باول من أبوظبي: تسونامي ثورة الإعلام كسر الحواجز والقيود

'تسونامي' الاحتجاجات يمكن أن يمرّ كموجة بسيطة

أبوظبي - قال كولن باول وزير الخارجية الأميركي الأسبق أن "تسونامي" الاحتجاجات الشعبية الذي يمر بدول عدّة في المنطقة العربية يمكن أن يمرّ كموجة بسيطة، وليس طوفان جامح، إذا عملت الأنظمة المتعرضة لتلك الاحتجاجات على الاستجابة لرغبات الشعوب، ومواكبة التغييرات والتطورات العالمية.

وأشار باول في اليوم الثاني من المؤتمر السنوي السادس عشر لـ "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية" إلى ضرورة استجابة الأنظمة السياسية المختلفة لتطلّعات شعوبها، وتحقيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطلوبة لافتاً النظر إلى أنه لا يعني ذلك في الأساس أن تسعى تلك الأنظمة في الطريق الذي تسير فيه الولايات المتحدة، بل أن تحقق آمال شعوبها وتطلعاتها.

وأوضح باول أن "تسونامي ثورة الإعلام" مثل "الفيسبوك" و"تويتر" كسر الحواجز والقيود كلّها التي تفرضها الدول على شعوبها. مضيفاً أن الثورة في وسائل الإعلام قد سمحت للناس بالتواصل بشكل لا يمكن للحكومات السيطرة عليه، وأنه بات بإمكان الناس الكشف عن النفاق والفساد والأنانية عند القادة، لافتاً إلى أن الشعوب تطالب اليوم بالمشاركة في السلطة وهي تؤمن بأن هذا من حقها. وهي تطالب بهذا ليس لكي تعتدي على الدول الأخرى، بل لتحسين حياتها. وقال "السعي إلى التنمية الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية، هي أكبر قوة قادرة على إعادة تشكيل العالم اليوم". مبيناً أن معظم الأنظمة الدكتاتورية التي كانت في أميركا اللاتينية وأوروبا وآسيا اضطرت، تحت الضغوط الممارسة عليها من قبل شعوبها، إلى الانتقال نحو الديمقراطية، وسعت إلى تطوير اقتصاداتها من أجل توفير الوظائف الملائمة للمواطنين.

وتم خلال جلسات اليوم الثاني للمؤتمر مناقشة التطوّرات العسكرية المستقبلية، واستشراف التحديات الأمنية وذلك في قاعة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مقر المركز في أبوظبي.

ورحّب الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية"، بالجنرال "المتقاعد" كولن باول وبالحضور الغفير الذي ضمّ مزيجاً من السياسيين والدبلوماسيين والخبراء والمتخصصين. وأضاف السويدي "إننا نشهد اليوم تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية عديدة في العالم العربي، الأمر الذي يتطلّب إحداث تنمية شاملة في المنطقة، من أجل إيجاد مناخ سياسي واقتصادي واجتماعي سليم في المجتمعات التي تفتقر إلى التنمية في تلك المجالات". مؤكداً ضرورة تحسين ظروف المعيشة لشعوب المنطقة، وتوفير فرص عمل مناسبة للشباب لتحقيق الأمن والاستقرار في الدول كافة.

وأشار باول إلى أن التغييرات التي يشهدها الشرق الأوسط هذه الأيام مماثلة لتغييرات حدثت في أماكن أخرى من العالم، وأنه شهدها على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية. ولفت باول النظر إلى أن التغيير سيكون سلساً في بعض البلدان وعسيراً في بعضها الآخر. وأنه يجب أن تكون تونس ومصر النموذج لهذه المنطقة. وقال: "لا بدّ لنا هنا من ذكر العراق وأفغانستان اللذين استطاعا التخلص من القيادة المستبدّة وإحراز تقدّم نحو إقامة حكومة تمثل الشعب وما زال الكفاح فيهما مستمراً.. بعض الحكومات ستتصرّف بحكمة وتصلح نفسها من خلال الاستجابة لتطلّعات شعبها بصورة تمكنها من الحصول على تأييده.. والطريقة المناسبة للإصلاح، هي وضع الشعب على الطريق نحو حياة أفضل.. فالطوفان الذي يجتاح المنطقة الآن سيصل إلى جميع البلدان ولن تكون أي حكومة بمنأى عنه.. وسيكون على جميع الدول مواجهة التحدّي المتمثّل في توفير فرص العمل والمساكن والتعليم والحياة الكريمة لشعوبها.. وإذا كانت القيادة تتمتع بالحكمة وبعد النظر، فبإمكانها الاستفادة من القوة الدافعة لهذه الموجة العاتية في تحقيق مستقبل أفضل لشعبها".

