التي فرضها التحزب والتأدلج والتقوقع الحزبي والأثني والديني والمذهبي. لم يسأل أحد ما لون العقداء الحزبي، ولا إنتماؤهم الديني أو القومي، أو المذهبي؟

كانوا شهداء الشعب والوطن، شهداء الجيش العراقي الذي جرى حبه مجرى الدم في شرايين العراقيين، لذا كانوا رمزاً من الرموز التي يتوّحد خلفها الشعب، قبل أن يخلق كل حزب رمزه أو رموزه، وكل طائفة رمزها أو رموزها.

واليوم أيضاً، أحسب أن اشهر وأعم إصطلاح في عراق اليوم هو مصطلح "المُربع الذهبي"، ولا أظن أن ثمة عراقي الآن لا يعرف ماذا يعني مصطلح "المُربع الذهبي"؟

فالمربع الذهبي اليوم ليس في الذاكرة فقط، بل في الجيب دوماً وأبداً، وأنى ذهبت في دوائر الدولة، ومؤسساتها.

لست عراقياً، ولا تعيش كرامات العملية السياسية، إن لم تستخرج المرُبع الذهبي، وسيحسبك البعض من بلاد الواق واق إن لم تكن تعرف أهميته ولزوميته.

إذا أردت إجراء معاملة سحب في بنك، أو إذا أردت إستلام راتبك التقاعدي، أو دفع غرامة، أو إستلام طرد أو حوالة بريدية، أو إستخراج وثيقة من أي صنف، أو إستخراج شهادة وفاة أو دفن جثة، أو تجديد شهادة، أو مراجعة دائرة الطابو والعقار، أو الجنسية، أو السفر، أو أي وزارة، أو مديرية، وإذا كانت لك حاجة في أي محافظة، أو قضاء أو ناحية، إذا أردت أن تتزّوج أو تطلق، وإذا أردت تسجيل إبنك أو بنتك في مدرسة، وحتى لو أردت تأكيد صحة صدور! (نرجو ملاحظة هذا التعبير- صحة صدور!- فكل ما يصدر عن الدولة يحتاج إلى صحة صدور، حتى الصكوك البنكية، وحتى حجج الطابو الصادرة قبل بضعة اشهر)، كل شيء في البلد مزوّر، ومطعون فيه، ويحتاج إلى صحة صدور، وصحة الصدور تحتاج إلى صحة صدور بعد حين، وهكذا دواليك، تجري العملية الإدارية في بلاد العملية السياسية، والمزورون الذين قيل أنهم تسببوا بهذا التعقيد (أصحاب الشهادات المُزورة)، والذين كانوا يقودون الدوائر، والذي تم إكتشاف بعضهم، والبعض الأكبر ما زال يقود دوائر الدولة، ويفتل عضلات النزاهة على المواطن البسيط، لا يحاسبون، بل يعفون من تبعات عمليات التزوير التي قاموا بها، ويعاقب المواطن الإعتيادي بتسليط نار الروتين الإداري عليه، هذا الروتين الذي لا مثيل له في دنيا الله كلها، ليس من حيث تعقيده فقط، بل من حيث غباءه وعبثيته ولا جدواه. إذ أنه في نهاية المطاف لا يمنع تزويراً، فمنع التزوير أو التقليل منه، له إجراءات أخرى، تبدء باختيار المخلص والنزيه للوظيفة العمومية، والرقابة الحازمة، والمحاسبة الصارمة.

مربعهم الذهبي، لا مربعنا، هو هوية الأحوال المدنية، التي ينبغي أن تتجدد في كل مرّة، آخر هوية هي الهوية الفسفورية، وشهادة الجنسية التي ينبغي أن تتجدد، أخر شهادة هي الشهادة الفسفورية أيضاً، وبطاقة السكن، التي ينبغي أن تتجدد، وآخر بطاقة لا تختلف عن سابقاتها بشيء، ولا حتى في الكبس، والبطاقة التموينية، وحكاية هذه الأخيرة حكاية!

كي نوضح غباء ولا معقولية عملية واحدة من عمليات التجديد، ولتكن تجديد هوية الأحوال المدنية (الجنسية) مثلاً.

لديك هوية أحوال مدنية، صادرة من مديرية جنسية المدينة الفلانية قبل سنتين أو ثلاث، عليك تجديد هذه الهوية بحكم صدور قرار حكومي يطالب بهذا.

المعلوم أنه في أعلى هوية الأحوال المدنية إسم المركز ورقم السجل والصحيفة، والمعلومات عنك من يوم ولدتك أمك، وأنه بالرجوع إلى السجل يتم التثبت من هويتك، كما هو مدون في السجلات الرسمية، وبناء على هذا يتم صرف هوية جديدة بعد أخذ هويتك القديمة. هذا هو المعروف والمعهود، ومن أجل التماشي مع الروتين الذي لا لزوم له يمكن تقديم عريضة تطالب فيها بتجديد الهوية.

وبعد بلوغك الخمسين أو السبعين من العمر، فإن مديرية الجنسية هي من تثبت عراقيتك بالرجوع إلى سجلك العائلي وصفحتك الخاصة، لا ان يكون الأمر بالعكس، أي أنك تقوم وخارج سجلك وصحيفتك بإثبات عراقيتك للسيد المدير، عبر تقديم مضبطة مصدقة من المختار، ومن القائمقام، ومن رئيس المجلس البلدي، لا لشيء إلا لتجديد هوية أحوالك المدنية، التي شاءت إرادة المسؤول أن تتجدد.

لماذ يكون المواطن متهم بمواطنته التي عليه تأكيدها لمدير جنسية، أو لموظف واجبه أن يعطية بالرجوع إلى المستندات التي لديه ما يثبت مواطنته وليس العكس.

لك أن تحسب كم يأخذ أكمال معاملة تجديد الهوية من وقت، هذا إذا إعتبرنا أن كل شيء يسير كالساعة في الإنتظام والنزاهة في دوائر الدولة.

نفس الشيء يقال بالنسبة لتجديد شهادة الجنسية، ولتأكيد صحة صدور الوثائق الأخرى.

بدل أن يحاسبوا المزورين والمرتشين والفاسدين، عقدوا حياة الناس، وجعلوهم يهدرون وقتهم عبثاً بين هذه الدائرة وتلك. عرضوهم لإبتزاز الموظفين الفاسدين المرتشين الذين لا ضمير لهم، والوقوف في طوابير لا تنتهي في عبثية مثيرة للغثيان.

لقد إغتالوا مربعنا الذهبي، وأحيوا مربعهم المهزلة، فلله درك ياعراق كم تصبر وتصابر!

صباح علي الشاهر