دور الإعلام العراقي في ظل غياب القوانين المساندة

بقلم: إسراء كاظم طعمة

مع اتساع وتطور دور الإعلام في العالم أجمع، وبيان حقيقة تأثيره الفعال في المشاركة بصناعة القرارات وتشكيل وبلورة الرأي العام، وبعد ما فرضته وسائل إعلامية من مقدرة في تكوين وتطوير رأي الجمهور تجاه قضاياه المصيرية، تتبادر الى الإذهان مع كل هذه التطورات تساؤلات عن ماهية وجدلية دور وسائل الاعلام المحلية العربية ومدى التزامها بمسؤولياتها الإجتماعية تجاه القضايا الملحة، ومنها ما يخص كشف ملفات الفساد السياسي والمالي والأداري بعد استشرائه في مختلف مفاصل الدولة وخاصة في الواقع العراقي حيث كشفت الحقائق المتتالية عن استغلال النفوذ الحزبي والسياسي والطائفي والقومي والهيمنة الحزبية والطائفية واللعب بمقدرات مؤسسات الدولة.

وانطلاقاً من مبدأ المسؤولية الاجتماعية والوطنية للاعلام سأتناول هنا واقع معركة الاعلام العراقي في مواجهة وكشف ملفات الفساد، وما هو دور السلطات التشريعية والتنفيذية في حماية وتأمين وتفعيل هذا الدور الحيوي والبناء في المجتمعات الحديثة.

واقع العمل الاعلامي العراقي قبيل وبعد الاحتلال الأميركي

جاءت عقب الاحتلال الأميركي للعراق مطلع الـ2003 جملة من المتغييرات في الواقع العراقي في شتى المجالات، وفي حيز الاعلام، فبعد ان كان وسائل الاعلام (المرئي والمسموع والمكتوب) حكراً على أجهزة الدولة وتحت سيطرة ورقابة وزارة الاعلام، انطلقت بعد الـ2003 يد جهات مختلفة، تمثل اغلبيتها قطاعات خاصة، في اصدار عشرات الصحف والمجلات والقنوات الفضائية، اذ لم يكن مسموحاً للمشاهد العراقي نصب الأطباق اللاقطة قبل ذلك، وتمكنت ايضاً تلك الجهات من التخلص من الخضوع لأية جهة رقابية، كما وفرض هذا الواقع بكل تحدياته جغرافية اعلامية واسعة بات عليها تحمل مسؤوليتها إزاء المجتمع اذ ان غايات الاعلام متعددة فقبل المعرفة والترفيه تقف في بداية مهام الاعلام المسؤولية الاجتماعية والوطنية لمواجهة ومحاربة الفساد بشتى صنوفه خاصة في واقع كالواقع العراقي، حيث لا يزال العراق يخطو تجاه الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي.

وبناءً على قرار الادارة المدنية الاميركية فقد تم حل وزارة الاعلام العراقية عقب الاحتلال في الـ2003.

وكانت الوزارة تضم دوائر عدة منها (وكالة الانباء العراقية وخمس صحف رسمية هي "الثورة، الجمهورية، العراق، القادسية، ايراك ديلي"، ومراكز ابحاث ومجلة "الف باء" ودوائر فرعية عديدة مثل دار الحرية للطباعة ودار الثورة للصحافة).

ولم تشهد الصحافة العراقية معرفة نمط الصحافة الاستقصائية كنوع صحفي يعتمد عليه في كشف ملفات الفساد اذ ان مهام وأولويات العمل الاعلامي بصورة عامة كانت تعد مسبقاً من قبل جهات عليا.

وجاء في الأمر رقم 65 لسلطة الائتلاف المؤقتة خلال تشكيل الهيئة العراقية للاتصالات والاعلام في آذار/مارس 2004، والتي انبثق عنها بعد ذلك شبكة الاعلام العراقي، فيما يخص دور الاعلام التالي: تعزيز وحماية حرية الإعلام، ومساعدة أجهزة الإعلام في العراق على تطوير وتقوية الممارسات المهنية في مجال العمل والحفاظ على تلك الممارسات التي تعمل على تقوية دور "كلب الحراسة" الذي تقوم به أجهزة الإعلام لرعاية المصلحة العامة.

ولشبكة الاعلام العراقي مؤسسات تتمثل بـ(تلفزيون العراقية والاطياف واذاعة جمهورية العراق والقرآن الكريم وجريدة الصباح ومجلة الشبكة).

وكل هذه المؤسسات معنية بنشاط وانجازات الحكومة ولاتختلف كثيراً عما كانت تقدمه وسائل الاعلام العراقية قبل الـ2003.

اما بقية وسائل الاعلام الاخرى فهي موزعة بين منتمية لاحزاب سياسية ودينية ورجال اعمال ومثقفين.

البيئة التشريعية والقانونية

اتسمت البيئة التشريعية العراقية في حيز الاعلام بخصوبتها لكثرة ماتضمنته من بنود دستورية كفلت حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر والتعبير عن الرأي، ولكن قوبلت تلك الخصوبة بجدب كبير في البيئة القانونية، وقد عمل الصحفييون بعد الـ 2003 في ظل غياب بيئة وغطاء قانوني يؤمن لهم التحرك بحرية لاداء عملهم.