التطورات العسكرية المستقبلية

وقد تناولت الجلسة الثانية للمؤتمر، التي رأسها اللواء الركن الطيار المتقاعد، خالد عبدالله البوعينين، قائد القوات الجوية والدفاع الجوي سابقاً، رئيس مجلس إدارة "مجموعة بينونة" في دولة الإمارات العربية المتحدة، الحديث عن "التطورات العسكرية المستقبلية". وقال الدكتور إيرل تيلفورد، مدير البحوث في "معهد الدراسات الاستراتيجية" في "كلية الحرب" التابعة للجيش الأميركي في الولايات المتحدة الأميركية، في ورقته التي حملت عنوان "حروب المستقبل"، إن "وزارة الدفاع الأميركية تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية لتصبح قادرة على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية". موضحاً أن الهيكل الدفاعي الحالي يعود إلى عام 1947، ويقوم على نموذج مواجهة تحديات الحرب العالمية الثانية، وهو أكثر ملاءمة لحرب العصر الصناعي بين دول صناعية لديها قوات برية وبحرية وجوية متماثلة. كما أن وزارة الدفاع مقيّدة ببيروقراطية كبيرة مدعومة ليس بهيكل السلطة السياسية في واشنطن فقط، بل بمجمع عسكري صناعي تمتد جذوره عميقاً في الاقتصاد الأميركي.

وأشار الدكتور تيلفورد إلى أنه في الوقت الذي لا تزال فيه القوات المسلحة الأميركية هي الأفضل في العالم، فإن عشر سنوات من الحرب في العراق وأفغانستان قد أنهكتها، وأضاف: "ذهب بعض الجنود إلى العراق وأفغانستان مرتين أو ثلاثاً، وربما أكثر، وكان نشر القوات في بلدان عدّة صعباً بشكل خاص بالنسبة إلى عناصر الاحتياط الذين يلعبون دوراً أساسياً في دعم القوات البرية، المكوّنين من جنود من المواطنين تركوا أعمالهم ومسؤولياتهم لتلبية نداء الواجب. كما أدت الحرب إلى استهلاك المعدات، ونفاد الأموال اللازمة للبحث والتطوير وشراء أسلحة جديدة".

ومضى تيلفورد يقول "مع أنه لا تبدو هناك نهاية قريبة للحرب على الإرهاب، فيجب على القوات المسلحة الأميركية الاستعداد لمجموعة من التهديدات الحالية والمستقبلية أيضاً"، مؤكداً أن كلاً من إيران وكوريا الشمالية تمثل تهديداً في الوقت الحاضر، حيث إن إيران تلتزم تطوير أسلحة نووية، وتسعى إلى التخلص من النفوذ الأميركي في منطقة الخليج العربي، كما أن كوريا الشمالية تمتلك أسلحة نووية، ولها روابط بالإرهاب، وتميل إلى تصدير الأسلحة. كما رأى ضرورة مواجهة الولايات المتحدة التحديات المتمثلة في تحديث الجيش الصيني، وبروز روسيا المصمّمة على استعادة وضعها السابق كقوة عالمية عظمى.

وعلاوة على ذلك تطرّق تيلفورد في كلمته إلى التهديدات المستقبلية، والخطوات المفترضة التي يمكن اتخاذها لمواجهة التحديات الاستراتيجية الحالية والمستقبلية عن طريق إعادة هيكلة وزارة الدفاع الأميركية. كما ناقش العقبات الثقافية والاقتصادية والسياسية التي يجب التغلّب عليها لتحقيق التغيير المطلوب.

