التشابه بين ليبيا وسوريا وإيران يغري واشنطن بالمغامرة في ليبيا

بقلم: سمير عبيد

يَتعرض العالم بشكل عام، والعالم العربي والإسلامي بشكل خاص الى خداع بصري وسمعي تقوم به وسائل الإعلام الغربية، والعربية الممولة من الغرب وأميركا، ومنذ حرب الخليج الثانية حتى يومنا هذا، فأصبحت هذه الوسائل من أخطر أدوات الغزو الثقافي والسايكلوجي التي مهدت وتمهد الى الأستعمار الجديد، أو من أشد أدوات الحملات "الصليبية" الجديدة على الأمة العربية والإسلامية.

فالكاتب ليس من المتطرفين، ولا من الإسلاميين المتشددين، بل هو مسلم معتدل، ولكنه يؤشر الى الأمور من منطلق مهني محايد، وهو يحارب هؤلاء الذين يقمعون أفكار الآخرين بتهمة "نظرية المؤامرة".

فالعالم العربي والإسلامي وتحديدا في العصر الحديث هو في داخل مؤامرة الدول الغربية، ومنذ خمسينيات القرن الماضي، ومن ثم دخلت على خط المؤامرة الولايات المتحدة الأميركية، لذا فليسقط سلاح هنري كيسنجر القمعي "نظرية المؤامرة" والذي يُستعمل ضد الحناجر والأقلام العربية والإسلامية التي أنتبهت الى المخططات الأميركية ضد العرب والمسلمين وباشرت بتسليط الأضواء عليها وفضحها.

العراق وليبيا مسلسلان متشابهان!

لقد تعرض العراق وشعبه الى أبشع أنواع الخداع والحيل والأكاذيب المفبركة التي قامت بها الولايات المتحدة وبدعم من الأوربيين، ومن خلال وسائل الإعلام التي حولت كل شيء الى جحيم في العراق وسوف يصل الى العالم فيحرقه، وراح العالم فصدق الحكاية، لا بل اشتركت بها بعض الأنظمة العربية والإسلامية، مثلما يحصل اليوم ضد ليبيا وبحجة حماية الشعب الليبي.

فيا لها من سيمفونية تبشر بالموت على أنغام الحنان والدموع الزائفة على الشعب الليبي، فلقد تعرض العراق الى أبشع أنواع الاستنزاف والنصب والاحتيال السياسي والدبلوماسي والأخلاقي ولسنوات طويلة ومن خلال المنظمات الدولية الكبرى التي سخرت نفسها ولا زالت لخدمة المشاريع الأميركية والغربية، فتعرض الشعب العراقي الى عمليات التجويع والإذلال، وتقييد الحركة من خلال الحظر الجوي، والحصار الظالم الذي قتل مليون ونصف المليون انسان عراقي جلهم من الأطفال.

وبعد إنهاك الشعب العراقي، وتحويل الترسانة العسكرية الى هياكل غير نافعة، مع عزف نفسي خاص بشخصية الرئيس صدام انتقلوا بعدها الى الحرب القذرة "الاستعمار الجديد" التي بنيت على مسلسل من الأكاذيب التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير شخصا، ووزير الخارجية الأميركي كولن باول.

وعندما أوهموا العالم وخدعوه "بصرياً وسمعياً" بأن في العراق أسلحة دمار فتاكة وسوف تبيد سكان العاصمة لندن بغضون 45 دقيقة، علماً أن الرئيس صدام حسين كان قبل هذه الأكاذيب مقرباً للغرب ولواشنطن، وحصل على دعم عسكري ومعنوي وسياسي قبل وأثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية، حتى أنهم دعموه ضد الشعب العراقي، وعندما أغمضت عينها واشنطن والدول الغربية عن الانتهاكات التي قام بها نظام صدام ضد الشعب العراقي، وضد رفاقه في الحزب، فراحت فقدمت تسجيلاتها وصورها عن تلك الانتهاكات عندما قررت الغزو اللاأخلاقي، وجعلته دليلاً ضده، فشيطنت الرئيس صدام بنظر الغرب والشارع الأميركي، وجعلته "هتلر العصر" لا بل سوف يقود الجيوش ليمحو بريطانيا والغرب وأميركا.

