هل تقع مصر في قبضة الإسلاميين؟

بقلم: د. أحمد صبرة

نتيجة الاستفتاء في حد ذاتها ليست هي المهمة، المهم هو الطريق الذي أدى إليها. الكيفية التي اقتنع بها الناس بأن يصوتوا بنعم على التعديلات الدستورية بأغلبية واضحة. لا يمكن تصور أن أكثر من قالوا نعم على هذه التعديلات قد قالوها بناء على دراسة متأنية لماهية هذه التعديلات، والترجيح بين الموافقة أو الرفض، ثم الوصول إلى رأي محدد هو "نعم". كل الشواهد التي تناقلتها وسائل الإعلام ومواقع الانترنت، وحتى حركة الناس في الشارع تقول إن هناك استقطابا حادا ألقى بظلاله في الأسبوع السابق على الاستفتاء بين قوتين رئيسيتين: كتلة الإسلام السياسي بكل أطيافها وتناقضاتها الداخلية، وكتلة الأحزاب الفاعلة في ثورة 25 يناير والائتلافات الشبابية التي تكونت من رحم هذه الثورة. قالت الأولى نعم، وقالت الثانية "لا". وبينما لم تحدد المؤسسة الدينية الإسلامية الرسمية "الأزهر" موقفا من هذه التعديلات، دخلت المؤسسة الرسمية المسيحية بقوة وأعلنت موقفها الرافض لهذه التعديلات.

ما يثير القلق جدا في هذا السياق أن الخطاب الإسلامي المؤيد للتعديلات كان خطابا مزدوجا، فقد خاطب الإعلام والرافضين للتعديلات بوجه. وخاطب الناس في الشارع: الكتلة التصويتية التي سترجح أحد الرأيين بوجه آخر. خاطب في الإعلام عقول النخبة المثقفة وربما العالم الخارجي، وقدم لهم ما يبدو أنه مقنع ومعقول. بينما تحرك في الشارع ليخاطب غرائز الناس وعواطفهم. طرح في الإعلام أسبابا ربما تبدو مقنعة من أن التعديلات ليست هي نهاية المطاف، وأننا سنتحرك بعدها إلى انتخابات نيابية ستؤدي إلى دستور جديد بنص هذه التعديلات، وهذا ما يريده الرافضون في نهاية المطاف. وفي الشارع فإنه كان مرعبا. أخاف الناس من أن التعديلات ستؤدي إلى حذف المادة الثانية من الدستور التي تنص على الهوية الإسلامية لمصر. ومن أجل أن يؤكد كلامه قال إن المسيحيين سيصوتون بلا، وهذا يعني أن هناك نية مبيتة لإلغاء المادة الثانية. ثم قال إن التصويت بنعم سيؤدي إلى الاستقرار وسيقود إلى استتباب الأمن، وربما يقود إلى الرخاء. ثم قال أخيرا إن التصويت بنعم على التعديلات واجب شرعي على كل المسلمين.

هذا الاحتشاد الذي قاده التيار الإسلامي بكل أطيافه أتى ثماره سريعا. خرجت كتل بشرية كلها على قلب رجل واحد تصوت بنعم تحت تأثير الغرائز، تحت تأثير العقل الجماعي والخوف الذي ليس له مبرر من مجهول لن يأتي. هنا لا أتحدث عن الذين صوتوا بنعم اقتناعا بموقفهم وتمحيصا للوضع السياسي الذي قادهم إليه. أتحدث عن هؤلاء الذين لا يمحصون، وليس لديهم وقت لهذا. ولا استعداد أن يتقبلوا نقيض موقفهم العاطفي. لأنهم ببساطة اختاروا نعم تحت وهم أنها هي التي ستحفظ لهم دينهم، هويتهم، واستقرارهم. غير مدركين أبدا أن قول "لا" قد تؤدي إلى النتيجة نفسها، لكن من طريق أقصر.

لكن عجلة التيار الإسلامي من تمرير التعديلات الدستورية ربما تخفي أمرا آخر. ستقود هذه التعديلات إلى انتخابات برلمانية في فترة زمنية قصيرة: شهور معدودة، فهل لدى التيار الليبرالي الذي فجر الثورة وقدم أكثر شهدائها استعداد لهذا. لا أظن ذلك، وما أسفرت عنه نتيجة الاستفتاء بالنسب التي أعلنت ربما تكون هي نفسها نتيجة الانتخابات التشريعية. بمعنى آخر سيتمخض مجلس الشعب القادم عن أغلبية كاسحة للتيار الإسلامي وأقلية منزوية للتيار الليبرالي. عندئذ ستكون النتيجة من عجائب الأمور. يدعو التيار السلفي إلى التزام البيوت قبيل الثورة ويحرم الاشتراك فيها، ويمالئ الحاكم السابق على كل ما يجعل مصر في ذيل قائمة الأمم. لكنه في النهاية هو الذي يفوز بالغنيمة. وإذا أردنا أن نشخصن المسألة: يدعو وائل غنيم ذو التوجهات الليبرالية وصحبه إلى الخروج يوم 25 يناير الذي تحول بعد ذلك إلى ثورة، ويترك حسني مبارك الحكم. ثم يأتي طارق البشري ذو التوجهات الإسلامية وصحبه بعد ذلك ليصوغوا تعديلات تقصي وائل غنيم المتزوج من أميركية وربما تقصي بعض صحبه من حق الترشح لمنصب رئيس الجمهورية. فهل نحتاج إلى ثورة أخرى في العقول؟ أظن أن الإجابة هنا بنعم.

أنشرها ولك الأجر والثواب.

أليس هذا ما يقوله بعضهم؟

د. أحمد صبرة