عن صمم فتح وحماس عما يجري من حولهما: من الشرعية الثوريّة إلى الشرعيّة التمثيلية

بقلم: ماجد كيالي

يبدو أن النظام السياسي الفلسطيني ليس أفضل حالا من غيره من الأنظمة، التي تعاند رياح التغيير العاصفة في مجتمعاتها، والتي لا تريد أن تستوعب، بطريقة صحيحة ومناسبة، مغزى اختفاء عديد من النظم، الحاكمة بأمرها منذ عدة عقود من الزمن.

هكذا فقد أصمّ المتحكمون بهذا النظام (لاسيما من حركتي فتح وحماس) آذانهم، وغضّوا أبصارهم، عن المشهد العربي المتغيّر، من تونس إلى مصر وصولا إلى ليبيا واليمن والأردن والبحرين وسورية وغيرها. ومعلوم أن هذا المشهد يؤكد أنه لم يعد بالإمكان إدارة الدولة والمجتمع بالطريقة السابقة، ووفق الخطابات السابقة، تماما مثلما يؤكد أن لا مناص من التغيير، أي تغيير طريقة الحكم، والخطابات، والعلاقات؛ وضمن ذلك إعادة الاعتبار لمفهوم مؤسّس وهو أن الشعب هو مصدر السلطات.

وفي الواقع فإن النظام الفلسطيني يغيّب هذا المفهوم تماما بدعوى "الشرعية الثورية"، التي أطاحت بكل المعايير، وكان من نتائجها الوصاية على الشعب، والتفرد باتخاذ قرارات مصيرية، من ناحية، وحرمانه من المشاركة بتقرير مصيره، والتحكم بمستقبله، من ناحية أخرى.

المفارقة الصارخة هنا أن هذا النظام مازال يدّعي الشرعية الثورية، أي المتأتّية من البندقية، أو من الصراع مع العدو، في وقت لم يعد فيه دور لحملة البنادق، ولم يعد فيه متسع لممارسة الصراع ضد العدو بالمقاومة المسلحة (لا من الخارج ولامن الضفة وغزة). وفوق كل ما تقدم فإن البنى، التي كانت تدعي تلك الشرعية، ضمر دورها، إن في مواجهة التحديات التي تفرضها إسرائيل، أو في مجال بناء الوضع الفلسطيني. أما بالنسبة للإطارات والكيانات، التي أسست لهكذا شرعية، وفق وصفة المحاصصة الفصائلية ("الكوتا")، من منظمة التحرير، إلى المجلسين الوطني والتشريعي، إلى الاتحادات الشعبية، وصولا إلى الفصائل الفلسطينية ذاتها، فقد تآكلت واستهلكت، وباتت تفتقد لأي مبنى أو معنى.

ما معنى ذلك؟ هذا يعني أن الوضع الفلسطيني بات بحاجة ماسة لإعادة بناء جديدة، من كل النواحي، وهذا يخصّ البنى الجمعية والفصائلية. لكن هذا السؤال يفتح على أسئلة أخرى، من نوع أي بناء نريد؟ أو ما هي المعايير لإعادة البناء؟

في الإجابة على كل ذلك لا يمكن التهرب من الحسم، أو بالأحرى القطع، مع ما يسمى الشرعية الثورية، والتي هي مجرد تغطية على الشرعية الفصائلية، لأن هذه الشرعية، في حقيقة الأمر، لم تعد تتلاءم مع الأوضاع والتطورات الناشئة في المجتمع الفلسطيني، ولا مع متطلبات إشراك قطاعات واسعة من الفلسطينيين في الكفاح من اجل حقوقهم، فضلا عن أنها لا تعبر عن أوزان الكيانات السياسية السائدة في هذا المجتمع، هذا عدا أنها باتت غريبة عن معطيات هذا العصر.

ومعلوم أن تلك الشرعية كانت تأسست قبل أربعة عقود من الزمن، في الخارج، وفي زمن الكفاح المسلح، ما يعني أن الظروف التي أتت بها اختفت، أو اختلفت. وحقا ثمة ضرورة ملحة للتغيير الذي طال كثيرا، فالكيانات السياسية السائدة كانت نشأت في ظروف فلسطينية وعربية ودولية معينة، واتخذت أشكالا معينة، ومارست وسائل نضالية معينة، أما الآن فقد تغيرت هذه الظروف، وتآكلت هذه الكيانات وترهلت وشاخت وفقدت حيويتها النضالية. وهذه الكيانات تخلت عن دورها في مواجهة عدوها، وفقدت طابعها كحركة تحرر وطني، بتحولها إلى سلطة، وفضلا عن ذلك فقد ضمرت مكانتها التمثيلية، ولم تستوعب التغيرات عند شعبها. وهذه الكيانات، فوق كل ما تقدم، لم تقم يوما بمراجعة تجربتها من الاردن إلى لبنان إلى الأراضي المحتلة، ولا تجربتها السياسية والتنظيمية والعسكرية والتفاوضية، لذلك فقد انتهى دور هذه الكيانات، ليس لأن احدا يريد، أو يقول، ذلك، بل لأنها هي بواقعها وبأحوالها تؤكد ذلك.