فتجيش العالم ضد العراق وبدعم من اللوبي الصهيوني المهيمن على مصدر القرار في الولايات المتحدة، وكانت الغاية من الغزو هي" الهيمنة على النفط والثروات في العراق، والسيطرة على موقع العراق الإستراتيجي، والثأر من العراق والعراقيين من قبل إسرائيل والحاخامات المتشددين الذين يقودون المخطط التلمودي، وضرب المشروع العربي والقومي في الصميم لأن العراق يشكل قلب الأمة العربية النابض بعد أن أصبحت مصر تعيش على المساعدات الأميركية مقابل السلام مع إسرائيل، وأهداف أخرى لسنا بصددها الآن"، ولا ننسى كلمة الرئيس صدام وأثناء أول ساعات الغزو عندما قال "لقد مكر الماكرون، وخدعونا الأميركان".

واليوم يتعرض العالم الى نفس المسلسل الخادع، ولكن بنسخة جديدة وبطل جديد، مسلل جديد مبني على الخداع البصري والسمعي، ومن خلال الحيل الإعلامية المضخمة لشيطنة الزعيم الليبي "معمر القذافي" وهو الذي أصبح من أشد المقربين للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص، عندما قبل تعويض ضحايا طائرة "لوكربي" وقبل تفكيك برنامجه النووي وتسليمه لواشنطن، والاشتراك معهم بمحاربة الإرهاب ومنع الهجرة السرية لأوربا..الخ.

فلقد مارسوا ولا زالوا يمارسون نفس الحيل والأكاذيب التي مورست ضد العراق والرئيس صدام، علماً لم يكن في يوم من الأيام هناك رأفة أميركية أو غربية على الشعب العراقي أو الشعب الليبي، ولكن اللهفة هي من أجل الهيمنة على ثروات العراق وليبيا والتحكم في المنطقة والعالم وتحديداً الدول والشعوب الفقيرة، فهناك عطش أميركي وغربي للبترول العراقي والليبي والإيراني والجزائري وغيره، ولكن الطريق الى البترول أصبح من خلال جماجم الشعب العراقي والليبي.

فإن كانت لديهم رأفة على الشعب العراقي، فلماذا مارست وتمارس واشنطن والحكومات التي نصبتها في بغداد وللسنة التاسعة أبشع أنواع التزوير والإنتهاكات والقمع والإذلال والإستعباد والتجويع والتجهيل ضد العراقيين؟، ولماذا لا تذهب رأفتهم الى الشعب الصومالي مثلا؟

ولكن الهدف هو البترول، وأن الصومال غير مشمولة بهذه الرأفة الكاذبة لأنها لا تحتوي على البترول، ولهذا بدأوا بتضخيم عدد الضحايا الليبيين، ومن خلال التلاعب بالصور واستخدام التكنولوجيا الحديثة، وتسليط بعض الفضائيات المموله من واشنطن وإسرائيل لتلعب دوراً في رسم صورة القذافي على أنه "مصاص الدماء".

صحيح أن الرئيس صدام كان ديكتاتوراً، وقام بعمليات بشعة ضد شعبه، وأهدر خزائن الدولة على الحروب والمغامرات، ولكن كان بدعم الغرب وواشنطن التي راحت فمسكت منديلاً لتبكي على ضحايا الشيعة والأكراد، وها هي تحتل العراق للسنة التاسعة على التوالي بعد أن قالت نحن قادمون لمساعدة العراقيين فقط.