وفي الورقة الثانية، التي ناقشت "مستقبل التحالفات العسكرية"، أكّد ياب دي هوب شيفر، الأمين العام السابق لمنظمة "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) أنه "لا وجود لتحالف عسكري ناجح من دون مؤسسة سياسية سليمة". مبيناً أن التحالف العسكري يعمل على جمع الدول المعنية وتوحيدها من خلال بناء نموذج للأمن الجماعي، ولكن الأمن الجماعي في عصرنا هذا يمثّل أكثر بكثير من مجرد الأمن العسكري. وأضاف أنه في عالم يتسم بالعولمة، فإن الدفاع ضد الإرهاب الدولي، ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، والربط بين أمن الطاقة والأمن البحري، هي أمور ذات صلة بإرساء الأمن الجماعي بوصفه خطاً دفاعياً ضد مزيد من التهديدات العسكرية التقليدية.

وأشار شيفر إلى أن تحالف الأمم لمواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين وتحدياته يحتاج إلى قاعدة سياسية قوية وتفاهم مشترك، وتحليل للبيئة السياسية، لضمان التلاحم وإمكانية التوصل إلى أي قرار بشأن إجراء عمل عسكري أو استعراض القوة العسكرية. ومن ثم، فإن أي تحالف حاليّ أو مستقبليّ يجب أن يجمع بين السِّمتين العسكرية والسياسية.

وذكر أن "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، الذي مضى على تأسيسه 63 عاماً، يُعد من التحالفات الفريدة في نجاحها، حيث لم يزل يشهد إجماعاً على المبادئ التي أُسس عليها. وقال "حلفاء (الناتو) يعرفون أين ومتى يدافعون عن أي خرق تتعرّض له هذه القيم.. وفي حين لم يفقد مبدأ الدفاع عن الأرض أهميته في هذا القرن الجديد، نجد أن استدامة الأمن أصبحت أكثر إلحاحاً".

ولفت شيفر النظر إلى أنه في الوقت الذي يشهد فيه العالم تنامياً ملحوظاً في مراكز المال والاقتصاد، التي تتحول بدورها إلى مراكز سلطة عسكرية، تعاني هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، الذي يلعب دور حارس الشرعية حين تلجأ الأولى إلى الخيار العسكري، تضاؤلاً في دورها جرّاء التجميد الكلي لعملية إصلاحها. وعلى صعيد آخر، تسعى "مجموعة العشرين"، التي لا تستند إلى أي قواعد تنظيمية، بحسب شيفر، إلى تحويل مراكز الثقل في القرن الحادي والعشرين نحو المال والاقتصاد. معرباً عن أسفه من أن الاتحاد الأوروبي لا يزال بعيداً عن المكانة السياسية والعسكرية اللائقة لاستكمال قوته وتأثيره الاقتصادي، بينما يسعى حلف "الناتو" إلى التعايش مع دوره الجديد المتمثل في التحرك "خارج النطاق".

وأفاد بأن النظام متعدد الأطراف في حالة تغيّر مستمر، ويتعيّن علينا العثور على إجابات لتحدياتنا الراهنة. كما يجب التعايش مع التحالفات، وتعزيز الشراكات -بما في ذلك التحالف بين "الناتو" ومنطقة الخليج- مع إمكانية مناقشة إبرام تحالفات جديدة.

وبدوره استعرض الدكتور جون تشيبمان، المدير العام والرئيس التنفيذي في "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" في المملكة المتحدة، في ورقته التي حملت عنوان "رؤية استراتيجية لضمان أمن الخليج"، التهديدات التي يواجهها أمن الخليج، موضحاً أنها عديدة ومتنوّعة، كما يتطلّب تعزيز المرونة في الخليج إزاء التهديدات الداخلية والإقليمية والدولية مجموعة من الجهود؛ تراوح بين تحسين العلاقة بين المواطن والدولة وتحقيق مزيد من التشاور بين القوى الإقليمية، وتعميق العلاقات وتنويعها مع عدد أكبر من القوى الخارجية. وأضاف أن التحديث السياسي والاقتصادي يكتسب أهمية جوهرية للحفاظ على الاستجابات الاستراتيجية التقليدية، مثل الاستعداد العسكري والتشاور بين الحلفاء، حيث إنها تعدّ جزءاً مهماً من مجموع الاستجابات للتهديدات الخارجية.