القصد من ذلك أن هذه الكيانات انتهى دورها، تماما مثلما انتهى دور الأحزاب التقليدية في مصر وفي تونس، وضمنها الأحزاب السلطوية الفاسدة، على غرار الحزبين الوطني في مصر والدستوري في تونس، والتي لم تنته بقرار، وإنما بالقطع معها ومع أشكالها وخطاباتها، وبانصراف الأجيال الجديدة عنها، وبعدها انتهت بتجاوز الشباب والشعب لها. هذا حصل في مصر وتونس، وهذا سيحصل في أماكن أخرى،وهذا سيحصل عند الفلسطينيين، أيضا، عاجلا أم آجلا، بطريقة أو بأخرى، بإرادة هذه الكيانات أو بتجاوزها، أي بالرغم عنها.

على ذلك فإن المطلوب الآن، إعادة الاعتبار للبعد التمثيلي في التأسيس للشرعية الفلسطينية، وهذه الشرعية لا يمكن أن تتأتى إلا عبر الانتخابات، أي عبر صناديق الاقتراع، أي بعيدا عن كل تراث المحاصصة والمصالح الفئوية الضيقة (والتي هي كناية عن مصالح سلطوية).

أما المعيار الثاني في بناء الوضع الفلسطيني، فيتأتى عبر إعادة صوغ المشروع الوطني، فعلى ضوء تعقّد أوضاع الفلسطينيين، واختلاف اولوياتهم، بين مطالب حق العودة للاجئين، ودحر الاحتلال للفلسطينيين في الضفة والقطاع، والمساواة بالنسبة للفلسطينيين في مناطق 48، بات من الملح توليد رؤية، أو معادلات، سياسية جديدة، تتيح ربط الأولويات والحاجات الفلسطينية بعضها ببعض، بحيث لا تنافس الواحدة الأخرى، ولا تبدو بديلا لها، وإنما عاضدا ومكملا لها.

وبغض النظر عن الجدل، أو الاختلاف، الذي يدور حول ماهية المشروع الوطني المطلوب، يمكن القول بأن ما يحسم في هذا الموضوع هو تعريف الشعب الفلسطيني. ومثلا، فإذا كان تعريف هذا الشعب يشمل الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، فهذا يعني أن المشروع الوطني يجب أن يشمل، أو يستوعب، كل أولوياتهم، بغض النظر عن امكان تطبيق ذلك، في المدى المنظور من عدمه، أي وفق رؤية مستقبلية. أما في حال اختزل هذا الشعب في أحد أجزائه، فعندها يمكن للبعض أن يطرح حلولا جزئية، ولكن ذلك سيكون على حساب وحدة الشعب الفلسطيني، وعلى حساب قضيته، وحقوقه، وهذا لن يفيد شيئا، ولنا في تجربة اختزال الأهداف الفلسطينية بهدف الدولة في الضفة والقطاع اكبر دليل على ذلك، فهذا الهدف لم يبد انه هدف واقعي أكثر من غيره.

الآن، وطالما أن تعريفنا للشعب يشمل الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، فإن المعادلة المفترضة هنا، لإيجاد رؤية سياسية مستقبلية وجامعة، ينبغي أن تتأسس على النضال من اجل حل الدولة الواحدة في فلسطين، على أسس تحررية وديمقراطية وعلمانية، وعلى أساس الحقيقة والعدالة (بحسب ادوارد سعيد).

هكذا حل ربما كان الأنسب لكل تعقيدات الوضع الفلسطيني، كونه يجيب على مختلف الأسئلة التي يطرحها هذا الشعب، بمختلف أماكن تواجده، فضلا عن انه يستوعب المشكلة الإسرائيلية، ويتجاوب مع القيم الإنسانية العالمية، قيم الحرية والكرامة والحقيقة والعدالة والديمقراطية والسلام.

هكذا، ففي إطار من تلك الرؤية يمكن للفلسطينيين أن يناضلوا كشعب واحد، من اجل ارض واحدة، على أرضية ديمقراطية وعلمانية، بحيث لا يظهر أي هدف في مواجهة هدف آخر، وبحيث تتكامل أهدافهم، في المدى المستقبلي.

يبقى القول إن هكذا حل لا يتأتى من الحلول التفاوضية، ولا يطرح للتطبيق الفوري، وإنما يتأتى كنتاج عمليات، أو مسارات، نضالية، ونتاج تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عند الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي عموم المنطقة.

ماجد كيالي