واليوم تعزف واشنطن والغرب على نفس النغمة بأنهم ذاهبون لمساعدة الشعب الليبي وحمايته من بطش القذافي، فأين كانوا من بطش صدام حسين وبطش القذافي طيلة عقود من حكمهما بالحديد والنار؟ ولماذا سكتوا ويسكتون عن بطش الرئيس صالح في اليمن؟ وبطش وانتهاكات الأنظمة العربية الأخرى التي تقمع حتى الصحفيين والكتاب والأطفال والنساء؟ لماذا الكيل بمكيالين؟ ولماذا تهرع الجامعة العربية وبعض الدول العربية لتساند الغزو الجديد ضد ليبيا وبنفس الحيل التي هرعوا بها لمساندة واشنطن ضد العراق؟

فهل القذافي "جنّي" وبعيد ومحصن ولن تتمكن من الوصول اليه واشنطن وباريس والغرب والناتو لكي تخلص الليبين منه؟ أم أن وجود القذافي ضرورة ذهبية لكي يستخدم كشيطان ومصاص دماء ومن خلال إعلامهم المفبرك ليمهد لهم الدخول وأحتلال ليبيا والهيمنة على ثرواتها؟ ولماذا تأخرت واشنطن والغرب أصلاً وعندما ذهبوا لتسويف الوقت والتفرج على ما يحصل من مآساة أن كانت هناك فعلاً مآساة حاصلة ومثلما صورها الغرب وواشنطن!...لماذا ترك القذافي لأسابيع وهو يحصد بالأرواح؟ وهل الأرواح الليبية أغلى بنظر واشنطن والغرب من الأرواح البحرينية واليمنية؟ أم أن السر ما تحت أقدام الليبيين من ذهب أسود؟

وما هذا التزامن ليطلق الزعيم القذافي نفس مقوله صدام حسين قبل أكثر من أسبوع، وعندما قال "لقد خدعنا الأميركان" أين السر في هذا؟ ولماذا يتم غزو ليبيا في ذكرى غزو العراق؟ ولماذا يتكرر الأئتلاف وبنفس الدعم العربي ضد ليبيا وبذكرى الغزو على العراق؟ هل هو أستخفاف بالعرب والعراقيين أم هو تأكيد على "الحرب الصليبية" التي قالها الرئيس بوش الابن؟ أما المفارقة الكبرى وهي الرقم (42) فالقذافي حكم ليبيا 42 عاماً بعد أنقلابه على الملكية في عام 1969، وأن مواليد القذافي هي 1942 في صحراء سيرت الليبية؟ فهل انتبه الزعيم الى هذا الرقم الذي ارتبط به شخصيا وإذا به يطوقه ويحاصره بالبارجات والطائرات والصواريخ العابرة للقارات؟ فهل سينتهي القذافي في اليوم 42 من عمر الثورة؟ سوف ننتظر ذلك.

