د. خليل حسين يؤرخ للدبلوماسية في مراحلها المختلفة

مرتكزات العمل الدبلوماسي

بيروت ـ الدبلوماسية في معناها العام مجموعة المفاهيم والقواعد والإجراءات والمراسم والمؤسسات والأعراف الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية والممثلين الدبلوماسيين، بهدف خدمة المصالح العليا (الأمنية والاقتصادية) والسياسات العامة وللتوفيق بين مصالح الدول بواسطة الاتصال والتبادل وإجراء المفاوضات السياسية وعقد الاتفاقات والمعاهدات الدولية.

وتعتبر الدبلوماسية أداة رئيسة من أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية والتأثير في الدول والجماعات الخارجية بهدف استمالتها وكسب تأييدها بوسائل شتى، منها ما هو إقناعي وأخلاقي ومنها ما هو ترهيبي وغير أخلاقي .إضافة إلى توصيل المعلومات للحكومات والتفاوض معها. كما تعنى الدبلوماسية بتعزيز العلاقات بين الدول وتطويرها في المجالات المختلفة بالدفاع عن مصالح وأشخاص رعاياها في الخارج وتمثيل الحكومات في المناسبات والأحداث علاوة على جمع المعلومات عن أحوال الدول والجماعات الخارجية وتقييم مواقف الحكومات والجماعات إزاء قضايا راهنة أو ردّات فعل محتملة إزاء سياسات أو مواقف معينة.

تعود جذور الدبلوماسية إلى التاريخ البشري القديم حين نشأت استجابة لضرورة تنظيم العلاقات بين القبائل والشعوب كالمصريين والبابليين والآشوريين، حيث مارس المبعوث دوراً سياسياً يعتبر في طليعة الأدوار السياسية الواضحة في المجتمعات الإنسانية.

أما مهمة المبعوث فكانت إقامة التفاهم حول قضايا مختلف عليها، كتقسيم المياه أو تحديد مناطق الصيد لكل من الأطراف أو إقامة التحالف ضد أطراف ثالثة أو إعلان الحرب أو إبرام الصلح، وتبادل الأسرى أو الوصول إلى الاتفاقيات التجارية. وقد حاول اليونان والرومان تنظيم هذه المهام عبر مبعوثين كانوا يسموّن egatis ثم سارت الكنيسة المسيحية على نفس المنوال عندما اتخذت مبعوثين مقيمين.

أما بالنسبة للعرب أيام الجاهلية، فكانت القبائل ترسل الوفود للتهاني والتعازي والتشاور والتفاوض والتحالف، وقد عرفوا وظيفة "سفارة" وعرف عن بني عُدي، من بطون قريش، توليهم السفارة قبل الإسلام وفي فجر الإسلام قام الرسل بمهام تبليغ الإنذار قبل البدء في القتال وتسوية المسائل المتعلقة بالهدنة والصلح و تبادل الأسرى وتحريرهم بعد انتهاء الحرب.

وقد قام النبي العربي (ص) بإيفاد عدد من الرسل إلى كثير من رؤساء القبائل العربية التي قبل معظمهم الدعوة إلى اعتناق الإسلام. كما أوفد النبي الرسل إلى النجاشي ملك الحبشة والمقوقس ملك مصر وهرقل إمبراطور الروم وكسرى ملك فارس، وكانوا يحملون معهم كتباً متوّجة بعبارة: "سلام على من اتبع الهدى"يدعوهم فيها النبي إلى اعتناق الإسلام".

وقد استقبل الرسل من قبل الملوك والأباطرة بالتكريم عدا كسرى الفرس، الذي مزّق الكتاب المرسل معلناً بذلك الحرب على المسلمين. وقد حذا الخلفاء حذو الرسول (ص) في إيفاد الرسل والكتب والبعثات الدبلوماسية التي تنوَّعت أغراضها، فعلاوة على تسوية الخلافات وعقد المعاهدات التجارية وتهنئة الحكام والملوك بتولي الحكم أو الزواج، فقد شملت هذه البعثات الأغراض العلمية والثقافية إلى جانب الرغبة في معرفة أحوال الدول الأخرى لأسباب نفسية واجتماعية واقتصادية وحربية.

كما توخّى العرب انتقاء الرسل وفق توافر مواصفات معينة فيهم، منها الجسامة والوسامة والثقافة والفصاحة والحصافة والعراقة والحلم. كما أن الدولة الإسلامية منحت الرسل الوافدين إليها الأمان والسلام طوال إقامتهم في ربوعها، حتى عندما كان الإفرنج يلجأون إلى الغدر برسل العرب كما حصل في عهد صلاح الدين الأيوبي إبان الحروب الصليبية، ويعتبر مؤرخو الدبلوماسية أن المرحلة الثانية من مراحل الدبلوماسية نشأت مع إقدام جمهورية البندقية على إيفاد دبلوماسيين مقيمين، ذلك إبان ازدهار تجارتها ونمو سلطانها البحري والحربي، إلى القسطنطينية وروما، مركز البابا الكاثوليكي، والدول الإيطالية الرئيسة، حيث عمدت إل نشر الفتن وحبك المؤامرات والدسائس بواسطة مبعوثيها الدبلوماسيين. واستمر هذا المفهوم التآمري للدبلوماسية فترة من الزمن حتى أن بريطانيا حظرت على أعضاء البرلمان (1653) التحدث إلى أي دبلوماسي أجنبي.

