داوستاشي .. فنان تشكيلي ثائر

قلم: السفير يسري القويضي
الفنان المخلص لا ينفصل عن مجتمعه

لفن هو تعبير عن فكر الفنان وأحاسيسه ينقله إلى المتلقين بأسلوب بليغ، وقد تتنوع وسائط التعبير المستخدمة، كما قد يتفاوت الزمن الذي تستغرقه عمليه نقل التعبير من الفنان إلي المتلقي لتستغرق وهلة، أو دقائق، أو ساعات، وربما تطول لأيام وشهور، بل والي سنوات.

هذا ما حدث بالنسبة للعمل الذي قدمه الفنان السكندري (الثائر) عصمت داوستاشي، والذي قدم عملا فنيا على مراحل استغرقت ستة أعوام من مايو/آيار 2005 وحتى يناير/كانون الثاني 2011.

وقد وصفته بالفنان الثائر، لأنه كان متمردا علي كثير من الأوضاع غير السوية التي تحوط المجتمع، لقد لازمته روح التمرد والثورة في جميع مراحل حياته منذ أن كان شابا دارسا للفن بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية في ستينيات القرن العشرين وحتى يومنا هذا. إن حيويته في مناصرة الحق، وجسارته في مواجهة السلبيات كانت تدفعه دائما للإفصاح عن رأيه بشجاعة دون خوف أو تردد حتى وإن حملت نقدا قاسيا للآخرين، وكان من نتيجة ذلك تعرضه في كثير من الأحيان لانتقادات لاذعة.

لقد بدأ الفنان داوستاشي العمل الفني الذي استغرق استكماله ست سنوات، عندما وافق مجلس الشعب في 25 مايو/آيار 2005 على التعديلات سيئة السمعة التي وضعت شروطا مانعة لمنافسي الرئيس السابق في الانتخابات الرئاسية، وتمهد الطريق لنجله لاقتناص الحكم من بعده، فقد أصدر الفنان في ذات التاريخ كتيبا أسماه "إبداعات × لون أسود" يضم بين دفتيه 16 ورقة (32 صفحة) كلها سوداء خاليه من أي كتابة أو صور، وكتب الفنان على ظهر غلاف الكتاب يقول ".. اليوم انطفأت الشموع وحل الظلام.. ولا أدري حين تضاء الحياة مرة أخرى أين سنكون؟ .. فمعذرة إن جاءت أعمالي في هذا الكتاب سوداء".

ورغم أن عددا لا بأس به ممن تلقوا الكتاب - الذي صدر في خمسمائة نسخة مجانية كل نسخة مرقمة وتحمل توقيع الفنان - لم يدركوا للوهلة الأولى المعنى الذي قصده الفنان واعتقدوا أن الأمر لا يعدو سوى أن يكون مزحة وفكاهة، إلا أن الحقيقة تكمن في أن الكتاب عمل فني قام على الفكر والمعنى، عبر من خلاله الفنان عن وضع يستنكره فقام بالتعبير عن عدم ارتياح الجموع.

وفي الذكرى الأولى السنوية للتعديل المشئوم أصدر الفنان داوستاشي في 25 مايو/آيار 2006 كتيبا آخر، بعنوان "صور × بر مصر المحروسة" جاءت صفحاته كلها حمراء، وأشار تلك المرة على ظهر الغلاف لوقائع ومآسٍ مما جرت خلال ذلك العام في مصر، وحملت كلماته نقدا مريرا، فيقول الفنان "هذا هو معرضي الافتراضي الثاني، وكنت قد أصدرت المعرض الأول في تاريخ 25 مايو/آيار 2005 يوم تغيير المادة 67 من الدستور وكانت صفحاته كلها سوداء. اليوم في نفس التاريخ أصدر معرضي الثاني وصفحاته حمراء. تتصور أو صور بنفسك أعمال معرضي هذا المتواجد حولك أينما ذهبت في بر مصر المنكوب بالعشوائيات والطائفية والفقر والفساد والأوبئة والفتن والبلطجة والأمركة والهيافة والتفاهة .. إنه إبداع تراكمات تاريخية عريقة في الحكم العبثي لفراعنة العصر الحديث..".

وألمس من قول الفنان الثائر داوستاشي أنه كان ساخطا على ما يجري في مصر على أيادي الطغاة، وأجزم أن اختياره اللون الأحمر لصفحات الكتيب كان بمثابة دعوة مستترة تشير بأن الثورة هي الطريق الوحيد للتغيير، ولكن لظروف اقتضتها الحكمة والسلامة لم يجاهر بالفكرة علانية، وجعل المعنى كما يقولون في بطن الشاعر.