لماذا قرر الغرب غزو ليبيا وباستماته فرنسية؟

لقد جاء موضوع ليبيا هدية من السماء الى فرنسا، ولهذا صار الإندفاع الفرنسي المحموم ومن قبل الرئيس الفرنسي ساركوزي شخصيا، فلقد استمات من أجل تكوين تحالف دولي ضد نظام القذافي يجيز له التدخل في ليبيا لكي يتهرب من المشاكل الداخلية والحزبية،ولكنه هناك أسباب أكثر أهمية وهي أن هناك شعوراً بالعار في فرنسا لفقدان وجودها وتاريخها وعلاقاتها في تونس بعد ثورة الياسمين، لذا جاءت ليبيا هدية من السماء مثلما أسلفنا لتعوض باريس خسارتها لتونس التي ذهبت لصالح الولايات المتحدة، وبنفس الوقت لتجد لها موطأ قدم قوي في ليبيا الغنية والمؤثرة على تونس الفقيرة، وكذلك جاءت القضية الليبية فرصة ذهبية للدول الأوربية الأخرى لتساند الرئيس ساركوزي لكي تتحرر من الإذلال الروسي والإيراني، والذي يمثله احتياجهم للنفط الروسي والإيراني، أي الهدف الأوربي هو الهيمنة على نفط وغاز ليبيا، ولهذا لعبت أوربا دوراً محورياً في منع الحرب والضربات ضد إيران، لأنها بحاجة للنفط الإيراني ولا يمكنها التخلي عنه، لذا وجدتها فرصة ذهبية لتندفع صوب ليبيا عسى تعيد لها كرامتها المهدورة أمام موسكو وطهران من خلال النفط الليبي، فالنفط والغاز الليبيين لا يشكلان أهمية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، لأن إنتاج ليبيا لا يمثل سوى 2 في المئة من إنتاج النفط العالمي، ولهذا لم نجد هناك تحمساً بالنسبة للأميركيين الطامحين بالوصول الى النفط الإيراني، وعلى العكس من الفرنسيين والغربيين الذين يريدون التدخل في ليبيا وبأي طريقة، والسبب حاجتهم الماسة للنفط والغاز الليبيين، فإن بلدانا مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا اعتمدت على ليبيا خلال عام 2010 بنسب 22 في المئة و16 في المئة و13 في المئة من إجمالي استهلاك النفط، وعلى التوالي.

وهي واردات لن تستبدل بسهولة على المدى القصير بالنظر إلى أن أوروبا تستورد أكثر من 85 في المئة من صادرات النفط الليبية، فإن 13 في المئة من غاز أيطاليا تأتي من ليبيا خلال العشرة أشهر الأولى من 2010، حسب وكالة الطاقة الدولية، وشركة "أو إم في" النمساوية، حيث يأتي 12 في المئة من إنتاجها النفطي من ليبيا، وأن ليبيا توفر أيضاً 23 في المئة من واردات النفط الإيرلندية، و21 في المئة من واردات النفط النمساوية، و11 في المئة من واردات النفط البرتغالية، وذلك حسب تقرير وكالة الطاقة الدولية لشهر يناير/كانون الثاني، فهناك اعتماد على شمال أفريقيا، وهي منطقة استثمرت فيها حكومات جنوب أوروبا أموالاً طائلة من أجل تقليص اعتمادها على الإمدادات النفطية من روسيا وإيران.

ويقول فرانسن من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي مقره في العاصمة الأميركية واشنطن "ليس ثمة أماكن كثيرة حيث يمكن للمرء الحصول على بديل مثالي للنفط الليبي"، وهو نفط ذو جودة عالية، مضيفاً أن "أوروبا تحاول قدر المستطاع تنويع مصادر الطاقة التي تستوردها، لكن الأماكن التي يمكن أن يستوردوا منها من أجل تحقيق التنويع هي أماكن لا يرغبون في اللجوء إليها" ويقصد روسيا وإيران، لهذا وجدوا ضالتهم في ليبيا وبحجة مساعدة الشعب الليبي، والحقيقة لا يهمهم الشعب الليبي المقهور منذ 42 عاما، بل الهدف هو الوصول الى الثروات الليبية والهيمنة عليها، ثم الشروع بمشاريع أخرى مثل التقسيم، ونشر النعرات الطائفية والقبلية، ودعم ثقافة أمراء الحرب..الخ.

الحظر الجوي الليبي تمهيد للحظر على سوريا!

