البحرين وصراع المجالات الحيوية

بقلم: د. دياري صالح مجيد

دولة البحرين التي تقع جغرافيا فيما يسمى بمنطقة الخليج وتجاور العديد من الدول كما هو الحال بشكل خاص مع المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية في ايران، حيث تتضارب التوجهات والرؤى وتختلف وتتقاطع العديد من الايديولوجيات والمصالح ما بين هاتين الدولتين العملاقتين في المنطقة، واللتان تبدوان لمن يضع خريطة المنطقة امام عينيه وكانهما تطبقان مع بعضهما على بقية دول الخليج وفقا لمؤشرات جغرافية – سياسية مهمة في كل منهما تبدا بالمساحة واعداد السكان والموارد ولا تنهتي عند حدود بسيطة يمكن حصرها بهذا المقال القصير.

بعد الاحتلال الاميركي للعراق في 9-4-2003 خسرت دول الخليج ما كان يسمى بعنصر التوازن الاقليمي في المنطقة ممثلا بالعراق الذي كان يلعب، وبدعم دول الخليج ذاتها، دور الموازن للقوة الايرانية المتصاعدة التي تعد في نظر العديد من دول الخليج مصدرا مهما من مصادر الخطر التي تخشى منها العديد من الدول الصغيرة الحجم هناك ومنها اليوم بشكل خاص البحرين - الامارات العربية المتحدة قطر عمان والكويت، خاصة في ظل لعبة الكر والفر بين ايران واميركا والتي تتخذ من دول المنطقة مصدرا مهما من مصادر الضغط في لعبة الجيوبولتيك التي لا تعترف بالعواطف والاحاسيس بل بالمصالح فقط ولا غير.

مع استمرار التمدد الجغرافي لظاهرة الاحتجاجات الشعبية في المنطقة، تصل هذه الاحتجاجات اليوم الى معقل مهم من معاقل المصالح الاميركية في العالم وهي منطقة الخليج العربي التي وصفها مخططو الاستراتيجية الاميركية ومنذ عهد الرئيس الاسبق جيمي كارتر "على انها منطقة حيوية للمصالح الاميركية ولن تسمح اميركا لاي طرف اقليمي او دولي بالعمل على تهديد تلك المنطقة لانه سيكون تهديدا مباشرا للمصالح الاميركية"، لذا فان المجال الحيوي لمصالح القوة الاكبر في العالم يشهد اليوم بداية انطلاق شرارة الاحتجاجات التي اطاحت بالامس القريب بحكومات مهمة لمصالح اميركا في العالم، كما هو الحال مع مصر وتونس وربما ليبيا لاحقا. وهنا توجد خشية مشتركة لدى دول المنطقة الخليجية واميركا بان تكون البحرين نقطة الانطلاق الجغرافية لتغييرات غير مرغوب بها في الخليج وبما يضر بالوضع الجيوبولتيكي القائم هناك منذ عقود طويلة، مما دعا السعودية الى اتخاذ القرار بارسال قوات درع الجزيرة الى البحرين في سابقة مهمة تدلل على درجة الخطر في مجمل المنطقة.

من ناحية لا بد من النظر باحترام الى مطالب الشعب البحريني الطامح الى التمتع بشيء من التحرر والديمقراطية في حياته السياسية، ولابد من ناحية اخرى النظر باحترام ايضا الى الشباب البحريني الجريء الذي كسر القوالب التقليدية في التعاطي مع الشأن السياسي لبلادهم، وهو بالنهاية ما يجب ان يكون شأناً داخلياً بحتاً لامجال فيه الى تدخل اي قوة اقليمية او دولية طالما ان البلاد لا تتعرض الى غزو خارجي.

مثل هذه الرؤية الواقعية التي يتمناها كل منصف للشعوب الحرة الكريمة، طغت عليها رؤية اكثر براغماتية اساسها الجيوبولتيك الذي اشرنا اليه سابقا في لعبة التنافس الحالية التي تحاول فيها ايران العمل على استغلال الظروف الحالية في البحرين لتوسيع مجالها الحيوي فيها على حساب المجال الحيوي السعودي والاميركي في المنطقة بعد ان اتفقت الكثير من الدراسات المعمقة على خسارة الادارة الاميركية وقوى الاعتدال العربي لعملية التاثير في المجال الحيوي العراقي، وهو امر لا ترتضيه القوى الاخرى وعلى راسها السعودية التي تعيش اليوم حالة من التنافس الكبير الظاهر احيانا والمستتر احيانا اخرى، على كيفية الحفاظ على منطقة الخليج بعيدا عن التأثير الايراني اولاً، وبعيدا عن فقدان التوازن لصالح الاخيرة ثانياً، وبعيدة قدر الامكان عن ان تتحول المنطقة هناك الى ارض صراع مباشر بين ايران واميركا ثالثاً.

في ضوء ما سبق نخشى ان تتحول المطالب الشعبية في التغيير الدستوري والقانوني في البحرين الى صراع اخر مشابه للصراع العراقي – العراقي بالنيابة عن دول المصالح الداعمة للاطراف المختلفة او ارض اخرى مشابهة ايضا لارض العراق من منظور الصراع المصلحي بين القوى الاقليمية التي عادة ما تدفع بعجلة الصراع بعيدا عن اراضيها لتجعل من اراضي الاخرين مسرحا جغرافيا لتصفية الحسابات، لتضيع وفقا لهذه اللعبة البائسة طموحات الشعب البحريني في خضم صراع اخر متربص بالبلد وراء الستار، للانقضاض على الارض البحرينية، من اجل تحقيق مزيد من المكاسب الارضية – المكانية في ضم هذا الجزء او ذاك واقعيا او رمزياً في ظل لعبة التنافس على المجالات الحيوية المهمة في المنطقة، لتكون تعبيراً حقيقياً عن انعطافة خطيرة في العلاقات الاقليمية والدولية في الخليج خاصة اذا ما حاول البعض ان يضيف بطريقة ما البعد الطائفي – المذهبي كمتغير حاكم لمساندة او معارضة الاطراف المؤثرة في الشأن البحريني اليوم وفقا لما يجري هناك على ارض تلك الدولة، التي قد تبتلعها رياح الانقلاب على التغيير الجماهيري الذي عادة ما يكون بريئا وعفويا ولا يخلو من الحس الوطني، مقارنة بمن يريد الانقلاب عليه لاهداف وغايات ابعد ما تكون عن هموم الفرد البحريني ذاته دون الحاجة الى تسميته او نسبه الى مذهب او اخر، فمن سينتصر في النهاية يا ترى السياسة والصراع الاقليمي ام ان الشعب البحريني هو الذي سيكون الخاسر الاوحد في هذه اللعبة التي لن يلتفت فيها احد لنداء شاب يطالب بحقه في الحياة الحرة الكريمة او صرخة ام ثكلها الصراع الاقليمي في فلذة كبدها؟

أ. م. د. دياري صالح مجيد

كاتب واكاديمي عراقي