من تونس ومصر إلى ليبيا واليمن.. محنة الثورات الشعبية في البلدان العربية

بقلم: ماجد كيالي

من تونس انطلقت مسيرة الثورات الشعبية لتغيير النظم السياسية في البلدان العربية، لكن الثورة الشعبية في مصر، هي التي أكدت بأن عملية التغيير في تونس لم تكن مجرد حالة استثنائية، وأن حال الاستبداد والتخلف والفساد في البلدان العربية، والمقيمة منذ أكثر من نصف قرن، لم تعد مقبولة.

أما التطورات الحاصلة في كل من ليبيا واليمن والبحرين (وغيرهم) فأكدت أن الطريق نحو التغيير السياسي ليست واحدة، ولا ميسّرة، إذ لا يمكن استنساخ تجربة من أخرى، وثمة عوامل عديدة تتحكم بهذا الأمر، في كل بلد، من مثل: درجة تطور البني الاجتماعية، ومستوى تماسكها، ودرجة تمأسس أجهزة الدولة، ومدى استقلاليتها عن النظام السلطوي القائم، وعمق التدخّلات الخارجية فيه.

هكذا شهدنا في تونس ومصر ثورتين شعبيتين، من الطراز الهادئ والسلمي والجذري والعميق. وهاتان الثورتان لم تتوقفا عند حد إسقاط النظام القائم، والقطع مع أنظمة الاستبداد والفساد (وهذا يشكل ثورة بحد ذاته)، فقط، إذ هي شملت، أيضا، إعادة صوغ الدستور، وإطلاق الحريات، كحرية الإعلام والتظاهر وحق تشكيل الأحزاب، كما شملت تغيير الإدراكات الشعبية، باتجاه تكريس ثقافة تتأسس على المواطنة، واحترام حرية الرأي، والتسامح مع المختلف، والقبول بالتعددية والتنوع، والإرتقاء بالسلوكيات والقيم الفردية.

لكن مسارات التغيير السياسي في كل من اليمن والبحرين وليبيا قطعت مع المسار الذي شقته ثورتا تونس ومصر. ففي اليمن مازال الباب مفتوحا على مصراعيه أمام احتمالات عديدة، لا يمكن التكهن بها، وهي تتوقف على طريقة تعاطي النظام مع الحراك الثوري للشعب اليمني، وطول نفَس الحركة الشعبية، واستعدادها لتقديم التضحيات، لترسيخ ذاتها، وفرض أجندتها. أما في البحرين، حيث وعد ملكها بإجراء إصلاحات دستورية مهمة، للتخفيف من الاحتقان الشعبي فيها، فإن الأمور باتت تسير في اتجاه آخر مع دخول قوات عسكرية («درع الجزيرة») إلى هذه الجزيرة، في تطور لافت، يحمل في طياته رسائل داخلية وخارجية متعددة؛ ضمنها محاولة وضع حد للمداخلات الإيرانية في المنطقة.

مع كل ما تقدم فإن ما يحصل في اليمن والبحرين يؤكد أن ثمة نوعاً من التوازن بين الفاعلين السياسيين (السلطة ومؤيديها من جهة، والقوى الشعبية المطالبة بالإصلاح والتغيير من جهة أخرى)، كما ثمة نوع من التوافق، أو التواطؤ الضمني، على شكل المغالبة. فالسلطة في اليمن والبحرين مع استخدامها للعنف بدرجة محسوبة، وحذرة، تحاول الإيحاء باستعدادها للقيام بإصلاحات سياسية مهمة، وبالمقابل تحاول القوى الشعبية المعارضة المحافظة على وتيرة ضغطها، بالطرق السلمية الهادئة والمضبوطة، حتى لا تُستدرج لمربع المواجهات المسلحة، التي قد تضرّ بها (مهما كانت النتيجة)؛ ما يحتسب لصالحها.