فالحقيقة لن تفيد دمشق النداءات حول قبولها بعملية السلام مع إسرائيل هذه الأيام، فلقد قالها أكثر من مسؤول أميركي هذه الأيام "واشنطن واعية تماما ان موقف الاسد دقيق، لذلك نسمعه يطالب بالسلام مع اسرائيل، وهذه لازمة تعودنا عليها، لكن الولايات المتحدة لن تهب للنجدة هذه المرة" لهذا فأن الإشتراطات الأميركية على دمشق صعبة للغاية، وحتى لو نفذها الرئيس بشار الأسد فسوف تصبح سوريا كالعراق، أي سيتم أحتلالها بدون حرب، ويصبح حينها الرئيس الأسد مثل القذافي عندما فكك مشروعه النووي طوعا وسلمه لواشنطن، وفي آخر المطاف لن يشفع له، وها هي ليبيا تتعرض للغزو وربما التقسيم، لهذا فسوريا أمام مفترق طرق خطيرـ خصوصا وأنها قد دخلت في "حرب الإستنزاف الداخلية" لأن المظاهرات والأحتجاجات الجارية لن تهدأ وبنفس الوقت لن تتوقف بل ستتصاعد وسوف تشمل مناطق أخرى، وهناك من يدعمها ويؤججها، وربما ستسارع مناطق أخرى لوضع حدودها، أي لن تدخل في الأحتجاجات وبنفس الوقت تبدأ بقطع صلاتها مع النظام.

ومثلما فعل الزعيم الصومالي محمد عقال في الصومال وعندما أسس "جمهورية أرض الصومال"، وبالتالي فالإفراط في القمع سيؤدي الى إضافة ملف جديد ضد النظام السوري، خصوصاً وأن الوضع السوري خطير جداً من الناحية "الدينية، والطائفية، والإثنية، والعرقية" لهذا فأن مايحدث في ليبيا الآن من حظر جوي ودعم للثوار على الأرض هو "وصفة تجريبية ليتم تطبيقها في سوريا لاحقا" ولقد نبهنا عن هذا منذ أكثر من سنتين وأمام كبار المسؤولين السوريين، ولكنهم لا يختلفون عن المسؤولين العرب، فهم لا يقرأون ولا يتابعون ويحاربون التجديد ومواكبة التطورات العالمية.

فلقد تم اختيار ليبيا بشكل دقيق جداً لأنها تتشابه جغرافيا مع سوريا وإيران، فلو ألقيتم نظرة على الخرائط الثلاث فسوف تجدون تشابهاً بالمسرح الجغرافي والعملياتي، وأن ما يحدث ضد ليبيا الآن هو تمهيد للحرب الكبرى ضد إيران وأصدقائها في المنطقة، أو مايطلقون عليه تسمية "محور الشر".

فسوريا وللاسف الشديد جاهزة للتقسيم الطائفي والديني والعرقي والإثني، ولا ينقصها غير الحظر الجوي، ولقد تأخر النظام السوري كثيرا في عملية دمج هذه المناطق ببعضها البعض، وبالتالي ومثلما أكدنا في تحليل سابق وعندما قلنا سوف تتحرك المظاهرات في سوريا وبدون سابق أنذار، وسوف تسخن خارج دمشق منعاً من حصول المحظور غير المأخوذ بالحسبان ويضر بإسرائيل، وسوف يستنزف النظام والدولة معاً، وستتمرد بعض المناطق وستحدث صدامات عنيفة وسوف يسقط شهداء، وحينها ربما سيتم الى الحظر الجوي أو اتباع استراتيجية نشر الحرائق حول دمشق لإجبار الأسد للخروج من العرين الدمشقي واصطياده، وهذا ماتعمل عليه واشنطن بحذر.

ولأن سوريا بجوار إسرائيل، وبالتالي غير مسموح قط حصول فوضى خلاقة أو عمياء في هذا البلد، ونصحنا حينها النظام السوري الإسراع بإبعاد 50% من القيادات القديمة وإبدالها بالقيادات الشابه، وحل وزارة الإعلام فوراً، وتبديل الطاقم الدبلوماسي كاملاً لأن هناك من تنظم مع المخطط الأميركي وأصبح جاهزاً مثلما حصل مع الدبلوماسية الليبية، فلا بد من بروز وزير شاب في وزارة الخارجية، وإعادة النظر بمفاصل الأمن والحزب والمخابرات..إلخ، ولكن وللأسف لا أحد يسمع ولا آخر يقرأ.

