لماذا لم نعد نثق بالصحف؟

بقلم: إقبال التميمي
وساوس صحافية

في دراسة إحصائية إعلامية حول مسببات السرطان، اتضح أن صحيفة واحدة نشرت ما مجموعه 149 مقالاً مختلفاً عزت فيه 149 مسبباً مختلفاً للإصابة بداء السرطان. هذه الصحيفة هي الديلي ميل البريطانية.

من ضمن مسببات السرطان، بناء على تقارير وأخبار الديلي ميل ما يلي:

السفر جواً، الضوء الصناعي، الأسبرين، إنجاب الأطفال، مياه الاستحمام، كون جنس الإنسان إمرأة، وفي مقال آخر أن يكون جنس الإنسان ذكراً، أو أن يكون لون الجلد أسمر، أن تكون الفتاة نحيفة، أن يكون الشخص من سكان الجنوب، تناول البسكويت، ارتداء حمالات الصدر، الرضاعة الطبيعية، الاستحمام بفقاعات الصابون، تناول البرغر، تناول العشاء على ضوء الشموع، السيارات، تناول الجبنة، البطاطا، الشوكولاتة، السكن في المدن، القهوة، الإصابة بالإمساك، الطبخ، استخدام الهاتف المحمول، مزيل العرق، تناول البيض، استخدام الطاقة الكهربائية، الانضمام إلى فيسبوك، الأظافر الصناعية، الأبوة، الأسماك، ارتداء الشحاطات، الفواكه، عصير الفواكه، العسل، المشروبات الساخنة، المعانقة، استخدام الانترنت، أن يكون الشخص من ذوي الرؤوس الكبيرة، الحيض، الحليب، النقود، الفقر، الحمل، أكل الارز، التقاعد، الجماع، الشاي، الفواتير، إضاءة النور في الليل للذهاب إلى المرحاض، الماء، اللحم المطبوخ جيداً، العمل... وأشياء كثيرة أخرى جميعها متهمة بسرطنة الإنسان.

احذروا السرطان بسبب فيسبوك!

بداية، أود التوضيح بأن لدي قائمة بوصلات الكترونية لجميع هذه المقالات كإثبات، لاختصار وقت القافزين المتسرعين لدحض هذه المعلومات التي تؤرجحنا بين القلق العميق والوسواس والضحك الهستيري.

عندما بدأت بقراءة وصلات التحذير من المسرطنات، أصابني الهلع، لأنني حسب هذه القائمة من أول المرشحين للإصابة بالسرطان. فأنا امرأة اعيش تحت الضوء الصناعي لأنني أعمل في مكان مغلق. أنجبت أربعة أطفال، وأقترف اثم الاستمتاع بجرم الاستحمام، وأتيت من مدينة في جنوب فلسطين، وعندما يهاجمني الاكتئاب أتعاطى البسكويت مع القهوة، إلى جانب أنني حشرت صدري في حمالات منذ الحادية عشرة من عمري، وأرضعت جميع أطفالي رضاعة طبيعية، وتناولت البرغر إلى درجة الثمالة لأنني كنت أعمل 16 ساعة في اليوم وفي كثير من الأحيان لم أجد الوقت لتنفيذ مشروع "ساندويتش محترم" لأنني كنت المعيلة الوحيدة لأسرتي وأعمل بشكل متواصل، وقدت السيارات مرغمة لأن دوامي معظم الوقت كان ليلياً ولا يتوفر في ذلك الوقت مواصلات عامة، وكجميع الصحفيين العاملين في غرف الأخبار، عانيت من الالتصاق بمقعد المكتب أمام الشاشات والحواسيب لساعات تستوجب الإدانة من جمعيات حقوق الإنسان، ولمست الكثير من الفواتير لأنني كنت أقوم بمهمة تسديدها.

والأبوة أيضا!

بناء على كل ما سبق وما جاء في الصحافة، يفترض أن أترك مهمة الكتابة فوراً وأن أبدأ بفرش قبري وكتابة وصيتي. لكن قبل ذلك، علي أن أسارع بنشر الغسيل الرطب قبل أن يداهمني قطار الموت وأترك مهامي للغير.

لقد حذرتنا الصحافة في البداية فهلعنا. وحذرتنا مرة أخرى فهبط منسوب الحساسية لدينا، ثم حذرتنا مرة ثالثة فاكتشفنا تلاعب الصحافة بنا، ومرة رابعة تغاضينا عما ينشر وبعدها توقفنا عن قراءة التحذيرات، وفي النهاية فقدت الصحافة مصداقيتها لأنها نفخت الخبر وضخمت الخوف، وبالغت في ترويج قصص ضعيفة السند.

لذلك أصبحت تحذيرات الصحافة أشبه ما تكون بقصة الكاذب الذي كان ينادي: الذئب.. الذئب، إلى أن أتى ذئب حقيقي قضى على قطيعه دون أن يلتفت إلى مناشدته أحد، لأنه كرر مناشداته الكاذبة سابقاً.

إقبال التميمي