الشعب يريد نظاماً عربياً جديداً

بقلم: ماجد كيالي

غالباً ما يجري الحديث عن النظام السياسي العربي، بشكل افتراضي، في نوع من التجاوز على الواقع، أو من قبيل التمنّي، لا أكثر، فهذا النظام يكاد لا يكون موجوداً، أو محسوساً، لا إزاء نفسه (أي إزاء الوحدات المشكّلة له)، ولا إزاء محيطه.

على ذلك لا يمكن اعتبار جامعة الدول العربية، ومؤتمرات القمة العربية، دليلاً على وجود هكذا نظام، إن لم يكن على العكس من ذلك، أي دليلاً على غيابه، لانعدام فاعليته، وتنابذ أطرافه، وتضارب إراداته، بدليل بقاء قرارات القمم العربية مجرد حبر على ورق، بدءاً من القرارات والاتفاقيات المتعلقة بإقامة السوق العربية المشتركة، وتسهيل تنقل الأيدي العاملة العربية، وصولاً إلى قرارات الدفاع العربي المشترك.

في الواقع ثمة إشكاليات عدة تكمن في تعريف النظام العربي لذاته، بالمقارنة مع النظم الإقليمية الأخرى.

ومعلوم أن هذه النظم تتأسّس على معايير عدة، أهمها: أولاً، اعتبار الوحدات السياسية (الدول) المنخرطة في منظومة إقليمية معينة بمثابة وحدات سياسية ناجزة، وشرعية، وسيدة على مصيرها.

ثانياً، إن النظم الإقليمية تنشأ على أساس استثمار علاقات الجوار، لتعظيم المنافع المتبادلة والمصالح المشتركة بين أطرافها.

ثالثاً، تركّز النظم الإقليمية على تطوير علاقات التعاون والتكامل والاعتماد المتبادل بين الوحدات المشكلة لها، وإزاء المنظومات الإقليمية والدولية الأخرى، وربما تصل إلى قناعة بضرورة خلق أعلى درجة من الاندماجات داخلها، (تجربة الاتحاد الأوروبي مثلاً)، ولو أدى الأمر الى الانتقاص من بعض جوانب السيادة فيها.

هكذا يمكننا ملاحظة أن النظام العربي لا يتمتّع بمعايير النظم الإقليمية، من ناحية فعلية، فالوحدات السياسية المشكّلة له ما زالت غير ناجزة تماماً، وهي تعاني من مشكلات الشرعية والسيادة إزاء ذاتها، وإزاء الوحدات الأخرى.

وها نحن نشهد أن ثمة تعثّراً في انبثاق الدولة، في معظم البلدان العربية، باعتبارها دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، بواقع هيمنة النظام السلطوي على الدولة والمجتمع، وبواقع ترسّخ الانتماءات قبل الوطنية (القبلية والطائفية والمذهبية والاثنية)، التي تؤخّر إدراك الشعب لذاته، بوصفه شعباً.

والقصد من ذلك التأكيد أن المنظومات الإقليمية لا تتأسّس من مجرد مشاريع دول، وإنما هي تتشكّل من دول ناجزة وشرعية وسيدة على مصيرها، كما قدمنا.

وفي ما يتعلق بالمعيار الثاني، يمكننا ملاحظة أن قاعدة العلاقات البينية بين البلدان العربية جد ضئيلة (رغم كل الحديث عن الأمة العربية).

ومثلاً، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدان العربية لم يتجاوز 11 في المئة من حجم التجارة العربية، وهذا ينطبق على التعاون في مشاريع البنى التحتية، والمواصلات، والتعليم، والعلوم والتكنولوجيا.

ومعلوم أن مئات البلايين من الدولارات، من الأموال العربية، تستثمر خارج البلدان العربية، في حين أن ثمة بين هذه البلدان من هو بحاجة ماسة لبضعة بلايين من هذه الأموال للنهوض بأوضاعه.

ويستنتج من ذلك أن النظام الإقليمي العربي لا يستثمر، إلى الدرجة المطلوبة، ميّزات الجوار، ولا يعمل على تنمية قاعدة المنافع والمصالح المشتركة، على رغم كل الحديث عن انتمائه لأرومة قومية واحدة، وغير ذلك من اللغة الواحدة والتاريخ المشترك والمشاعر المتماثلة.

