مهتمون بتراث العيالة والتغرودة يجتمعون في ورشة عمل بأبوظبي

'العيالة' فن عربي عريق في أصالته

أبوظبي ـ افتتحت صباح الثلاثاء 22 مارس/آذار الجاري فعاليات ورشة العمل الخاصة بإعداد ملف تسجيل العيالة والتغرودة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية في اليونسكو التي تأتي إحتفاء باليوم العالمي للتراث في نادي الضباط في أبوظبي، وتخلل هذه الجلسات عروض حية للعيالة والتغرودة قدمها أعضاء فرقة أبوظبي للفنون الاستعراضية التي أسستها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث عام 2010.

وتنظم الورشة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، بالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ويُشارك فيها عدد من المهتمين بتراث العيالة والتغرودة من أكاديميين ومُتخصصين وخبراء وباحثين ومُمارسين، وهيئات ومؤسسات حكومية ومجتمعيّة، إضافة لمشاركة واسعة رفيعة المستوى من سلطنة عُمان.

ابتدأت ورشة العمل بكلمة محمد خلف المزروعي مستشار الثقافة والتراث في ديوان ولي عهد أبوظبي مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ألقاها بالإنابة د. ناصر الحميري مدير إدارة التراث المعنوي في الهيئة جاء فيها، "هي دائماً دولة الإمارات بقيادتها الرشيدة وفية لتراثنا الأصيل، الذي نستسقي منه المواقف والقيم والمثل، التي تعزز ارتباطنا بالماضي وتحفز إرادتنا لبناء المستقبل الحافل بالتطور والنمو والازدهار، لذلك نعمل في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث على تبني استراتيجيات فاعلة للتعاون مع أشقائنا في الدول الخليجيّة والعربيّة، وبقية دول العالم، في إبراز مكانة التراث وغيره من المكونات الثقافية المشتركة التي تشكل جسوراً للتواصل والتفاهم بين الشعوب، كما نعمل في الهيئة على حصر عناصر التراث، وتبني شراكات حقيقية مع دول تشاطرنا هذا الاهتمام بالتراث، ونحن على استعداد تام – بتوجيهات من قيادتنا الرشيدة - في المضي قدماً في التعاون مع اليونسكو، ومع كل جهد دولي مشترك يصب في خدمة التراث الإنساني".

وتابع المزروعي "بالأمس القريب كان لدولة الإمارات العربيّة المتحدة شرف تنسيق جهود عدد من دول العالم لديها اعتزاز بتراث الصقارة، أثمرت في نوفمبر من العام الماضي بتسجيله في اليونسكو ضمن عناصر التراث الثقافي الإنساني الحي للشعوب، واليوم إذ نحتفل باليوم العالمي للتراث يسرنا أن نمضي قدماً في تعاوننا مع منظمة اليونسكو لتسجيل المزيد من عناصر تراثنا الثقافي ومنها فن العيّالة والتغرودة".

ورحّب في هذه المناسبة بانضمام سلطنة عمان الشقيقة لجهود دولة الإمارات العربيّة المتحدة في تسجيل فن العيّالة، كملف دولي مشترك، الأمر الذي يعكس وحدة الجغرافيا والتاريخ والعادات والتقاليد التي تجمع دولنا الخليجيّة والعربيّة، وعلينا كهيئات ومنظمات أفراداً وجماعات أن نفتح أبواباً جديدة لتعريف العالم بتراثنا وقيمنا الأصيلة ودور هذه الأرض والآباء والأجداد في تحقيق ما وصلنا إليه من تقدم وتطور وقيم إنسانية رفيعة.

وبدوره ألقى سعيد بن سلطان البوسعيدي مدير دائرة الفنون الشعبية في وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان كلمة جاء فيها: "إن سلطنة عمان بحكمة قائدها السلطان قابوس بن سعيد، أثبتت مواقفها الأكيدة نحو الاهتمام بالنظر للمستقبل متمسكة بأصالة تراثها وثقافة مجتمعها ليكون نبراساً يقود طريقها في جوانب التنمية المختلفة وفق استراتيجية تبين مدى اهتمامها بمبدأ الشراكة والتعاون الفاعل مع أشقائها مؤكدة على عمق تاريخها ورسوخ حاضرها المتمسك بمد جسور التواصل مع الشعوب والحضارات التي ترتبط معها بقواسم ثقافية تاريخية مشتركة لتعكس تاريخا حافلا بأمثلة عديدة على ذلك".

ومن ثم كانت الجلسة الأولى التي أدارها د. إسماعيل الفحيل مستشار التراث المعنوي في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وشارك بها د. هاني هياجنة متحدثاً عن يوم التراث العالمي ودور اليونسكو في صون التراث، فيما تحدث الدكتور سليمان خلف خبير التراث المعنوي في الهيئة عن آليات التسجيل في اليونسكو، ومن ثم كانت مناقشة "اللغة والتراث - جمع الحكايات والروايات الشفهية" بمشاركة كل من أ. د. جانيت واتسون، أ. د. علي سلامة، ود. محمد بن دبلان المهري.

أمّا الجلسة الثانية فأدارها خالد البدور شارك بها د.علي إبراهيم الضو في ورقة عمل عن "فنون الأداء - إطار نظري"، وسعيد الحداد الذي تحدث عن الاحتفالية والجمالية في العيالة الإماراتية، فيما عرض سعيد خلفان أبو ميان لورقة عمله التي تناولت موضوع "عرضة العيالة"، وكان ناصر الجنيبي مدير فرقة أبوظبي للفنون الاستعراضية التابعة لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث قد ناقش في ورقة عمله فنون الأداء في العيالة وخصوصيتها الثقافية.