أسباب دعم واشنطن للتحالف على ليبيا

فالولايات المتحدة وعندما راحت فدعمت التحالف الأوربي ضد ليبيا يبدو على مضض، ولكنها ليست زعيمة للتحالف وتحاول التملص من الموقع الأول لصالح الناتو، وتؤكد مرارا على الالتزام بالتفويض الممنوح من مجلس الأمن،لأنها حذرة من المبالغة الفرنسية لكي لا يُفرض واقع جديد في شمال افريقيا ولصالح فرنسا، خصوصاً وأن الولايات المتحدة لا زالت علاقاتها في تونس جديدة وهشة وتحتاج لبعض الوقت لكي تنمو بشكل جيد، وبالتالي هي لا تريد التصادم مع فرنسا المندفعة بشكل شبه مجنون، والتي تشعر بمرارة لخسارتها تونس.

فواشنطن وعندما ذهبت لدعم فرنسا وحلف الناتو ضد ليبيا لها أسبابها التي لا تخفيها، فهي تريد أحياء التحلف الدولي من جديد لكي تطمئن للمستقبل القريب لأن لأميركا حروبا قادمة في منطقة الشرق الأوسط وهي حروب من أجل الهيمنة على الطاقة، وبنفس الوقت وجدته واشنطن تمريناً لتقوية التنسيق الحربي والعملياتي والإستخباري بين واشنطن وحلف الناتو من جهة، وبين واشنطن والاتحاد الأوربي والعرب من جهة أخرى، ناهيك عن أنها فرصة للولايات المتحدة لتجريب بعض العلوم الإستخبارية والأسلحة الجديدة في ليبيا، خصوصاً وأن موقع "ليبيا الجغرافي والإستراتيجي والعملياتي يتشابه مع سوريا وإيران كثيرا".

فهناك مصادفة فلو نظرت الى خارطة "ليبيا، وإيران، وسوريا" فسوف تلمس التشابه الكبير بين هذه الدول من الناحية الجغرافية، ناهيك عن أن مسرح العمليات هو الآخر متشابه كثيراً، ويعتمد على البحر أكثر من الجو ناهيك عن أن الصواريخ العابرة تعتبر سلاحاً استراتيجيا لهكذا جغرافية ولهكذا مسرح عمليات يشكل البحر جزءاً حيوياً فيه، خصوصا الصواريخ المنطلقة من القواعد البحرية.

وبالتالي فالمعونة الأميركية لصالح فرنسا والغرب والناتو ضد ليبيا هي عبارة عن دين في عنق الغرب وفرنسا وبريطانيا، وكذلك دين في عنق حلف الناتو لكي يعاد هذا الدين في حروب الولايات المتحدة القادمة والتي سوف تكون في الشرق الأوسط، فجاءت القضية الليبية على طبق من ذهب لواشنطن لتصبح صاحبة الجميل على أوربا لكي تطمئن بأن أوربا سوف تكون معها في المستقبل القريب وضد إيران وأصدقائها في المنطقة!.

تضاريس التشابه الجغرافي والعملياتي بين ليبيا وسوريا وإيران

فلو أخذنا الخارطة الليبية ونظرنا اليها، فسوف نجدها تقع على ساحل بحري مفتوح ـ البحر المتوسط ـ وأمام جبهة أوربية جاهزة لنجدة التحالف، ويصل هذا الفضاء الى المقر الشعبي والجغرافي لمركز الحكم والقيادة مباشرة، أي الى العصب السياسي للنظام في طرابلس وضواحيها، وبالتالي فالأهداف الإستراتيجية واضحة وسلسة ولجميع الصنوف والأسلحة، وولو نظرنا الى حدودها فسوف نجد دول مثل "تونس، الجزائر، مصر،السودان، تشاد، النيجر" أي محاطة بــ6 دول معظمها هشة وصديقة لواشنطن أو غير قادرة على رفض الطلب الأميركي والأوربي، وبالتالي هي مساحة مفتوحة للاستخدام ضد النظام الليبي جواً وبراً، وحتى للعمليات الخاصة.