وأكد تشيبمان أن مفاهيم توازن القوى تظل في صميم الخيارات والاستجابات الاستراتيجية للدول الإقليمية. كما تعدّ العلاقة الخليجية مع الولايات المتحدة محورية، ولكنها أيضاً ضارة، في رأي كثيرين، حسب وصفه، لافتاً النظر إلى أن مسألة إقامة دولة فلسطينية تظل أمراً حيوياً لإضفاء الشرعية على العلاقة الأمنية والسماح بالتعاون في النهاية مع إسرائيل في أي مصالح سياسية وأمنية مشتركة.

وأفاد تشيبمان بأن التهديد النوعي الذي تمثّله إيران موجود على مستويات مختلفة. حيث إن الخطر المتمثل في ممارسة إيران خيار حيازة أسلحة نووية لا يزال ماثلاً، كما أن هناك فرصة مستمرة لتسهم ردود الفعل غير المتماثلة تجاه ذلك التحدّي في تأخير تلك النتيجة غير المرغوب فيها. مضيفاً أن بناء عناصر الاحتواء والردع لإيران يعدّ أمراً مهماً، ليس للتحوّط ضد النتيجة فحسب، بل باعتبارها جزءاً من المفاوضات الضمنية مع إيران أيضاً.

وأشار إلى أنه "بقدر ما يشكّل موقف إيران حافزاً لمزيد من التورّط الدولي في المنطقة، وهذا ما تعترف طهران بأنها لا ترغب فيه، فإن استعداد هذه الدول علناً لاحتوائها وردعها هو في حد ذاته عقوبة ضد إيران.. وبصورة عامة يجب أن تنخرط الدول الإقليمية بصورة أكثر مباشرة في نشاط دبلوماسي بشأن القضية النووية". لافتاً النظر إلى أن تطبيق استراتيجية إقليمية مستنيرة يتطلب جاهزية عسكرية، وإجراءات دبلوماسية احتياطية، ومرونة في الاشتباك والمشاركة، وأيضاً حواراً مخلصاً مع الرأي العام حول التحديات الاستراتيجية التي تواجه كل دولة.

وفي نهاية حديثه يرى تشيبمان أن الأمن الإقليمي في الخليج يعدّ مصلحة عالمية، ويجب أن تعتمد الدول الإقليمية أسلوباً شاملاً في إدارته، مع ضمان تعزيز الدبلوماسية الشخصية بتعاون مؤسسي حقيقي.

وأثار تشيبمان موضوع الحكم الرشيد مقابل ديمقراطية الفوضى ملمحا أن تجربة سنغافورة في البناء والتنمية وحقوق الإنسان تستدعي التفكير العميق إذ فضلت الحكم الرشيد على ديمقراطية صناديق الاقتراع وفوضى الحكم.

استشراف التحديات الأمنية

وفي الجلسة الثالثة للمؤتمر، التي ترأسها اللواء الركن طيار رشاد محمد سالم السعدي، قائد كلية القيادة والأركان المشتركة في دولة الإمارات العربية المتحدة، تم استعراض موضوع "استشراف التحديات الأمنية".

وتحدث المقدم الركن جاسم عبدالله عبداللطيف الشرفاء، المدير التنفيذي لقطاع العمليات في "جهاز حماية المنشآت والمرافق الحيوية" في دولة الإمارات، عن "إدارة المخاطر وحماية المنشآت والمرافق الحيوية"، موضحاً أن فكرة تأسيس "جهاز حماية المنشآت والمرافق الحيوية" في مايو 2007 قد جاءت من منطلق حرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حاكم إمارة أبوظبي –حفظه الله- على الحفاظ على المنشآت الحيوية في إمارة أبوظبي؛ لكونه يشكّل صرحاً أمنياً مسؤولاً عن استقرار المجتمع وأمنه في الإمارة، خاصة بعد ازدياد الطلب على مصادر الطاقة النووية السلمية والنفط والغاز الطبيعي والكهرباء. وكذلك من منطلق أن "جهاز حماية المنشآت والمرافق الحيوية" هو الجهة الرئيسية المسؤولة عن تأمين البنى التحتية الحيوية وحمايتها في إمارة أبوظبي ودرء المخاطر عنها، حيث إن ذلك الجهاز يأخذ في الاعتبار كل المستجدّات على الساحة الأمنية، والظروف الإقليمية، ويراقب عن كثب الجريمة بكل أشكالها وأساليبها وتطوّراتها، ويمارس دوره بفاعلية في إدارة المخاطر.