وجاء في ورقة عمل الهيئة التي قدّمها الجنيبي "تمثل الفنون الشعبية في دولة الإمارات جزءاً من التراث الشعبي الإماراتي وإن تنوع واختلاف الفنون الشعبية يعكس التنوع الثقافي والاجتماعي للفرد والجماعة فهي مرتبطة بعادات وتقاليد وقيم وهي مرتبطة ومختلفة باختلاف مناسباتها وأحداثها الاجتماعية وما يرتبط بها من تعدد الثقافات والفنون الشعبية بكافة فروعها وأشكالها، الفنون الشعبية الراقصة الاجتماعية والوطنية في دولة الامارات العربية المتحدة كثيرة وعديدة ومتنوعة من حيث الأداء والمناسبة.. فقد تشترك أكثر من رقصة في مناسبة زواج أو عيد وطني وقد تعرض كلها في نفس المناسبة".

وتابع الجنيبي: "لدينا العيالة الساحلية (البحرية) وهي العيالة الأكثر شهرة والأوسع انتشاراً في ربوع الإمارات كلها وتتميز بالطابع الإماراتي الفريد إلى جانب أن الطابع العماني هو الذي ينفرد عن باقي فنون منطقة الخليج بالرغم من استعماله لبعض نصوص العرضة القديمة إلاّ أنها تؤدى بألحان إماراتية، والعيالة البرية ويطلق عليها عيالة العين لتميز مدينة العين بها، وهي ذا خصوصية إماراتية فريدة بين أقرانها من دول الخليج التي ينتشر فيها تحت مسمى “العرضة” حيث كانت القبائل تمارس هذا الفن حين تشعر بخطر الاعتداء عليها فتقرع الطبول لحشد الناس للذود عن الوطن والعرض وإنشاد الأغاني الحماسية خاصة عند رفع رايات النصر، وأصبح يمارس حاليا في المناسبات الوطنية والأعياد وأفراح الزواج ويشارك في هذا الفن علية القوم ببنادقهم وسيوفهم شحذاً للهمم والنخوة أو فخراً وابتهاجاً".

وأكد الجنيبي في ورقة عمله "أن العيالة" فن عربي أصيل بل عريق في أصالته، ويصعب تحديد تاريخه، وهي عبارة عن فن جماعي يتضمن رقصاً وغناء جماعياً، وتؤدى "العيالة" في كل المناسبات الاجتماعية والوطنية، و"العيالة" تجسد قيم الشجاعة والفروسية والبطولة والقوة العربية، تتكون فرقة العيالة من العازفين على الطبول "طبل الكاسر، طبل الرحماني" السماع (الطار)، الطوس (الطاسات) وبعض المنشدين والراقصين، وتؤدى رقصة "العيالة" من خلال صفين متقابلين من الرجال وكل صف يقف أفراده متلاصقين بشدة ومتشابكين والأيدي من الخلف، فكل رجل يشبك بيده حول خصر زميله حتى يبدو الصف الواحد متلاحماً كبنيان مرصوص، دلالة على التماسك والتآزر القبلي، وتتوسط الصفين الفرقة المحترفة التي تقوم بالضرب على الطبول المختلفة الأشكال والدفوف والطوس فتقدم اللحن والإيقاع الحماسي المناسب للنص المؤدي".

وأوضح الجنيبي "تبدأ الرقصة حين يعطي قائد الفرقة إشارة البدء، ففي هذه اللحظة يأخذ حملة الطبول بالضرب بشدة على طبولهم، ويبدأ الصفان بالرقص والحركة المستمرة لفترة طويلة، وفي أثناء الرقص يتحرك حملة الطبول في اتجاه الصف المواجه بينما يتحرك حملة السيوف في الاتجاه المعاكس، وتتضمن "العيالة" فنوناً حركية وغنائية متنوعة فعدا العزف والرقص المصاحب للغناء الجماعي هناك إطلاق الأعيرة النارية والتلويح بالسيوف اللامعة والخناجر المعقوفة، وكل ذلك في عرض بديع للقوة والرجولة والفروسية، تلك القيم المستمدة من حياة البداوة والصحراء.

ومن أهم الأغراض في شعر "العيالة" أيضاً، المدح، الغزل، الدين، وتسجيل المعارك والإشادة بقوة القبيلة، ومن نصوص "العيالة" في المدح ويأخذ عدة صور منها "مدح الحاكم ومن في مستواه مثل قصيدة "حي شيخ يفعل اليود وأيماله.. إن مشى ضو الحرايب يطفيها".

أمّا الصورة الثانية من المدح فهي التي طالما ترددت في الشعر العربي القديم، وهي الإشادة بالإبل الأصيلة والنجيبة وعراقة سلالتها.

أمّا تسجيل المعارك والغزوات فمثال عليها هذه القصيدة:

دارن ياللي سعد في الجومة جاها.... طير عجلان شاقتني مظاريبه

عقب ماهي عيوز اتجدد صباها....زينها يا عرب قامت تماريب.

وختم الجنيبي بالقول "جدير بنا أن نشير إلى بعض الجهود الجادة التي عملت عليها بعض الهيئات والمؤسسات ذات الصلة، وعلى رأسها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث للمضي قدماً في حماية التراث وتعزيز الهوية القومية".