ثورة 'المندسين' في سوريا

بقلم: نجيب الغضبان

في تواريخ الثورة العربية الراهنة، قد يكون يوم الخامس عشر من آذار/مارس هو اليوم المناسب لانطلاقة الثورة السورية. السبب الرئيس لهذا الاختيار هو أنه اليوم الذي اختاره أبطال "الفيس بوك"، وخرج فيه متظاهرون في دمشق وحلب، لم يكونوا على معرفة ببعضهم البعض إلا من خلال التعارف الافتراضي، ولا تربطهم إلا قضية المطالبة بالحرية. ومع أن المظاهرة الابتدائية كانت متواضعة بالحالات التونسية والمصرية، إلا أنها كسرت حاجز الخوف، وأعقبها قيام أقارب المعتقلين السياسيين وبعض النشيطات والنشطاء والمفكرين الخروج في "تظاهرة" للتعاطف مع المعتقلين السياسيين المضربين عن الطعام في اليوم الثاني.

اختيار صفة "المندسين" لأقارب المعتقلين والمتعاطفين معهم هو اختيار المسؤولين السوريين، ومنهم المسؤول عن إدارة التوجيه المعنوي في وزارة الداخلية العتيدة. بداية أكد المسؤول المذكور رفضه لوصف تجمع المواطنين الذي سار باتجاه وزارته، بأنه "مظاهرة"، لأن السوريين لا يتظاهرون إلا في المناسبات، وتحديداً لتأييد نظامهم ورئيسهم المحبوب. وسبق لوزير الداخلية أن أنكر على المواطنين الذين تجمهروا في منطقة الحريقة في دمشق التجمهر لنصرة شاب كانت عناصر الشرطة يضربونه، سبق للوزير أن استخدم عبارة "هذه مظاهرة"، بطريقة مستهجنة، لأن ما رآه لا ينطبق على التعريف الرسمي لهذا المصطلح. مدير التوجيه المعنوي في وزارة الداخلية، زاد على الموضوع بأن ما جرى أبعد ما يكون عن المظاهرة، وأن كل ما في الأمر أن بعض أقارب المعتقلين، بعضهم سياسيون وبعضهم غير ذلك، قد أتوا بمطالب محددة، وتم استقبالهم بالطريقة التي تليق بمقام وكرامة المواطن السوري من قبل أجهزته الأمنية الساهرة على حمايته ورعايته! ولكن الإشكال أن بعض "المندسين" قد نجحوا في التسلل بين أهالي هؤلاء المعتقلين، الأمر الذي أساء إلى قضية هؤلاء وإلى ذويهم. ما لم يقله مسؤول التوجيه المعنوي أنه جرى اعتقال 33 شخصا بينهم نساء وأطفال، ومفكرون من وزن الدكتور طيب التزيني من بين "المندسين"، ومع أنه أطلق سراح البعض، إلا أن آخرين بقوا رهن الاعتقال.

وعلى هذه الخلفية، وخلفية اعتقال بعض الأطفال في مدينة درعا جنوب سوريا، لأنهم خطوا بعض الشعارات التي طالبت بسقوط النظام السوري، جاءت الدعوة إلى جمعة "الكرامة". لبي النداء التظاهر في جمعة الكرامة "مندسون" في الجامع الأموي في دمشق، و"مندسون" في كل من درعا، وبانياس، وحمص، بينما حال الوجود الأمني الكثيف إلى تعذر خروج المزيد من "المندسين" في كل من حلب ودير الزور والقامشلي. ولن ندخل هنا في تفاصيل ماجرى في هذه المدن، فلقد تمت تغطية الحدث وسائل الإعلام، بما في ذلك قناة "الجزيرة" التي يتهمها الكثير من السوريين بأنها غير متعاطفة مع قضيتهم، وذلك للاعتبارات السياسية للدولة المضيفة وعلاقتها الجيدة بالنظام السوري. بدلاً، سنتعرض لبعض أبعاد هذه الظاهرة، وكيفية تعاطي النظام السوري مع هذه الانتفاضة.

أولاً، لا بد من وضع حركة الاحتجاجات السورية هذه في إطار الثورة العربية. فلقد تفاعل الشعب السوري كغيره مع الثورة التونسية، وبكى وفرح لاستشهاد محمد البوعزيزي، وابتهج لخلع بن علي. وتابع تظاهرات ميدان التحرير، وأنشد مع إخوانه المصريين الشعار المحبب "الشعب يريد إسقاط النظام"، ورقص يوم أعلن عمر سليمان تخلي مبارك عن الحكم. كما أنه غضب مع الشعب الليبي الباسل ضد استخدام الطائرات والأسلحة الثقيلة في قمع ثورة المتظاهرين السلميين في ليبيا، وزاد حنقه على نظامه عندما خرجت تقارير تتحدث عن مساعدة النظام السوري لكتائب القذافي، وصلى ودعا لخلاص ليبيا من سفاحها وكتائبه وأبنائه. وأخيراً، لم ينس أن يتعاطف مع أهل اليمن، وكافة المطالبين بالحرية والكرامة من المحيط إلى الخليج. وعلى الرغم من محاولات النظام السوري عزل المواطن السوري عن هذه الثورة المباركة، من خلال الإنكار حيناً، والحديث أن سوريا ليست تونس أو مصر أو غيرها، ومقالات بثينة شعبان التي تمتدح الثورات العربية لكنها لا تراها ذات صلة بسوريا، ومقولات الإعلام السوري، رغم كل ذلك فلم ينجح النظام في عزل الإنسان السوري عن التفاعل مع هذه الثورات.