أما في ما يتعلق بمعيار الترابط والتكامل والاعتماد المتبادل فسنجد أن النظام العربي يشتغل بالعكس من ذلك، أي باتجاه التفكك والتنابذ والتفارق، وهذا يشمل الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية.

والواقع أن النظام العربي لا يشتغل باعتباره منظومة واحدة تجمعها رؤى ومصالح مشتركة، إزاء التحديات التي تفرضها الوحدات السياسية الدولية والإقليمية الأخرى.

وفوق ذلك ثمة عديد من وحدات هذا النظام تغلّب تحالفاتها ومصالحها مع وحدات، أو منظومات سياسية من خارج نظامها، ولو كانت على الضد من النظام الذي يفترض أنها تنتمي إليه.

على ذلك يمكن القول أن النظام العربي (المتمثل بكيان جامعة الدول العربية) إنما هو مجرد كيان افتراضي، منذ قيامه، قبل أكثر من نصف قرن، ما يفسر عجزه عن حل أي مشكلة من مشكلاته البينية، وإخفاقه في النهوض بأوضاعه، وما يفسر ضعف قدرته على تخليق مصالح مشتركة وإرادة واحدة في مواجهته للتحديات الخارجية التي تعترضه.

ومعلوم أن هذا النظام لم يستطع أن يقدم شيئاً للفلسطينيين ولا للبنانيين، لا في مواجهة حروب إسرائيل واعتداءاتها، ولا في شأن حل مشكلاتهم الداخلية.

كما أن هذا النظام لم يستطع أن يفعل شيئاً إزاء غزو العراق للكويت (1990)، ولا للعراق بعد فرض الحصار عليه، أو بعد غزوه واحتلاله (2003)، كما لم يستطع أن يفعل شيئاً لحث المصالحة بين مكوناته، أو للحد من نفوذ إيران فيه (بحيث بات النظام العربي هو أقل الفاعلين الإقليميين في الشأن العراقي).

وها نحن نشهد، هذه الأيام، عجز النظام العربي عن تقديم أية مساعدة للشعب الليبي في محاولته للتخلص من النظام الذي تسلط عليه، طوال العقود الأربعة الماضية.

وبمناسبة ليبيا، فإن النظام العربي بات يقف أمام معادلة جد صعبة وحرجة، فهو لا يستطيع المساهمة في إيجاد مخرج سلمي وديموقراطي للصراع على مستقبل النظام السياسي في ليبيا، ولا يستطيع ممارسة الضغط على النظام القائم في ليبيا لوضع حد لمحاولته فرض نفسه على الليبيين بوسائل التقتيل والتدمير، ولا يستطيع دعوة القوى الدولية للتدخل لوقف القتال المدمر في ليبيا.

الأهم من كل ما تقدم أن هذا النظام وجد نفسه، في مواجهة نفسه، أمام سؤال أساسي، وهو سؤال الشرعية والسيادة، لجهة الوقوف مع النظام، المتربع على البلاد والعباد منذ أربعة عقود من الزمن، أو الوقوف مع الشعب الذي يريد التحرر من هذا النظام، وإعلان سيادته على مصيره.

ما الذي يعنيه ذلك؟ هذا يعني أن معضلة النظام العربي تكمن أساساً في الوحدات المشكلة له، التي ما زالت تكابد من أجل انبثاق الدولة، أي انبثاق المصلحة العامة والمجال العام وسيادة الشعب، والتي تعاني آلام الولادة والشرعية والسيادة الناجزة، وإلا ما معنى الثورات التي تندلع في عديد من بلدان العرب؟

وهذا يعني، أيضاً، أن النظام العربي القائم لم يعد يلبي حاجات الوحدات المنخرطة فيه، ولا المتطلبات التي تفرضها ضرورة ولادة نظام عربي جديد، قادر على فرض قراره في إقليمه، إزاء القوى الدولية والإقليمية الأخرى، المتصارعة على هذه المنطقة.

الآن، وبعد التغيير السياسي في عديد من البلدان العربية، ولا سيما في مصر، وتوجه عديد من البلدان الأخرى نحو الإصلاح السياسي، يمكن لنا أن نأمل أن هذا التغيير في الوحدات الفرعية سيؤدي إلى تغييرات في النظام العربي، تحوله من نظام افتراضي إلى نظام موجود وفاعل وسيد، ومقرر في شؤون إقليمه؛ بدل ترك الآخرين يعبثون بمصيره، ويقررون عنه مستقبله وأولوياته وحاجاته.

ماجد كيالي

mkayali@scs-net.org