ماذا عن مصافحة النِّساء؟

بقلم: رشيد الخيون

‎لم تكن مصافحة النِّساء مسألة تسترعي اهتمامنا بالقرى والقصبات، فتحصيل حاصل أن النِّساء في ظل الأعراف كنَّ لا يختلطنَ بالرِّجال إلا لماماً، مع التَّذكير أن العمل بالأرياف يجمع بين الجنسين، وأن هناك نساء برزنَ متفوهات ولهنَّ السَّطوة كأُمهات أو زوجات أو أخوات، وقد يهابهنَّ كبراء القوم مِن شيوخ ووجهاء. لكننا كنا نلاحظ عند وصول زائرة رسمية أو أجنبية تُمد الأيدي لمصافحتها، أو مثلما نقول مطالستها، فما أتذكره أننا كنا نستخدم لفظة المطالسة بمعنى المصافحة، ويغلب على الظن أنها وردت مِن «طلسه بالدَّهان» أي غشاه (المنجد في اللغة والأعلام)، ويُذكر انها سريانية النِّجار.

‎للأسف نخوض في مثل هذه المسألة وها هو الزَّمن قد تعدَّ الألفية الثَّالثة بأحد عشر عاماً، وثورة التكنولوجيا أخذت تهز العروش، مثل الفيسبوك والإيميل، وربما يصطدم بهذه المسألة أكثر مَن يُخالط المنتسبين للأحزاب الإسلامية، وهناك مَن يتجاوزها منهم، لسبب أو آخر، مثل وصوله إلى قناعة في المساواة، أو على قول «مكره أخاك لا بطل»، في حالة هيلاري مثلاً، وهناك مَن استفتى وحصل الفتوى الإباحة للضرورة. إن جوهر عدم المصافحة، على ما يبدو، مرتبط جذره بالتَّمييز، فغُطي بأمر عبادي، بدلالة أن الخصم لا يُصافح خصمه، والسيَّد لا يُصافح عبيده، لأن فيه اعتراف بالمساواة.

‎أصل القضية، ولماذا أصبحت واحدة مِن الركائز لدى الإسلاميين: أولاً القرآن: ورد في الكتاب: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنْوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّساء» (النِّساء: 43). ويحكي مَنْطوق الآية عن الطَّهارة، وما يمْنَع الصلاة: السُّكر، والجُنب (الاحتلام)، والغائط، وملامسة النِّساء.

‎ويُنقل عن علي بن أبي طالب (اغتيل 40 هـ) وابن عباس (ت 68 هـ) وأبي حنيفة النعمان (ت 150 هـ): إن «المراد به (الملامسة) الجِماع» (الطَّبرسي، مجمع البيان). فليس مِن الدِّين مشابهة قذارة الغائط بمصافحة المرأة! وقال فريق آخر مَثَّله عمر بن الخطاب (اغتيل 23 هـ) وابن مسعود (ت 32هـ) والشَّافعي (ت 204 هـ): «المراد به اللَّمس باليد» (نفسه).

‎قال الطَّبرسي: «الصحيح الأول، لأن الله سبحانه بيَّن حكم الجنب في حال وجود الماء...». وورد لدى نجل أبي الثَّناء (ت 1854 هـ) نعمان الآلوسي (ت 1899): «قول أبي حنيفة لا ينقض (الوضوء) إلا بالمباشرة الفاحشة» (الآلوسي، غالية المواعظ).

‎ويأتي شيخ الطَّائفة الطُّوسي (ت 460هـ) مؤسس الحوزة الدِّينية بالنَّجف بما لا يوافق متشددي العصر. قال: «ملامسة النِّساء، ومباشرتهنَّ لا تنقض الوضوء، سواء كانت مباشرة ذات مُحرم، أو غيرهنَّ مِنَ النِّساء. سواء كانت المباشرة باليد، أو بغيرها مِنَ الأعضاء، بشهوة كانت أو بغير شهوة» (كتاب الخلاف). فإذا كان هذا ما ورد في القرآن ووضحه الكبار مِن علي إلى النُّعمان والطُّوسي بجواز المصافحة، فيبقى للحديث: «إني لا أُصافح النِّساء، إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة» (الهندي، كنز العمال)، مناسبة قوله أو وضعه!

‎أقول: لماذا الذِّهاب إلى الأصعب وبين أيدينا الأسهل، أهو الرَّغبة بتغليف الزَّمن بصفائح فولاذية، ودحرجة الصُّخور في مجرى الزَّمن المنطلق إلى الأمام بلا عودة. في حالة العِراق هناك 25 بالمئة مِن البرلمان هنَّ مِمن لا يصافحنَ جمهوراً مِن أتباع الإسلام السياسي، وهم يتحينون الفرصة لإلغاء الزَّمالة الجامعية، أي الاختلاط، وكيف يُنظر إلى المستقبل والسِّياسي فيه لا يُصافح النَّساء، حيث جمعت النَّظرة إلى المرأة على أنها مشروع لَّذة ليس إلا، لا لعقلها وشخصيتها ودورها الاجتماعي!