وبعد البحث في ملفات مشاريع القوانين والمقترحات المقدمة الى مجلس النواب العراقي منذ 2005 وحتى وقتنا هذا، فأنه يوجد 79 مشروعاً لقانون ومقترحاً لم يكن من بينها ما يخص ( قانون حماية الصحفيين او قانون الحق في الحصول على المعلومات)، ولم تقدم مسودة قانون حماية الصحفيين للمجلس، تلك المسودة التي تراوح مكانها منذ وقت طويل مابين تعديل وتغيير في بنودها، من غير تحديد موعد ثابت لتقديمها من اجل قراءتها واقرارها، والحال نفسه مع قانون الحق في الحصول على المعلومات.

وهنا يبرز دور مجلس النواب في تسريع المعالجة اذ انه ووفق للمادة (60) الفقرة (2) في الدستور العراقي يتيح لعشرة نواب اقتراح قوانين وهكذا يمكن استخدام أدوات الدستور في تحقيق الحماية الخاصة بالصحفيين.

معارك الاعلام اليومية في وجه الفساد

حال الاعلام في مواجهة وكشف ملفات الفساد لايختلف نتيجة سواءاً في مناطق الحكومة المركزية أو في مناطق حكومة أقليم كردستان "الذي يتمتع بشكل نسبي باستقرار أمني".

وعبر قراءة لعدد من الاحداث المعنية توصلت الى جملة من التساؤلات المتعلقة بـ(الكيفية التي تعاملت وعالجت بها السلطات التنفيذية والقضائية لمشكلات كشف وسائل الاعلام "الصحف والفضائيات" لملفات الفساد، وماهية العلاقة بين الاحزاب المتنفذة واصحاب المناصب العليا من جهة والقضاء من جهة أخرى، ومدى نزاهة وحيادية واستقلال القضاء في النظر والبت في القضايا المطروحة، والكيفية التي تتم بها معالجة تلك القضايا، ومدى نزاهة بعض المؤسسات الاعلامية نفسها في الكيفية التي تناولها بها ملفات الفساد).

وعلى سبيل الحصر، إقامة وزارة الشباب والرياضة العراقية دعوى قضائية ضد احدى الصحف العراقية ومطالبتها بدفع تعوض قدره مليار دينار إثر نشرها لتقرير صحفي كشف فساد مالي وإداري.

وقد كشف تقرير لمرصد الحريات الصحفية العراقي في تقريراً له في 28 كانون الأول/ديسمبر2010 الى تضاعف الدعاوى القضائية المرفوعة ضد وسائل الإعلام مشيرة الى اصدار المحكمة الابتدائية في أربيل قراراً يقضي بالحكم على مجلة "ريغا" بدفع غرامة قدرها 35 مليون دينار عراقي (22.660 يورو) وذلك على خلفية نشر تقرير عن اغتيال ساردشت عثمان أشارت فيه ريغا إلى ضلوع القوى الأمنية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني في اغتيال الصحافي.

وقد اعتبر رئيس تحرير "ريغا" وصاحبها سوران عمر إن هذه الغرامة باهظة وإنه عمل ثأري أكثر منه حكم عادل ومنصف.

وقد رفعت دعوى قضائية ضد الصحيفة ليس على أساس قانون الصحافة المعمول به في كردستان والذي ينص على غرامة قصوى تبلغ 17 مليون دينار، وإنما على أساس الأحكام الواردة في القانون المدني العراقي".

وكان ذلك القرار أفدح غرامة من نوعها ضد صحيفة في كردستان.وفي حادثة اخرى في 13 كانون الأول/ديسمبر 2010، أصدرت المحكمة الابتدائية في أربيل قراراً يقضي بالحكم على صحيفة ستاندرد التي رفع وزير الزراعة ضدها دعوى قضائية بتسديد ستة ملايين دينار عراقي (3900 يورو).

وقد أفاد صاحب هذه الصحيفة ورئيس تحريرها مسعود عبد الخالق بأن هذه الإدانة تقلقه من حيث غياب استقلالية القضاء في حكومة إقليم كردستان.

وهنا نشير الى ان المسؤولين في الدولة العراقية يقدمون تصريحات لوسائل اعلام اجنبية عن الفساد والتزوير في الوقت الذي يرفضون فيه تقديمها للإعلام المحلي ويتجنبون المقابلات او مساعدة الصحفيين فيما يتعلق باستفساراتهم، وفق تصريح لاحد المختصين.

ومن وجه آخر فقد جاءت الحرية في انتشار وسائل الاعلام بعد الـ2003 بناحية سلبية مفادها ظهور صحف وقنوات فضائية تروج لافكارها ومنافعها الشخصية بعيدة عن المصلحة الوطنية، واعتمدت، حسب مختصين، الى ابتزاز مسؤولين وسياسيين وتهديدهم بنشر روايات تتسبب في الاساءة الى سمعتهم اذا لم يدفعوا رشى وقائية لهذه الجهة او تلك.