وفي الذكرى الثانية لصدور التعديل الدستوري أصدر الفنان في يوم 25 مايو/آيار 2007 الجزء الثالث من كتيباته "معرض × كتاب" وفي هذا الجزء نلمس شعوره يتأرجح ما بين الإحباط والتفاؤل، فقدم كتيبه الثالث ساخرا ومتهكما بالقول "نتفق جميعا أن العالم اليوم أصبح (تحفة) وأصبح متحفا كبيرا يضم كل تناقضات الدنيا.. ماضيها ومستقبلها وحتى حاضرها الذي يحتضر، كتيبي هذا العام هو الثالث ويصدر دائما في 25 مايو تاريخ تعديل المادة 76 الكارثة من الدستور المصري الذي يُعْبثُ به الآن علي نطاق واسع".

لقد دأب الفنان داوستاشي على تذكيرنا سنة بعد أخرى بالجُرم الذي يُرْتكبْ في حق مصر، لم يكن فاقدا للأمل في الإصلاح والتغيير، لهذا جاءت صفحات كتيبه الثالث بيضاء نقية، وسجل على غلافه يوضح أنه يخصصه هذا العام لتقديم (أصغر متحف في العالم) أنشأه في شقة حجرة واحدة أستوديو بجوار محل سكنه تضم مائة عمل فني لمائة فنان مصري من مقتنياته الخاصة، واشتممت من مبادرته تلك بأنه أراد تحية الفنانين زملائه ومنحهم حقهم من التقدير الذي غاب عن غالبيتهم، وأنه في نفس الوقت يعقد عليهم الأمل في المساهمة لإصلاح أحوال مصر.

وفي العام التالي (2008) أصدر الجزء الرابع من الكتيب الذي واظب الفنان داوستاشي على إصداره في 25 مايو/آيار من كل عام، وجاء هذه المرة في شكل كتيب من ورق اللحمة الخشن، وكتب الفنان علي غلافه يقول: "يصدر الكتيب الرابع للعام 2008 في ذكري تاريخ تعديل المادة 76 من الدستور في 25 مايو، بدون طباعة وبأسلوب يدوي بحت وعلى ورق لحمة رخيص.. طبعا بدون لحمة وبدون رغيف العيش.. عاكسا الحالة الاقتصادية المريرة والغلاء الفاحش وارتفاع الأسعار في كل شيء ..".

وقد وزع الفنان خمسمائة نسخة مجانية من الكتيب، وأشار إلى أن "النسخ صنعت يدويا وغير موقعة هذه المرة" مما جعلني تحت الانطباع أن إحجام الفنان عن التوقيع بمثل ما اعتاده من قبل هو بمثابة احتجاج، أو إشارة إلى دخوله مرحلة عدم اكتراث وعدم تيقن من المستقبل.

عصمت داوستاشي بين لوحاته

وفي الذكرى السنوية التالية في 25 مايو/آيار 2009 ، خرج الفنان علينا بشكل جديد، فلم يصدر كتيبه في نسخ ورقية، وإنما أصدر كتيبه من صفحة واحدة منشورة على شبكة المعلومات الدولية وبثها لمعارفه وأصدقائه بالبريد الالكتروني، فساير بذلك تقنيات عصر المعلومات في العالم الافتراضي، وقد عبر الفنان بأسلوبه السلس المفعم بروح الدعابة والسخرية عن فقدان الأمل، متهكما بأن الولايات المتحدة أصبحت تتحكم في كل شيء في العالم، فيقول في رسالته الإلكترونية: "بعد أن أصبح الهواء مش هوانا.. واستولي عليه أوباما.. قررت إصدار الكتاب الخامس من معرضي الافتراضي (معرض× كتاب) في الهواء.. أي هو الآن معاك.. وصلك.. ولا داعي للورق والأحبار.. وكنت خلال السنوات الأربع الماضية أطلب منك أن تشاركني بأن تكتب أو تلصق صور أو ترسم في الصفحات التي اتركها لك (فاضيه).. الآن أطلب منك أن تشاركني بأن تصرخ في الهواء اللي أصبح مش هوانا، وتقول اللي أنت عايزه.. ولا يهمك أي شيء.. ولن يحاسبك أحد.. فلا أحد مشغول بك.. أو مهتم بأمرك.. والهواء أصبح مباح ومتاح لمن هب ودب في أرجاء الدنيا. إن معرض في كتاب الذي أصدره للعام الخامس في ذكرى تاريخ المادة 76 من الدستور في مايو 2005 والتي أطاحت بآمالنا في أي ديمقراطية حقيقية, أوزعه مجانا ليشاركني فيه المتلقي كعمل فني تواصلي في شكل إبداعي جديد ينتمي إلى ما بعد.. بعد.. بعد.. الحداثة، والآن لا أدري ماذا سيكون شكل الكتاب في العام القادم.. ربنا يستر .. قد يكون قطعة من الجحيم .. إذا استمرت الأمور هكذا.. وهي عادة ما تستمر .. ولكن من المؤكد إن كان لنا عمر.. فإن (معرض× كتاب) العام القادم سيكوم مفاجأة مذهلة.. وسأرسله لكم عبر البريد الالكتروني إن شاء الله. أما هذا العام فافتح يديك في الهواء وأمسك به فقد أرسلته لك واصرخ بكل أوجاعك وآلامك وأحلامك المحبطة في وطنك الحبيب، لتملأ صفحاته الهوائية التي تركتها لك مفتوحة".