وقد أرست معاهدة وستفاليا عام 1648 قواعد الدبلوماسية الدائمة والمقيمة - وإن لم تحسم بوضوح نهائي مسألة امتيازاتها وحصاناتها - عندما أنشأت مبدأ المساواة الحقوقية بين الدول، وكان عددها آنذاك 12 ‏دولة أوروبية، ورسخت فكرة التوازن الأوروبي كضرورة من ضرورات السلام والأمن في القارة الأوروبية. أما المرحلة الثالثة من تطور الدبلوماسية فتؤشر بانعقاد مؤتمر فيينا عام 1815 - سقوط نابليون الأول - والتي امتدت حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وتميّزت بتأثرها بكتابات أساطين القانون الدولي أمثال غروشيوس وجنتليس ودي كاليير، فاكتسبت العلاقات الدبلوماسية قواعد ثابتة وأسساً واضحة وترسّخت مع مرور الزمن من خلال احترامها والعمل بها.

وفي هذه المرحلة ترسّخ البروتوكول الدبلوماسي كوسيلة من وسائل تمكين الدبلوماسي من شرح موقف حكومته بتعابير دقيقة ومهذبة. كما أصبح السفراء ممثلين للدولة لا لشخص الملك بالذات ومنتظمين في إطار يتمتع بكيان خاص، وتناقص دور السفراء في التجسس والتخريب وتركزت مهامهم في إطلاع دولتهم على جميع ما يجري في البلاد المعتمدين لديها والإسهام في إيجاد الحلول السلمية للمنازعات الدولية انطلاقاً من الحفاظ على موازين القوى.

أما العمل الدبلوماسي نفسه فاتسم بالسرية والكتمان وحصرت المعلومات الخاصة به بأشخاص قلائل وبالتالي تمتع السفراء بمرونة كبيرة وحرية في العمل وكانت تقاريرهم موضع ثقة واحترام من مسؤوليهم. وفي تلك الفترة تعزّزت فكرة الامتيازات والحصانات الدبلوماسية انطلاقاً من توفير الاطمئنان العام لتمكين الدبلوماسيين من القيام بمهامهم للتعبير عن الاحترام للدولة الأخرى والحرص على حسن العلاقات معها وبالتالي فإن الإساءة لمبعوثيها تعني الإساءة للدولة الأخرى والذي قد يؤدي ذلك إلى توتّر العلاقات لدرجة إعلان الحرب بين الدول.

تنطلق فكرة الحرمة الدبلوماسية من مبدأ لاتيني يقول: يجب ألا يتعرض السفير للضرب أو الإهانة، وعلى هذا الأساس فإن الحصانة الدبلوماسية ترد إلى الأسس التالية:

أولاً: الصفة التمثيلية للممثل الدبلوماسي. اتخذت الدبلوماسية في البدء صفة علاقات شخصية بين الملوك والأمراء، وبالتالي فإن الدبلوماسيين كانوا بمثابة ممثلين شخصيين لهؤلاء الحكام وكل اعتداء عليهم أو احتقار لهم إنما كان يعتبر موجهاً لمن يمثلون، ولما كانت قوانين الملوك أو الأمراء لا تسري على غيرهم من الملوك والأمراء فإنها بالتالي لا تسري على ممثليهم. إلا أن هذه النظرية ضعفت مع مرور الزمن بعد الثورة الفرنسية نظراً لأن الدبلوماسيين باتوا يمثلون الدول لا الملوك والأمراء.

ثانياً: اعتبار مقر البعثة الدبلوماسية واقعاً في أراضي الدولة الموفدة، وبالتالي مستقلاً عن سيادة السلطة الإقليمية. وغير ملزم بالخضوع لقوانينها. بيد أن هذه النظرية لم تسلم من انتقادات بعض علماء القانون ولم يرد ذكرها في اتفاقية العلاقات الدبلوماسية فيينا 196.

‏ثالثا: مقتضيات العمل الدبلوماسي. وهي نظرية تركز على ضرورة تمكين السفير من القيام بالمهام الملقاة على عاتقه بحرية وإخلاص وطمأنينة وبالتالي فإن الامتيازات والحصانات إنما تكون من مقتضيات ممارسة المهام الدبلوماسية.