ولفت الشرفاء النظر إلى أن عملية إدارة المخاطر تستدعي اتّباع خطوات محدّدة ومتسلسلة ومعينة، كما تستدعي تحديد نوعية المخاطر وأهميتها، التي يمكن أن تتعرض لها المنشآت، وتحديد أولويات هذه المخاطر، وقد تكون هذه العملية على درجة كبيرة من الصعوبة، وقد ترتكب فيها الأخطاء، وقد يتم في أثناء تحديد الأولويات تنفيذها بصورة غير صحيحة، وذلك في حالة المخاطر غير المادية، أي المخاطر غير المحسوسة، ولذلك يحرص الجهاز، بحسب الشرفاء، على اختيار نوعية الكوادر البشرية التي تعمل فيه، بحيث تكون ذات خبرات عالية، ومدربة على أحدث التقنيات، وقادرة على إجراء مثل تلك العمليات وغيرها بدقة ومهارة.

ومضى الشرفاء يقول "إن القيادات البشرية في الجهاز هي المختصة باتخاذ قرارات التصدي للمخاطر أو التخفيف من آثارها.. والقرار هو جوهر مواجهة المخاطر، وإذا لم يتم اتخاذ قرار صحيح بشأن مواجهة الخطر أو التقليل منه فإن ذلك يعني أننا تركنا الأمور تحدّد مصيرها بنفسها".

وأكد أن جهاز حماية المنشآت والمرافق الحيوية يستشرف المستقبل ويخطط له قبل أن يتخذ قراراته، كما تأخذ قضية الاستشراف والتخطيط المستقبلي حيزاً كبيراً من اهتمام الجهاز، وذلك لما نعيشه من توترات إقليمية ودولية، وما استجدّت على العالم من مخاطر ومظاهر إجرامية تتمثّل في أنماط متعددة ومتطورة لجماعات الإرهاب والجريمة المنظمة، من حيث الأهداف والأساليب والتنظيم والتسليح وطبيعة عملياتها وحجمها، وأضاف أن كل ذلك فرض ضرورة قراءة المستقبل وإدراك إرهاصاته من أجل التبصر بالتحديات والأخطار ووضع التصور المستقبلي لها.

ثمّ تعرّضت الدكتورة إيكاترينا ستيبانوفا، باحث أول في "معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية" في "الأكاديمية الروسية للعلوم"، في روسيا الاتحادية، لقضية "التهديدات المستقبلية للأمن القومي". مبيّناً أن التهديدات المستقبلية للأمن القومي والدولي عادة ما تناقش في سياق ما يسمّى التهديدات الأمنية "الجديدة"، التي تراوح بين الأنماط المتغيّرة للصراعات المسلّحة التي تركّز عليها النقاشات حول "الحروب الجديدة" والدور المتنامي للقضايا الاقتصادية والبيئية وغيرها من القضايا الأمنية غير المرتبطة مباشرة بالعنف.

وأشارت إلى أن فكرة التهديدات "الجديدة" تطرح مسألة إشكالية، حيث لا يتضح دائماً ما هو الفرق بين التهديدات "الجديدة" والتهديدات "القديمة"، أو إن كان الفرق يقوم على التمييز بين القضايا العسكرية وغير العسكرية، أو بين التهديدات الخارجية والتهديدات الداخلية. مضيفة أن من الطرق المفيدة لتحديد القضايا الأمنية "الجديدة" والمستقبلية ومعالجتها، وإيجاد القاسم المشترك بينها إعادة تفسيرها على أنها تهديدات "للأمن البشري". وهذه الطريقة تتجاوز الفرق بين التهديدات "الجديدة" و"القديمة"، و"العسكرية" و"غير العسكرية"، و"الخارجية" و"الداخلية"، وتقوم على ثلاثة افتراضات أساسية وفقاً لستيبانوفا، هي:

1. انتقال التركيز الرئيسي للسياسة الأمنية وتقويم التهديد إلى السكان باعتبارهم الهدف الرئيسي للأمن، مع بقاء بعض التهديدات التقليدية التي تتركز على الدولة. وبالمقابل، فإن التركيز الآن، خاصة في العالم غير الغربي، ينصبّ على الدولة باعتبارها الهدف الرئيسي للأمن الذي يُفسّر باعتباره أمن الدولة أو الأمن القومي.