ثانياً، تابع الشعب السوري رد فعل النظام على الثورات العربية، وساءه كيف قرأ النظام هذه الأحداث، وأنها لاتعنيه لأن سوريا دولة "ممانعة"، واعتبر مقولة بشار الاسد لإحدى الصحف الغربية بأن الشعب السوري يحتاج إلى جيل كامل حتى يصل إلى مستوى مطالب الثورتين التونسية والمصرية مهينة له، كما رفض استهانة بثينة شعبان بعقله عندما كانت تمتدح الثورات العربية وكأن سوريا ليست عربية، وضحك في سره على الرشوات الصغيرة التي قدمها النظام على شكل معونات للعائلات الفقيرة.

ثالثاً، طالب المثقفون والنشطاء السوريون النظام السوري، ورأسه بشار الأسد، باتخاذ خطوات حقيقية على طريق الإصلاح الحقيقي، وأبدى هؤلاء استعداداً لقبول منطق التدرج، على أن تكون النهاية الطبيعية إنهاء حكم الحزب الواحد، والانتقال إلى نظام ديمقراطي حقيقي. لم تجد هذه المطالب أي تجاوب، واستمر النظام في تجاهل هذه الأصوات الإصلاحية، والتأرجح بين الإنكار من ناحية، والتمني أن تكون مقولات المنتفعين والخائفين في سوريا تعبر عن أغلبية السوريين، لكن تظاهرات دمشق والقامشلي وحمص وبانياس قد أظهرت غير ذلك، وقوضت انتفاضة درعا تمنيات النظام. ومن المهم هنا أن نشير إلى أن انتفاضة درعا قد فاجئت النظام الذي كان يركز مراقبته الأمنية على المدن الرئيسية، خاصة دمشق، حيث قامت عناصر الأمن بمحاولة وأد خروج المتظاهرين من المسجد الأموي، حيث تواجد المئات منهم بلباس مدني، وقاموا بالاعتداء بالضرب على "المندسين" من المصلين الذي نادوا بنصرة السجناء السياسيين.

رابعاً، من المهم التعليق على طبيعة الشعارات التي يستخدمها المنظمون، وهي في أغلبيتها جاءت عفوية، وذكية، ومعبرة عن القضايا الكبرى التي تتمناها أغلبية الشعب السوري. أول هذه الشعارات، "الشعب السوري مابينذل". كان هذا هو الشعار الذي استخدمه متظاهرو الحريقة، تعليقاً على إساءة السلطات الأمنية لمعاملة المواطنين، ثم دخلت الشعارات التالية: "الله، سوريا، حرية وبس"، "وحدة وطنية"، "سلمية"، "بالروح بالدم نفديك ياحرية"، "بعد اليوم مافي خوف"، وغيرها من شعارات محددة، مثل المطالبة برحيل المحافظ وبعض المسؤولين الأمنيين، والإشارة إلى الفساد الذي يجسده في سوريا رامي مخلوف. ومع أن هذه الشعارات لم تصل إلى درجة "الشعب يريد إسقاط النظام"، إلا أن كل منها تخاطب إحدى مقولات النظام التي تتساقط الواحدة بعد الأخرى، وأن مقولة "حرية وبس" صيغة مخففة لشعار الشعب يريد إسقاط النظام.

أخيراً، لاشك أن الشعب السوري ممتن لأخواته وإخوانه في تونس ومصر واليمن وليبيا بالشكر، لأنهم أسقطوا أغلبية مقولات الأنظمة حول خطورة البديل، وادعاء الأنظمة الحاكمة أنها هي الضامن الوحيد والأبدي للأمن والازدهار، وأن كل من يتصدى لهذه المقولات هو خائن، ومتطرف، وإرهابي، وجرذ، وحشرة، ومتعاط للمخدرات وحبوب الهلوسة، وعضو في منظمة القاعدة، وهو في الوقت ذاته، عميل للموساد والمخابرات الأميركية. السلطات السورية اعتمدت مصطلح "المندسين" لوصف الشباب السوري المنادي بالحرية، وأشارت إلى أن هدفهم الرئيسي هو "إثارة الشغب"، وأن خلفهم "أجندة خارجية". هذه الاتهامات أخف تلك التي استخدمتها الأنظمة العربية الأخرى، وهذا دليل على أنه كلما كانت الاتهامات فجة ومبالغ فيها، كلما كانت أكثر مدعاة للتفكيك والتهكم.

باختصار، انطلقت ثورة الشعب السوري، من خلال الحراك التراكمي الذي لم تغب عنه مدينة أو فئة أو طائفة، ولعل المتابع لصفحة الثورة السورية التي وصل عدد المشتركين فيها ألى أكثر من ستين ألف، وتتزايد بشكل مطرد، النقاش يدل على أن الثورة السورية مشابهة في طبيعتها وشعاراتها وأدواتها للثورتين التونسية والمصرية، وهناك حرص شديد على الوحدة الوطنية والطبيعة السلمية لهذه الثورة، وهناك وعي على مستوى عال من أن من يحاول الانحياز عن هذه الخطوط العريضة هو على الأغلب "المندس" من قبل الأجهزة الأمنية التي فشلت حتى الآن في حرف هذه الثورة عن مسارها. لن يضير الشباب السوري أن يندس في الثورة العربية، ليقول إنه—وبفخر- جزء من هذا الشعب، ويريد مايريده إخوانه العرب: إسقاط النظام الاستبدادي الفاسد، واستبداله بنظام ديمقراطي تعددي. الشابات والشباب السوري يقولون: إذا كان هذا نوع من الاندساس، فنحن مندسون بامتياز.

نجيب الغضبان

أكاديمي سوري