رابعاً: مبدأ المعاملة بالمثل. وهو مبدأ قديم وبسيط وواضح ، يدفع الدول إلى مراعاة حسن المعاملة الدبلوماسيين المعتمدين لديها ومنحهم الامتيازات والحصانات الدبلوماسية لكي يحصل معتمدوها على معاملة مماثلة في الأقطار الأخرى، كما يشمل هذا المبدأ الرد على قيام الدول الأخرى بطرد الممثلين الدبلوماسيين بحجة القيام بأعمال مشبوهة، كالتجسس أو التخريب أو التدخل في الشؤون الداخلية، ذلك عن طريق اتخاذ إجراء مماثل بحق ممثل ذلك البلد المعتمدين لديها.

أما الحصانات والامتيازات الدبلوماسية نفسها فتشمل شخص الممثل الدبلوماسي فلا يخضع لأي شكل من أشكال التوقيف أو السجن وتصان حريته وكرامته من كل اعتداء أو امتهان، ويتمتع السفير بلقب صاحب السعادة ويرفع علم بلاده على مقر البعثة الدبلوماسية وسكن رئيس البعثة وسيارته أثناء قيامه بالمهام الرسمية وتتمتع مراسلاته وأمواله بالحصانة الكاملة.

وكان إقدام الثورة البلشفية في روسيا على نشر الاتفاقات والمعاهدات السرية للحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى، إيذاناً بأفول حقبة الدبلوماسية التقليدية، حيث لعبت الدبلوماسية السرية دوراً مرموقاً في خدمة أهداف الدول الاستعمارية وفي سياساتها لاقتسام المغانم في المستعمرات.

تأثرت الدبلوماسية الجديدة بالتطورات السياسية والتكنولوجيا المعاصرة. فازدياد سرعة المواصلات الجوية والإلكترونية قرَّب المسافات وقوَّى درجة التداخل، كما أن توسّع التجارة وازدياد التعامل الاقتصادي والثقافي والسياحي والعلمي جعل من الاعتماد المتبادل بين الشعوب والدول ظاهرة سياسة رئيسية. كما أن مجمل هذه التطورات سهلت على رؤساء الدول ووزراء الخارجية القيام بالمهام الدبلوماسية مباشرة عن طريق الاشتراك في المحادثات الدولية وحضور المؤتمرات السياسية والعودة إلى عواصمهم في غضون ساعات أو أيام قليلة فتوسعت دبلوماسية القمة بدرجة كبيرة.

كما أكثر الرؤساء من استخدام إيفاد الممثلين الشخصيين في مهمات دبلوماسية خاصة ولجأت الحكومات إلى استخدام أسلوب الحملات الدبلوماسية لشرح وجهات نظرها في موضوع هام وتحرص على شرحه على نطاق واسع. كما أن النمو الكبير في عدد الدول وزيادة الاعتماد فيما بينها أدى إلى نمو ظاهرة المنظمات الدولية، السياسية وغير السياسية، والقارية والإقليمية وظاهرة التكتلات الدولية الثابتة، بحيث أصبحت هذه المنظمات الميدان الأول للدبلوماسية الدولية وعلى صعيد آخر، فإن دخول المجتمعات الإنسانية في القرن العشرين رفع من أهمية الدور الذي يلعبه الرأي العام في السياسة وفي مطالبة الهيئات التشريعية بتقديم المعلومات الصحيحة ولمسهبة حول المفاوضات والاتفاقات الدولية، ما أدى إلى ضمور، الدبلوماسية السرية وانبثاق الدبلوماسية المكشوفة.

ويبقى أن هدف الدبلوماسية الأعلى إنجاز المصالح في مجال العلاقات الخارجية من خلال التفاوض والتفاهم، إلا أنها مع ذلك لا تكون بديلة عن حيازة أسباب القوة والمنعة الذاتية للدول. فالدبلوماسية والقوة يحتفظان بعلاقة متوازنة بحيث تدعم كل منها الأخرى.

لقد عالج الكاتب د. خليل حسين مجمل هذه الموضوعات والقضايا في أحد عشر بابا، في كتابه الجديد "التنظيم الدبلوماسي" تناول فيها نشأة الدبلوماسية وتطورها في مختلف الحقبات التاريخية، قديما وحديثا، محاولا استكشاف معالم هذا العلم الذي أصبح من مكونات وأسس العلاقات الدولية في عصرنا الحاضر. كما بحث في مهام العمل الدبلوماسي ووسائل تحقيقه وأهدافه. علاوة على تناول دراسة الحصانات والامتيازات انطلاقة من خلفياتها وضروراتها لتمكين الممثل الدبلوماسي من القيام بالمهام الملقاة على عاتقه.

كما تطرّق في عمله هذا إلى دراسة القيود التي فرضت نفسها على العمل الدبلوماسي في الدول المضيفة لجهة حماية الأمن القومي للدول. إضافة إلى إلقاء الضوء على أهم مرتكزات العمل الدبلوماسي أي البروتوكول والاتكيت، وأنهى عمله بدراسة الدبلوماسية الإسلامية، دراسة مقارنة مع القوانين الوضعية.

وقال المؤلف: "لقد أخذ هذا العمل الموسوعي الجهد الكبير لإخراجه بطريقة تراعي العمل الأكاديمي، دون أن يكون عصيا على المهتم أو غير المختص".