2. يجب أن يكون المعيار الذي تُصنف على أساسه قضية ما باعتبارها "تهديداً" هو مدى تعريضها حياة السكان للخطر.

3. التهديدات الأمنية الناشئة والمستقبلية بطبيعتها العابرة للحدود تفرض ضرورة التصدّي لها على جميع المستويات من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي مع التركيز بشكل خاص على المستوى الإقليمي.

وفي ختام مناقشات اليوم الثاني تناول ريتشارد أ. كلارك، المستشار السابق للرئيس الأميركي، المنسّق القومي لمكافحة الإرهاب، شريك في مؤسسة "جود هاربر كونسالتينج" في الولايات المتحدة الأميركية، في ورقته البحثية، الحديث عن "مدن المستقبل الذكية: الانعكاسات على أمن الدول"، موضّحاً أن نطاق الحَضَر يزداد حالياً على نطاق واسع؛ حيث يعيش 50% من سكان العالم في مدن، وأن هذا العدد في ازدياد مستمر، بخاصة في البلدان النامية. ولفت النظر إلى أن هذه المدن الضخمة معرّضة لتهديدات أمنية عامة، مثل أحوال الطقس السيئة، والاضطرابات المدنية، والحوادث الصناعية، والكوارث الطبيعية، وتفشّي الأمراض المعدية، والحوادث الأمنية الإلكترونية، والهجمات الإرهابية. كما أن كثافة السكان تزيد من أهميّة هذه الأحداث عند وقوعها.

وأوضح كلارك أن التقنيات الحضرية الذكية تتحكّم في الأنظمة التي تدير شؤون المدينة؛ كخدمات المياه، والنقل، والإضاءة، وحركة المرور، والقمامة، والمباني الصديقة للبيئة، والطاقة النظيفة، والأمن بطبيعة الحال. مبيّناً أنه يمكن للوسائل التقنية أن تجعل حياتنا أكثر أمناً وأماناً. فتساعدنا بطاقات الهوية البيومترية في استخدام البطاقة ذاتها للدخول إلى منازلنا، وسحب النقود، واستخدام وسائل النقل العام. كما يمكن أن تساعد كاميرات المراقبة الأمنية في تحسين الوعي. وأضاف أن أجهزة الاستشعار الذكية ستتمكّن في المستقبل القريب من اكتشاف المتفجّرات والكشف عن الخوف الذي يشعر به المهاجمون. مبيّناً أن الحكومات تتلقّى هذه الأنظمة من القطاع الخاص، باستثناء القليل منها، الأمر الذي يجعل من الشراكة بين القطاعين العام والخاص أمراً ضرورياً.

ومع ذلك لفت كلارك النظر إلى أن هناك مخاطر من الهجمات الإلكترونية، والتعدّي على خصوصية الأفراد، والتطبيق دون المستوى، بما يسمح للأشرار، على حدّ قوله، بالاستفادة من الأنظمة (بخاصة تكامل الأنظمة). وهو ما يمنح تلك النظم، التي تمّ تصميمها بهدف تحسين نوعية الحياة الحضرية، الفرصة للخصوم لتعطيلها بطرق شتّى. ولذلك يؤكد كلارك أننا بحاجة إلى تحديد الأدوار والمسؤوليات الحقيقية لكل من الحكومة والقطاع الخاص من حيث الأمن.

وتختتم اليوم فعاليات المؤتمر بعقد جلستين تتناول إحداهما الحديث عن استشراف الاقتصاد العالمي، وتتطرق الأخرى إلى وضع خريطة طريق لمستقبل دول الخليج العربية، تعقبها الكلمة الختامية للمؤتمر للدكتور جمال سند السويدي، مدير عام "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية".