آل جارو: أتيت للاحتفال مع العرب بأرضية إنسانية مشتركة

كتب ـ محمد الحمامصي
أعظم فنان جاز على قيد الحياة

الجلوس إلى فنان موسيقى الجاز العالمي آل جارو متعة حقيقية، فهذا الفنان الأسمر الذي تستضيفه أبوظبي من خلال مهرجان أبوظبي للفنون 2011 الذي تنظمه مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، يبدو للوهلة الأولى عجوزا ضعيف البنية والسمع، ما أن تمد يدك لتصافحه ينتفض كشاب عفي ويقبل عليك كمشتاق أرهقه طول الهجر، تهتز في يده حين ترى صوته مرحبا ووجهه تملأه الابتسام، وما أن تعرفه بنفسك كونك مصريا عربيا أو سوريا أو إماراتيا أو لبنانيا أو سودانيا، حتى تملأك دندناته فرحا بك.

لم أكن وحدي الجالس إلى آل جاور كان معي زملاء، وقد رحب بكل منا بأغنية مختلفة، أقصد بمصافحة وترحيب مختلفين، كشف عن أن مهارة العزف والغناء والرقص على التواصل الإنساني في روحه لا تقل عن مهارته الذهبية في موسيقى الجاز.

كان آل جارو يرد على تساؤلاتنا وكأنه يعزف ويغني ويهتز راقصا، تدفق حيوية روحية وجسدية يضرب المثال تلو الآخر بأغنية أو قطعة موسيقية، غنى وعزف ودندن ورقص كأنه يعلو خشبة مسرح، تحدث متوهجا ومندهشا عن أمه عازفة البيانو في الكنيسة، حين كان يجلس إلى جانبها ولتغني وتعزف ويغني معها في الكنيسة، عن والده رجل الدين، وكذلك بقية أفراد عائلتي، جميعهم من المغنين والموسيقيين، أنه عندما كان يذهب للنوم كان يسمع الموسيقى تناديني، يحلم بها أحياناً تملأه.

وأضاف "من الكنيسة كانت أولى خطواتي الموسيقية، ثم بدأ أخي وأختي اجتياز عالم الموسيقى الكنسي إلى عالم الموسيقى بالخارج على اختلافها، كان عمري حوالي 6 سنوات، حين تعرفت على موسيقى مختلفة عن موسيقى الكنيسة، فأخوتي خاصة أخي الأكبر جاء بموسيقى غير تلك التي تعلمناها في الكنيسة".

وأكد آل جارو "كنت محاط بالموسيقى، وعرّفني أخوتي على أهم الموسيقيين العالميين الذين كانوا مشهورين في ذلك الوقت المبكر من عمر، أسماء كبيرة وأنا بعمر 6 سنوات، أذكر أن حفلا أقيم بالكنيسة بهدف جمع التبرعات للأعمال الخيرية، شجعني على الغناء فغنيت أمام حشد من الأطفال والآباء والأمهات، ثم بدأت غناء أنواع أخرى كالجاز تأثراً بإخوتي، وأحببت هذا النوع من الموسيقى لأنها أكثر متعة بقليل من موسيقى الكنيسة، وفي عمر 13 بدأت أغني هذا النوع من الموسيقى، رغم أن معاني بعض الأغاني كانت تفاجئني، كانت الموسيقى بداخلي، البوب والآرم بي، ولقد بات التنوع الموسيقي يملأ روحي".

وأوضح آل جارو أنه من الصعب عليه تذكر أسماء موسيقية محددة في العربية، ولكنه أكد أنه يعرف مشاعر هذه الموسيقى، ويملك إحساسا مذهلا بها ويعرف إيقاعاتها، وقال "هي موسيقى رائعة وأنا معجب بها، وأستمتع بها، هي منظومة متكاملة وفريدة من الإيقاعات والألحان، منظومة متكاملة في استخدامها للأدوات الموسيقية، ولحنا متكاملا، لكننا في الغرب وأمريكا للأسف نسمعها ولكن لا نستعمل أساليبها، ولم نستطع أن نوظف هذه الموسيقى وندخلها في أعمالنا بصورة مناسبة".

وحول علاقته بالمسرح رأى آل جاور أنه في كل يوم يقوم بالتمثيل من خلال أدائه للأغاني على المسرح، لكنه ليس ممثلا "الإنتاج في الاستوديو هو الأهم بالنسبة لي، والعمل كذلك مع موسيقيين آخرين".

