العاهل السعودي يرضي الشعب بالمنح المالية، ويرضي المؤسسة الدينية بالمزيد من النفوذ

بقلم: سليمان نمر

في بعض الدول يخرج ازلام انظمتها الحاكمة بمظاهرات مضادة ضد جموع الشعب المتظاهرين والمحتجين المطالبين بالاصلاح والتغيير، فيضربون المتظاهرين ويشتبكون معهم ليأتي النظام لاحقا ويبرر تدخله الامني لقمع المتظاهرين او ليبيّن انه ليس كل الشعب الذي يتظاهر محتجا. وفي بعض من هذه الدول يخرج النظام وازلامه لقتل المعارضين والمتظاهرين دون شفقة او رحمة.

في السعودية لم يخرج الشعب للتظاهر ولم يلبِ احد دعوات الخروج للاحتجاج والمطالبة بالاصلاح، رغم انه يوجد العديد ممن يريدون من الملك إطلاق دورة الاصلاح وتسريعها، ربما ليس بسبب الفتوى "الشرعية" للمؤسسة الدينية الرسمية التي حرمت التظاهر، وربما ليس بسبب الاجراءات المشددة التي اتخذتها الاجهزة الامنية لمنع التظاهر، بقدر ما أن الأمر يرتبط بما هو معروف عن الشعب السعودي في احترامه لقادته، وبقدر ما هو معروف عن حب السعوديين والمقيمين للملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذي يعتبرونه الوحيد القادر على تحقيق الاصلاح المطلوب الذي بعض المحافظين والمتحفظين في مؤسسة الحكم والادارة وفي المؤسسة الدينية الى عرقلته.

فالفتاوي مهما كانت شرعيتها، والاجراءات الامنية مهما كانت شدتها، لا تستطيع في هذا الزمن العربي الجديد ان تمنع شعبا اذا شعر بالظلم في أن يثور أو يحتج.

الشعب السعودي خرج (من دون ازلام ومستزلمين) للتظاهر احتفالا بما منحه مليكهم لهم من هبات مالية ومساعدات لتحسين مستوى عيشهم يوم الجمعة الماضي ليكون يوم الجمعة يوم حب وولاء.

والملك عبدالله بن عبدالعزيز تعمد ان يتحدث لشعبه يوم الجمعة - وبعد اسبوع من رفض شعبه لدعوات التظاهر- ليجعل من يوم الجمعة يوم حب متبادل مع الشعب فشكر شعبه.

وترجم هذا الحب - وعلى الطريقة السعودية- بتقديم الهبات والمنح والمساعدات لتحسين مستوى عيش الناس.

ونعتقد ان الملك السعودي اراد من قراراته هذه ان يرضي الاطراف الرئيسية الثلاث في بلاده وهم:

1- المواطنون

تضمنت القرارات منح موظفي الحكومة والعسكريين راتب شهرين وكذلك الطلبة مكافأة شهرين ومنح الباحثين عن العمل مبلغ الفي ريال كمعاش شهري، وتخصيص مبلغ 250 مليار ريال لبناء نصف مليون وحدة سكنية (لم يذكر القرار خلال كم سنة)، ورفع قيمة قرض السكن من 300 الف ريال الى نصف مليون ريال، واعتماد مبلغ 16 مليار ريال لتنفيذ وتوسيع عدد من المدن الطبية.

وتشمل القرارات الملكية السعودية تشكيل هيئة وطنية لمكافحة الفساد بالاضافة الى تحديد الحد الادنى لرواتب السعوديين في الحكومة والقطاع العام بمبلغ 3 الاف ريال وتشديد الرقابة على الاسعار.

2- المؤسسة العسكرية والامنية

ترقية العسكريين في الجيش وفي اجهزة الامن الى الرتبة التي تلي رتبتهم واعتماد توفير سكن لكل العسكريين وتكليف وزارة المالية مناقشة وتلبية حاجات العسكريين المالية والصحية وتنفيذها فورا.

والمهم في القرارات الملكية المتعلقة بالأمور الامنية ان الحكومة السعودية بصدد زيادة عدد افراد القوى والاجهزة الامنية بمقدار 60 الف عسكري (حيث جاء في احد الاوامر الملكية استحداث 60 الف وظيفة عسكريه للسعوديين في وزارة الداخلية)، الامر الذي يشير الى ان الحكومة السعودية بصدد زيادة عدد افراد قوى الامن تحسبا لاحتمالات أي اضطرابات مستقبلية في البلاد.

وكان العاهل السعودي قد حيا وشكر في كلمته افراد القطاعات العسكرية (خاصا رجال الامن في وزارة الداخلية)، واصفا اياهم بانهم "درع هذا الوطن واليد الضاربة لكل من تسول له نفسه المساس بأمنه واستقراره".

3 – المؤسسة الدينية

شكر خادم الحرمين في كلمته العلماء - أي رجال الدين - في هيئة كبار العلماء أو خارجها "الذين وقفوا ديانة للرب عز وجل وجعلوا كلمة الله هي العليا في مواجهة صوت الفرقة ودعاة الفتنة" ولم تستثنهم القرارات والأوامر الملكيه من المنح وزيادة الامتيازات (والاهم النفوذ). فاولا منع العاهل السعودي وسائل الاعلام من التعرض لـ"هيئة كبار العلماء" وهي اعلى هيئة وسلطة دينية في السعودية أو انتقاد اعضائها، وكلف وزارة الاعلام باعادة النظر في قوانين المطبوعات والنشر لمعاقبة من يتعرض لهيئة كبار العلماء. وكذلك منحت القرارات والاوامر الملكية المؤسسات الدينية مزيدا من الدعم المالي لمساعدتها في اعمالها حيث تقرر العمل لصرف مليار و200 مليون ريال لترميم المساجد ولدعم جمعيات تحفيظ القرآن (منها 200 مليون ريال لبناء مقار جديدة لهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر).

ونعتقد ان السعودية - التي تمتلك احتياطات ماليه تزيد عن الـ 450 مليار دولار- قادرة على تحمل الالتزامات المالية لهذه القرارات والمقدرة بنحو 350 مليار ريال (أي نحو 93 مليار دولار) ولا تشكل أي مشكله مالية لها، لذلك ليس غريبا ان يرضي العاهل السعودي، بمثل هذه المنح والمساعدات المالية،.

ولكن نعتقد ان الملك سيتبع قرارات ارضاء الشعب والجيش والامن والمؤسسة الدينية، بقرارات الاصلاح والتغيير الاداري والسياسي خلال الايام القليلة القادمة من اجل ضخ دماء الحيوية والتجديد للحكومة والنظام، حتى لا تذهب عطاءات الملك سدى وتضيع اذا ما ترهل النظام.

سليمان نمر

sunimer@hotmail.com