وهنا يجب التركيز على خلق بيئة إعلامية مهنية ومسؤولة كي لاتختلط المعلومات بالوثائق والإشاعات والرأي ويجب تخصيص ورش للصحافة الاستقصائية لما لها من دور مؤثر في كشف قضايا الفساد.

كما يجب التعاون وبشكل اكبر من قبل هيئة النزاهة مع الصحافيين والإعلاميين في متابعة قضايا الفساد والمعلومات حولها.

وتطوير القابليات الإعلامية عبر ورش العمل والايفادات والدورات التثقيفية واقتراح عيادة قانونية لدعم الصحافة الاستقصائية، اشاعة تكنولوجيا المعلومات ودعم وجود الحكومة الالكترونية.

مع الإشارة الى ان مختلف التقارير العراقية والدولية اتفقت على حقائق مفادها ان الواقع الصحفي في العراق يعاني الكثير وحتى في حالات تتعلق بممارسة العمل الصحفي الطبيعي، اذن كيف يكون هذا الواقع في حال الدخول في معركة مواجهة وكشف لملفات الفساد التي ربما يدفع الصحفيون الثمن فيها فادحاً.

مهام الاعلام وعلاقته بمؤسسات الدولة

أطلق العراق الاستراتيجة الوطنية لمكافحة الفساد للسنوات (2010-2014) والتي أكدت نظرية الدفاع الاجتماعي ـ ومرتكزها الأمن والإعلام ـ أنه على رجل الاعلام أن يدمج هذه السياسة في خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية باعتبار أن سياسية منع الجريمة هي أحد اتجاهات السياسة الاجتماعية، والتوصية الأساسية تكمن في أبتاع أسلوب منهجي في مجال التخطيط الإعلامي لمنع جرية الفساد مما يؤدي الى دمج سياسات المنع هذه في التخطيط الانمائي الوطني.

ويشتمل هذا الاسلوب بشكل أساسي على اقامة وشائج ملائمة بين الامن ونظام العدالة الجزائية والمجالات الانمائية الاخرى مثل الثقافة والتعليم والعمل والمجالات الاخرى ذات الصلة، ويترجم هذا الاسلوب القيم الانسانية والبنية الحضارية في كافة تشعباتها وتعقدياتها كما يعالج مسائل الاضطراب والظلم واللاإنتماء الوطني.

ويرتبط نجاح الجهد الاقناعي لاجهزة الاعلام في مجال مكافحة الفساد بالكثير من المتطلبات منها تسليط الضوء الاعلامي على دور الاجهزة الرقابية في ضبط أعمال الفساد والتصدي لها، وعرض آراء قادة الرأي والنخبة في المجتمع في أجهزة الاعلام توخياً لتعزيز المصداقية وعمق التأثير في الجمهور، وضرورة وجود نظام سياسي يرتكز على قاعدة "القانون فوق الجميع ولااستثناء لجرائم المسؤولين والعدالة الاجتماعية للجميع".

وتكمن العلاقة بين الاعلام ومؤسسات الدولة المختلفة لمواجهة ومكافحة الفساد هي علاقة تبادلية قائمة على الدعم الإعلامي للجهات الرقابية مثل (هيئة النزاهة والمحاكم وديوان الرقابة المالية وهيئات المفتشين العامين وتسليط الضوء على شكوى هيئة النزاهة وغيرها من الجهات الرقابية من تدخل السلطة التنفيذية والأحزاب المتنفذة في سياقات الإجراءات الرادعة للفساد) وقد شكت هيئة النزاهة العراقية من القيود الدستورية التي تمنع التحقيق مع الموظفين المشتبه بهم وإحالتهم الى القضاء الا بموافقة الوزير المختص كما تمنع اعتقال الوزير طالما انه لا يزال في الخدمة.

وهنا يبرز دور الإعلام اذ ان عليه تسليط الضوء على لوائح السلوك الوظيفي النزيه الأمر الذي يحفز الموظفين الحكوميين على الأداء بكفاءة عالية.

مع ضرورة التركيز على تقديم الدعم الإعلامي للمحاكم المسؤولة عن حملة مكافحة الفساد خاصة ان هناك تأخيرا في حسم القضايا المحالة إليها وكشف الابتزاز والتهديدات من البطانات الفاسدة لتلك المحاكم وخاصة في المحافظات، وقد نشرت الصحافة نداءات لكثير من القضاة من اجل حماية حياتهم وعائلاتهم.

كما انه من المهم ان تقوم القنوات الإعلامية بكشف وقائع الفساد وأبطاله كي تساعد على تبشيع وفضح جرائم النهب للمال العام والتهريب والتزوير.

وعلى الإعلام العمل على حماية الأبرياء والنزهاء من التشهير، وتوجيه البحث نحو الرقابة والنزاهة والعدالة، واقتراح القوانين اللازمة وشحذ الرقابة الشعبية على المخالفات.

اسراء كاظم طعمة: باحثة اكاديمية واعلامية عراقية

http://bysarahaonline.blogspot.com/

Isra_kathem@yahoo.com