ولو جئنا الى سوريا فإنها تقع على ساحل بحري مفتوح ـ البحر المتوسط ـ وأيضاً تقابله جبهة مخيفة أوربية إسرائيلية لبنانية، ويصل هذا الفضاء الاستراتيجي والعملياتي الى المقر الشعبي والجغرافي لمركز الحكم والقيادة مباشرة، أي العصب السياسي والاجتماعي للنظام ـ حيث الجغرافية العلوية ـ وبالتالي سوف تجد القوات المشتركة مسرحاً جاهزاً للعمليات الحربية، ولو نظرنا الى الدول التي تحدها فهي "تركيا، العراق، الأردن، إسرائيل، لبنان" وأن جميع الدول المحيطة لسوريا هي صديقة لواشنطن، وحليفة لحلف الناتو، وبالتالي هي دول مفتوحة لواشنطن وللناتو من ناحية الجو والبر، وهي أدوات لوجستية ذهبية بالنسبة لواشنطن وللناتو وعندما يقرر أمراً ضد سوريا.

أما لو جئنا الى المسرح الجغرافي والعملياتي الإيراني والذي يعتبر الشغل الشاغل لواشنطن وليس من أجل أسقاط نظام الملالي في طهران، بل من أجل تغيير قوانين اللعبة وللأبد وأهمها تحرير "مضيق هرمز" من الإيرانيين لصالح الولايات المتحدة والناتو، لكي تصبح إيران ساقطة عسكرياً واقتصادياً، وبالتالي ستكون عملية التغيير سهلة للغاية ومثلما حصل في العراق وبالتالي سيكون البترول الإيراني من حصة الولايات المتحدة.

فإيران تقع على ساحل بحري كبير وطويل وهو الخليج والذي يذهب مباشرة الى أخطر منطقة في إيران فيما لو تكلمنا عن مسرح العمليات الذهبية، وتمثل هذه المنطقة العصب الرئيسي لاقتصاد إيران، وهي المنطقة الغنية بالنفط والتي يسكنها عرب الأحواز، وبالتالي هناك رديف جاهز للثورة في أغنى مناطق إيران وأكثرها أهمية، ومن الخلف هناك بحر قزوين القريب للقواعد الأميركية المنتشرة في الدول الصديقة التي تحيط بإيران من الخلف، وهناك رديف آخر ينتظر الأشارة للقيام بالثورة وهو أيضا تحت أقدامه الثروات وهم الأكراد الإيرانيين.

ولو نظرنا الى الدول التي تحد إيران فهي "العراق، تركيا، تركمانستان، أفغانستان، باكستان" وجميعها دول متصالحة وحليفة لواشنطن ولحلف الناتو، ويمكن استخدام أجوائها وأراضيها لضرب إيران أو الى خنق إيران وحصارها لحين تآكلها من الداخل ومثلما حصل مع العراق في عهد نظام صدام، ومن هنا جاء الإعداد لمسرح البحرين!.

ومن هنا جاء اختيار ليبيا من حيث البعد الاستراتيجي والعملياتي ليتلاءم مع البعد العملياتي القادم والخاص بمعركة واشنطن في سوريا وإيران، وبدعم حلف الناتو والأتحاد الأوربي والدول العربية التي ستشارك أيضا، فهناك دول عربية أصبحت ضمن منظومة حلف الناتو وأن لم تشترك فيه مثل "العراق، قطر، الأمارات، الأردن، البحرين" ناهيك عن أن هناك تركيا العضو البارز في حلف الناتو والحليف القوي لواشنطن، والذي أخذ على عاتقه موضوع "التجسس والإستخبار وأعتراض الطائرات" في مسرح العمليات المتوقع تسخينه.

