السعودية نحو السلفية درّ!

بقلم: محمد الصادق

لم يكد ينهي الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز خطابه الأخير حتى حلت الفرحة والحبور على السلفية الرسمية بجميع أقطابها، فيما عُدّ انتصاراً ساحقاً ماحقاً لهم، في حين قد خيم صمت القبور على التيار الليبرالي الذي أصُيب باليتم والتفجع نتيجةً لهول صدمة خلو الأوامر الملكية من أي لفتة إصلاحية من تلك التي كان التيار يترقب سماعها ويثابر في العقد الأخير من أجل إقرارها، إلا إذا اعتبر إن مجرد إنشاء "هيئة محاربة الفساد" فتحٌ مُبين، والتي حتى الساعة لا احد يعلم آلية عملها، أو هيكلها التنظيمي، ولا حتى موقعها في السلطة.

بل على العكس أتت القرارات الأخيرة في مصلحة العدو اللدود لليبراليين، أتت لتعزز دور المؤسسة العسكرية والمؤسسة الدينية على حساب بقية التيارات المدنية، وكأنه إقرار بأن الفضل يعود لهؤلاء في إفشال المظاهرات التي دعي لها في 11 مارس والتي عُرفت بـ"ثورة حنين" وبالتالي تثبيت معادلة قطبي الشرعية السياسية القديمة، وتثمين دورهما في حماية النظام في خطوة تنحاز لأول مرة صراحة للسلفية دون مواربة، يكفي قرار عدم المساس أو التعرض لمفتي المملكة وأعضاء هيئة كبار العلماء بأي نقد في وسائل الأعلام لكي يفهم الجميع الرسالة جيداً، ويعوا بأن فسحة الحرية الصغيرة التي أُعطيت منذ أحداث 11 سبتمبر ولم تُستثمر بشكل مناسب حيث بقيت تراوح مكانها بين عمل المرأة وقيادتها للسيارة ومشاغبة التيار الديني قد شارفت على الانتهاء، وإن الغضبة الأميركية حول الأصولية السعودية قد تلاشت، ولم يعد أحد في السعودية يلتفت للرأي للأميركي، أو ملزم بتقديم تنازلت تضر بمصالح حلفاءه ومؤسساتهم.

إذاً سُحبت "المؤسسة الدينية الرسمية" من التداول الإعلامي، في محاولة لاستعادة هيبتها التي هشمتها الأقلام الليبرالية طيلة العشر السنوات الماضية، إذ حتى المؤسسات التي كثر فيها، وحولها، اللغط كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ وتعليم القرآن الكريم، فقد تم تعزيز كلاً منها بمبلغ 200 مليون ريال.

يبدو أننا أمام ردة عن المشروع الإصلاحي الموعود، في خشية واضحة من القادم المجهول، ويبدو أننا مقبلين على عهد سلفي خالص بامتياز، قادر على الوقوف في وجهه عاصفة التغيير التي تهب على العالم العربي من أقصاه إلى أدناه، عبر فتاوى تحريم الخروج للشوارع للاعتراض والتظاهر ضد الحكام أو من خلال تحليل تهشيم جماجم المعتصمين، وهو عازم أيضاً على خوض حرب طائفية طاحنة ضد ما يسمى "التشيع السياسي" المتمثل في القوة الإيرانية المتعاظمة والأخذة في التمدد، فالتحرك السلفي كان جلياً في التحريض على "ثورة شباب البحرين" ووصمها "بالطائفية الإيرانية"، وليس مستغرباً في الأيام القادمة رؤية الإخطبوط السلفي يمد يده خارج حدوده الجغرافية ليعاود العراك الدعوي ضد الأخر تماماً كما حدث في بداية الثمانيات الميلادية.

في مقابل ذلك بقي الصوت الليبرالي خافتاً ومتردداً، يميل بشكل أو بأخر للايدولوجيا الليبرالية التي ظل يُنظر لها، متجاهلاً الاصطفاف القوي الذي تقوم به السلفية بكل خفة ورشاقة، وللضربة الإستباقية (الأمنية – السلفية) التي جرت في الأسابيع الماضية، بل على العكس، ذهب بعض الشخوص الليبرالية للمشاركة في بيان المطالبة بالمملكة الدستورية والذي يقال بأنه أثار حفيظة الحكومة نسبةً لتوقيته الحرج وارتفاع سقف مطالبه، لم يفطن الليبراليون بأن المرحلة قد فرضت على الجميع خيارات عسيرة ليس من بينها الوقوف في منطقة رمادية كالعادة بين الواقع والمأمول.

ستنقشع الغمامة عن الساحة السعودية قريباً، وستتضح ملامح خارطة التحالفات الداخلية التي تم صياغتها أخيراً، وسيبصر السعوديون حجم الزلزال السياسي الذي حدث للتو، وسيتلمسون أثاره في حياتهم اليومية، وسيبدأ التيار السلفي هجومه على المواقع التي خسرها، أو تلك التي كسبها التيار الليبرالي في العقد المنفرط، وسينطلق الأصوليون زحفاً لتطهير المملكة من مظاهر الحداثة زنقة زنقة ودار دار وفرد فرد.

محمد الصادق