هكذا فإن عملية التحول الديمقراطي في البلدان العربية، بالطرق السلمية والهادئة، باتت تواجه محنة كبيرة في ليبيا، من نواح عدة، أهمها:

أولاً، إن النظام في هذا البلد، الذي ظل، طوال أربعة عقود من الزمن، لا يبالي بشعبه، ولا بمحيطه، تحلّل من أية مسؤولية وطنية أو أخلاقية، في محاولته الحفاظ على ذاته، بذهابه السريع نحو الصراع المسلح والمدمر، لحسم الأمر. والنتيجة أن النظام استطاع استدراج، وتوريط، القوى الشعبية الثائرة عليه، بالصراع المسلح، أي بالخروج من ميادين المدن إلى ساحات المعارك، وهو أمر لاشك سينعكس سلبا على أصالة التحول الديمقراطي في هذا البلد، وإشاعة ثقافة العنف فيه.

ثانياً، إن الصراع المسلح في ليبيا سيؤدي حتما إلى نوع من التدخلات الدولية في هذا البلد، التي يصعب تحمّل تداعياتها أو مخاطرها فيما بعد، على مستوى ليبيا وشمالي أفريقيا. والمعنى من ذلك أن نظام القذافي يدمر ذاته، ويدمر ليبيا، مرتين، مرة بتلويث ثورتها، بالصراع حتى آخر نقطة دم («من بيت لبيت ودار لدار ومن شارع لشارع ومن زنقة لزنقة»)، ومرة ثانية عبر تهديد سيادة ليبيا، على أراضيها، بمحاولاته تقويض حق شعب ليبيا بتقرير مصيره، من خلال استدراج التدخلات الخارجية في هذا البلد.

ثالثاً، إن تشظي الواقع القبلي في ليبيا ينعكس سلبا على مسارات الثورة الشعبية فيها، فقد تعمد العقيد إبقاء شعب ليبيا عند حدود التوزيعات القبلية، ما قبل الوطنية، أي انه حال دون قيام الشعب. وما فاقم من هذا الوضع حؤول نظام القذافي دون قيام الدولة، أيضا، أي دولة المؤسسات والقانون، وهذان الأمران سهلا للنظام في ليبيا تصديه للثورة الشعبية، وهما اللذان يضعفان من الطابع الشعبي لهذه الثورة.

لكن إذا خرجنا من الوضع المأساوي الحاصل في ليبيا، فسنجد أن ثمة جوانب أخرى لمحنة التحول الديمقراطي في البلدان العربية، تتجلى بنقص مفهوم المواطنة في البلدان العربية، مع وجود عصبيات ماقبل وطنية، أي عصبيات طائفية ومذهبية واثنية وقبلية، لاسيما مع وجود استطالات إقليمية لبعض هذه العصبيات. وقد شهدنا في ميدان التجربة بأن هذا المركّب يعوّق، وربما يعطّل، من عملية التحول الديمقراطي في بعض البلدان (خذ مثلا واقع العراق ولبنان والبحرين).

فوق ذلك فإن واقع الاحتلال في فلسطين والعراق لا يتيح المجال لبناء ديمقراطية نموذجية فيهما، رغم كل الادعاءات بشأن ذلك. هكذا شهدنا أن حكومة المالكي لم تتحمل مجرد بعض المظاهرات المعارضة، والمطالبة بإصلاح المؤسسات واستئصال الفساد، وأن المالكي نفسه تكشّف عن مشروع ديكتاتور، يمنع المظاهرات، ويواجه مطالبات الإصلاح بالقوة العسكرية. والأمر في فلسطين لا يختلف عن ذلك البتة فالسلطة هناك تقيد المظاهرات، التي لا تتناسب مع هواها وسياساتها (في الضفة وغزة أي عند فتح وحماس)، بل إنها لا تتورع عن استخدام القوة لقمع المعارضين وإسكاتهم.

لقد أكدت الثورات الشعبية العربية بأن عصر التحولات الديمقراطية في البلدان العربية قد بدأ، أما بالنسبة لتحقق هذه التحولات فيبدو أن شوطاً كبيراً، ينبغي قطعه في هذا الاتجاه. ولعل ذلك بديهي في منطقة خطت متأخرة نحو الحداثة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وفي منطقة تعيش على بحر كبير من النفط، وتتصارع عليها قوى دولية وإقليمية؛ من أميركا وأوروبا إلى إسرائيل وإيران وتركيا.

ماجد كيالي