إعداد المسرح العسكري والعملياتي في البحرين!

هناك نقطة في غاية الأهمية ولا يجب إغفالها، وهي موضوع تخلي إسرائيل عن دعم "القذافي" مؤخرا وليس في الأيام الأولى، فإسرائيل راحت ودعمت القذافي بقوة خلال الفترة الأخيرة، ولقد سجل انتصارات على الأرض، وفي السياسة الدولية والدبلوماسية، ولكنها أرادت من وراء دعم القذافي مساومة واشنطن والغرب والناتو "نرفع يدنا عن القذافي ونوقف دعمنا له، مقابل التعهد بضرب إيران" ويبدو أنها حصلت على هذا الرهان، والذي جاءت بشائره في مملكة "البحرين" حيث الإعداد على قدم وساق لمسرح العمليات هناك.

فواشنطن تشترك مع الناتو ضد ليبيا،ولكن بنفس الوقت تهندس بمسرح عملياتها ضد إيران وأصدقائها في المنطقة، فدول مجلس التعاون الخليجي وعندما سارعت لإحياء "قوة درع الجزيرة" والتي ترك ملفها منذ حرب الخليج الثانية جاء بالأتفاق مع الجانب الأميركي وحلف الناتو، ومن هناك جاءت دعوة البحرين لهذه القوة أيضاً بالتفاهم مع الناتو وواشنطن لكي تحرم إيران من مغامرة تغيير أدوات اللعبة في المنطقة، وعندما وصلت القوات الخليجية الى البحرين نسقت مباشرة مع مقر الأسطول الخامس الأميركي، ومع القواعد السرية لحلف الناتو في الخليج أضافة للقواعد العلنية للولايات المتحدة في المنطقة.

وبالفعل تشجعت البحرين فأنهت الاحتجاجات والاعتصامات، وذهبت فاتهمت المعارضة بالتخابر مع إيران واعتقلت رموزها، ومن ثم أبعدت القائم بالأعمال الإيراني بل اتهمت إيران رسميا بالتدخل في البحرين، وأرسلت مذكرة للأمم المتحدة بهذا الصدد وسوف نسمع عن تفاعلها في الأيام المقبلة، وراحت فأعلنت الطوارئ، وحددت التحرك في الأجواء البحرية، ثم ذهبت فطالبت بأغلاق الفضائيات التي تمولها إيران وبمقدمتها "المنار، والعالم، وأهل البيت" بتهمة التحريض على الطائفية، ولا زالت البحرين مستمرة بأخذ زمام المبادرة في عملية "شيطنة إيران في البحرين" وكل شيء محسوب ومتفق عليه، ويتعلق بالسيناريوهات الأميركية.

فالسعودية لن تحرك جندياً واحداً خارج حدودها لو لم تأخذ الإذن والتنسيق مع واشنطن، فعندما شعرت بالخطر الحقيقي هذه المرة راحت فنقلت مسرح العمليات من الداخل السعودي نحو المسرح البحريني في محاولة لإجهاض المخططات الإيرانية وبنفس الوقت لتكون لاعباً رئيسياً في هندسة مسرح العمليات لواشنطن والناتو، وبعد أن تعهدت واشنطن بضمان حياد الحوثيين تجاه الرياض من جهة اليمن، وضمان هدوء المنطقة الشرقية في السعودية من خلال التنسيق الأميركي مع المرجعيات الشيعية المعتدلة في النجف، ناهيك أن المال السعودي المتدفق على الزعامات القبلية والدينية في اليمن لعب دوراً مهماً في تهدئة الأوضاع ضد السعودية، ولكن ستبقى المغامرة السعودية غير مضمونة النتائج ما دام هناك بعد طائفي ومذهبي.

سمير عبيد: كاتب ومحلل في شؤون الأمن القومي

Sa.obeid@gmail.com