المالكي في مواجهة صيف ساخن

بقلم: هادي والي الظالمي

اخذت مهلة المئة يوم، التي منحها السيد المالكي لنفسه وحكومته لأجراء اصلاحات، في النفاد. وكما اعتاد على اتخاذ قراراته منفردا، فان رئيس الحكومة لم يشاور شركاءه وهو يقدم على تلك الخطوة المُربكة.

وَعدُ المئة يوم قابلَهُ تشكيك مُتهكِم، لاستحالة الايفاء به خلال مئة عام، على لسان بهاء الاعرجي القيادي في التيار الصدري أهم أقرب حلفاء المالكي على مدار سنوات حكمه.

قبل ذلك، وبعده ايضا، لم يتردد الكثيرون من العراقيين في الخروج الى الساحات والشوارع معبرين عن احتجاجاتهم وغضبهم بسبب سوء الادارة وتردي الواقع الحياتي والخدمي، وتفشي الفساد والبطالة، وشيوع المحسوبية والحزبية. ردد المحتجون، وجلهم من الشباب المتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية، هتافات جمعها مُشترَكُ الريبة بمصداقية المالكي. الاخير حشًدَ للوقوف بوجه ما بات يعرف بأنتفاضة 25 شباط، واتهم المتظاهرين بـ"البعث" و"القاعدة"، مساويا الانخراط بتلك الفعاليات بالعمل الارهابي وداعيا الى عدم الاستجابة لها، في خطابات متكررة. ترافقت تحذيرات المالكي بمداهمات واعتقالات واستكتاب تعهدات بعدم المشاركة، في كل انحاء البلاد. الا ان الاحتجاجات السلمية جوبهت بالذخيرة الحية والافراط في ردة الفعل الامني، لتُوقِعَ العديد من الشهداء وضحايا العنف الرسمي، تحت رعاية قيادات مقربة من رئيس الوزراء وحزبه. وهو ما احرج الادارة الاميركية التي تبنت اعادة تنصيب المالكي لدورة ثانية، واضطرها الى توبيخه ازاء تلك الممارسات القمعية، مع تراجع تأييده في الشارع العراقي.

ومع ان الايام الاخيرة شهدت فتورا في مظاهر الاحتجاجات بما يعطي الحكومة نوعا من الاسترخاء بعد الشد العصيب الذي شهدته الايام والاسابيع الماضية، الا ان السير الحثيث نحو نهاية المئة يوم والمترافق بزحف الصيف العراقي القائظ المرتبط بأزمة الكهرباء المزمنة، ينذر بأزمة خانقة قد يصعب الخروج منها. فشباب الفيسبوك الذين يمتلكون التصميم على التغيير، قد يفتقرون الى الخبرة حتى الان في ادارة الصراع مع الحكومة، الا ان المئة يوم تعد مهلة كافية لهم لأعادة تنظيم صفوفهم ومراجعة خططهم والشروع المدروس في المواجهة القادمة.

ليس هذا فحسب، فقد خلقت الاوضاع المذكورة تخلخلا في التحالفات وحتى داخل المكون السياسي الواحد، ودفعت بمرجعيات مترددة الى الوقوف مع مطالب الجماهير.

اطراف سياسية نافذة لها شراكة حقيقية في الحكومة عادت الى لعبتها في وضع رجل في الحكومة والاخرى في المعارضة.

الا ان اخطر تداعيات المرحلة التي تلت الخامس والعشرين من شباط ان رموزا وقوى سياسية عراقية معتبرة ونافذة في الشارع العراقي قادت المشروع الوطني منذ بداياته، تعيد دراسة مواقفها بعد ان اجبرت وانحناء للمصلحة الوطنية الى قبول الشراكة الحكومية لكي لاتتهم حينها بوضع العصي في دواليب العملية السياسية خاصة مع تراجع امني خطير عصف بارواح الابرياء ومصالحهم. ترى هذه القوى، اليوم، وهي قوى اساسية لا يمكن تجاوز حضورها في أي موقع كانت، انها تعرضت لخديعة سياسية بسبب اعتمادها البعد الاخلاقي والثقة المفترضة في التعامل السياسي الوطني.

ان هذه القوى التي اعتادت منهج اللامساومة في تقدير المصلحة الوطنية قد تجد نفسها اقدر على الايفاء بالتزاماتها وثوابتها من خلال المشاركة الميدانية بمطالب جماهيرها المشروعة، بعد ان عجزت عن اقناع الاخرين بالكف عن اساليب المماطلة في تهميش ارادة شعبية عريضة افرزتها الانتخابات وتم اجهاضها بأساليب ملتوية.

وسواء دُفِعَت او اختارت، تلك القوى الاساسية، منهج المعارضة فان السيد المالكي الذي اختبر بالونات حكومة الاغلبية السياسية سيجد نفسه في مواجهة مد من المعارضة المتصاعدة على المستويين السياسي والشعبي، وهو ما سيرفع عنه الدعم الاميركي الذي مثل ضمانته في المرات السابقة.

تجربة المالكي في السلطة تدفعنا الى الاعتقاد انه سيعتمد المسارات الخاطئة في التعامل مع الازمة من خلال ترحيلها باعتماد تكتيكات التأجيل التي تفاقم منها. سيعمد السيد المالكي، حتما، الى الاختباء وراء تحالفات جديدة تنفرط ازاء اية ازمة قادمة، بينما لا تزال النار تختبئ تحت رماد سرعان ما ينقشع، منذرة بحريق جديد.

هادي والي الظالمي

Hadi_whali@yahoo.com