وأكد آل جارو أن هذه هي المرة الأولى التي يغني فيها في العالم العربي، و"لم أغن أمام جمهور عربي عربي"، وتوقع لحفله الليلة أن يكون رائعاً، و"رائع أن أغني أمام الجمهور العربي في أبوظبي، وأتوقع أن أشعر بشعور غريب لم يحدث لي من قبل، لأني أمام جمهور من العرب لهم ثقافة مختلفة إلا أنهم قريبون من موسيقاي وجذورنا واحدة، لقد أتيت للاحتفال مع العرب بأرضية إنسانية مشتركة، وسيكون الحفل ساحراً متكاملاً".

ورأى آل جارو أن ما يحدث في أبوظبي أمر هام لتحقيق تواصل إنساني مبني على أرضية مشترك من روح الفن، مهم لفناني العالم أن يفهموا ويشجعوا قيمة التواصل مع العالم العربي، وأتمنى لو كان لدي وسيلة لعرض ما يحدث هنا ثقافيا وفنيا وإنسانيا في أبوظبي للعالم، ما يحدث في أبوظبي شيء عظيم، ويتعدى كونه رسالة فنية، إلى كونه رسالة سياسية، تؤكد أن العالم العربي منفتح الآفاق والرؤى على العالم كله.

وأخيرا أكد آل جارو على أن الموسيقى رسالة عالمية تجمع الناس كلهم مع بعض حولها، وتتماشى مع الوئام والسلام العالمي الذي ننشده جميعا.

يذكر الناقد الموسيقي دون هيكمان أن أسلوب آل جارو الفريد في الغناء أحد أبرز الإبداعات الموسيقية في العالم، وقد جعلته التعبيرات الموسيقية المبتكرة التي يستخدمها واحداً من أبرز الفنانين وأكثرهم شهرةً في عصرنا الحالي، حيث حصل على ثمانية جوائز غرامي، وفاز بالعديد من الجوائز الموسيقية والأوسمة العالمية.

وقد أتقن آل جارو أداءه الغنائي ليصبح فناناً بارزاً، بحيث بدأ الغناء في سن الرابعة، وبحلول أواخر ستينيات القرن الماضي، أدرك في قرارة نفسه أن الغناء سيكون محور حياته، وفي عام 1975، بدأت المؤسسات المهتمة برصد المواهب بمتابعة أعماله، ووقع عقداً لتسجيل أغنياته، إذ حقق ألبومه الأول "We Got By" من إنتاج "وارنر بروس للتسجيلات"، نجاحاً واسع النطاق وحظي بإشادة وتقدير من الجميع.

كانت النقلة النوعية في مسيرة آل جارو المهنية عام 1977 مع إصدار ألبومه (Look to the Rainbow) الذي فاز عنه بأول جائزة غرامي لأفضل أداء صوتي لموسيقى الجاز، وانهالت عليه الجوائز بعد كل ألبوم يصدره، ففي عام 1981 فاز بجائزة غرامي لأفضل مغنٍ عن ألبومه (Breakin) بحيث تجاوزت مبيعاته المليون نسخة، قبل أن يحصل على جائزة غرامي أخرى لأفضل أداء صوتي لموسيقى آر أند بي في 1992 عن ألبومه (Heaven and Earth)، وبذلك أصبح آل جارو أحد الفنانين القلائل الذين فازوا بجوائز غرامي عن فئات موسيقى الجاز والبوب وآر أند بي.

عمل آل جارو على مدى مسيرته المهنية مع نخبة من نجوم الغناء، من بينهم ديفيد سانبورن، وكاثلين باتل، وجو سامبل، وستيف جاد، وهيربي هانكوك، والسير بول مكارتني، وجيل سكوت، وكريس بوتي، وباتي أوستن، وغيرهم.

وقد تعددت مواهبه، حيث شارك لمدة ثلاثة أشهر في مسرحية بعنوان (Grease!) في برودواي لعب خلالها دور الملاك المراهق وهي مسرحية غنائية حققت نجاحاً كبيراً، في حين تضمنت أدوراه التمثيلية الأخرى دوره كضيف شرف في مسرحية (New York Undercover) من إنتاج شركة فوكس، ومسرحية (Touched by an Angel) لشركة إن بي سي.

أطلقت عليه صحيفة شيكاغو تريبيون لقب "صوت التنوع"، وسمته ديترويت نيوز "أحد أعظم موارد العالم الطبيعية". وبعد أكثر من 30 عاماً ما يزال آل جارو واحداً من أكثر الرجال المجتهدين في عالم الفن، وهو بلا شك أحد أعظم الفنانين والمطربين المبدعين الذين عرفوا في عالم الموسيقى، وقد وصفته مجلة تايم بأنه "أعظم فنان جاز على قيد الحياة".