إن حديث الفنان في كتابه الإلكتروني لا يحتاج إلى تعليق أو إضافة، لأنه تعبير حقيقي وصادق لما انتاب المصريون من شعور بالإحباط والعجز عن إحداث تغيير في ظل ظروف القهر والقمع، ويمكنك استشفاف ذلك إذا أعدت قراءة ما قاله الفنان بتمعن لكل كلمة وعبارة وردت على لسانه.

ولما جاءت الذكرى الخامسة في مايو/آيار 2010 كانت معنويات الفنان قد انحدرت إلى أدنى مستوياتها، حيث تلاشت أو قل انعدمت، فرص الخروج من الدائرة الجهنمية التي حاكها النظام المستبد، الذي ظل سادرا في غيه غير عابئ بالجماهير، وبسبب هذا الإحباط الشديد الذي انتاب داوستاشي - وبالتأكيد كان هو نفس شعور غالبية المصريين - فقد قرر الفنان أن تكون طبعة كتيبه لعام 2010، طبعة فلسفية من العدم (لا طباعة ولا نت ولا شيء) فقد أصدرها في العدم، على حد قوله.

وأخيرا حدثت المعجزة.. بحلول يناير/كانون الثاني 2011 مع بزوغ ثورة الشباب التي حركت جماهير الشعب بطوائفه المختلفة والمتعددة فسطع نور جديد، أزاح رموزا للفساد, والانتهازية, ودبت الحياة في عروق كادت أن تجف، واستعاد الفنان العجوز الثائر داوستاشي حماسه، وتفاعل مع الأحداث ووقف داعما لابنه الفنان الشاب عبدالله الذي أصيب مرتين في التظاهرات السلمية، الأولى في جمعة الغضب في بداية الثورة بالرصاص المطاطي، والثانية يوم 4 مارس/آذار أمام مبنى جهاز أمن الدولة بالإسكندرية بالرصاص الحي في صدره لقتله بواسطة قناص، ولكن لستر لله فقد تعافى الابن من الإصابة وتماثل للشفاء، وقد قرر داوستاشي بهذه المناسبة إصدار كتيبه الأخير مؤرخا 25 يناير 2011 من سلسلة كتيباته بعنوان "ثورة يناير – مستمرة" وإهداءه إلى ابنه الشاب المناضل، وقد ضمّن الكتيب هذه المرة رسوما أنجزها تعبيرا عن الحدث حوت رموزا لشهداء الثورة وتقدير الجماهير لهم والوفاء لذكراهم، وقد طبع كتيبه هذه المرة علي ورق أخضر اللون، رمزا للنماء، ولوادي مصر الخصيب الذي نعيش فيه، وللمستقبل الذي ننشده.

داوستاشي مع الفنان الليبي فتحي العريبي في مقهى شعبي بالإسكندرية

وكتب الفنان داوستاشي على غلاف هذا الإصدار يقول "سبق أن أصدرت العدد الأول في 2005 بصفحات سوداء تعبر عن المستقبل الأسود المقبل عليه الشعب المصري. وواصلت إصدار الأعداد التالية حتى العام الماضي 2010 حيث كان الإصدار (للعدم) يأسا مما وصل بنا الحال في مصر.. وتأتي ثورة الشعب المصري وشبابه في 25 يناير 2011 لتحطم حاجز الخوف من السلطة الطاغية المستبدة، ومن عصابة المافيا التي سرقت مصر عقودا من الزمن الحزين.. ونصبح على أعتاب جمهورية جديدة.. ويأتي (معرض× كتاب) اليوم لتوثيق الثورة على ورق أخضر ويضم لوحاتي التي رسمتها خلال الأيام الأولى لمعجزة الشعب المصري وشبابه في ثورته المستمرة والتي يريد الفاسدون افتراسها والاستحواذ عليها من جديد.. اليقظة.. اليقظة.. اليقظة".

هكذا جاءت سلسلة الإصدارات التي نشرها الفنان داوستاشي بدءا من 2005 وحتى 2011، وهي تعد في مجموعها عملا فنيا حداثيا متكامل استغرق ست سنوات، يشهد بأن الفنان المخلص لا ينفصل عن مجتمعه، يحرص على التعبير عما بداخله من أفكار وأحاسيس وينقلها لجمهور المتلقين بالوسائط المعاصرة، فتلك أصبحت سمة من سمات زمننا المعاصر الذي لم يعد أسير الوسائط التقليدية، ويتعصب لها، بل أصبحت الأجيال الجديدة منفتحة على الوسائط المستحدثة والوسائط التقليدية على حد سواء.

تحية تقدير للفنان المخضرم الثائر الذي يناهز الثمانية والستين عاما من العمر، ولا يزال يمتلك شجاعة تعبير يحسده عليها الكثير من الشباب.

السفير يسري القويضي (القاهرة) 21 مارس 2011