لماذا تقع أعباء «الاتفاقات الموقعة» على عاتق الفريق الفلسطيني وحده؟

بقلم: معتصم حمادة

في ظل انسداد العملية التفاوضية وانتهاك «الإسرائيلي» للاتفاقات الموقعة، بات على الفريق الفلسطيني انتهاج سياسة جديدة، تقول للولايات المتحدة بلسان واضح إن هذه الاتفاقات لم تعد ملزمة لنا. وإن طريق الحل لم يعد يمر عبر رعاية واشنطن للمفاوضات

حين ذهب الفريق الفلسطيني إلى مجلس الأمن الدولي، ليشكو الاستيطان الإسرائيلي، لقي تأييد الأطياف السياسية الفلسطينية كافة، كما لقي تأييد الحالة العربية، رغم انشغالها بما يجري في مصر وتونس وغيرهما من الدول العربية.

وإن كان البعض فضّل لو أن الشكوى تكون ضد الاحتلال، وليس الاستيطان، وتطالب برحيل الاحتلال، وليس بوقف الاستيطان، إلا أن الخطوة، في حد ذاتها، شكلت مؤشرا مهما، يوضح أن الاكتفاء بالعملية التفاوضية لا يقود إلى التسوية، وأن سقف العملية التفاوضية، بالنسبة للجانب الفلسطيني، منخفض ولا يستجيب للمصالح الفلسطينية. لذلك كان مطلوبا اختراق هذا السقف، وتجاوز العملية التفاوضية، وتجاوز سياسة التقيد بقيود طاولة المفاوضات، والذهاب إلى الشرعية الدولية لعرض مسألة غاية في الأهمية هي مسألة الاستيطان وخطره على المصالح الفلسطينية وعلى مستقبل المشروع الوطني.

ذهب المفاوض الفلسطيني إلى مجلس الأمن، في ظل انذارات أميركية تحاول أن تثنيه عن قراره، وتهدده باللجوء إلى حق النقض (الفيتو).

ذهب المفاوض إلى مجلس الأمن، وهو يدرك أن الولايات المتحدة سوف تعرقل صدور قرار دولي يلزم إسرائيل، بل ويدين إسرائيل وبذلك تكون الولايات المتحدة قد خطت الخطوة التالية في الدفاع عن الاستيطان. الأولى كانت حين أسقطت «وقف الاستيطان» كواحد من متطلبات استئناف العملية التفاوضية. والثانية حين قطعت الطريق على الإرادة الدولية، وخالفت مواقف أربعة عشر مندوبا في مجلس الأمن صوتوا بالإجماع لصالح وقف الاستيطان، وإدانة السياسات الاستيطانية الإسرائيلية.

الولايات المتحدة هددت وأنذرت بأن عدم انصياع الجانب الفلسطيني لرغبتها سوف يعكس نفسه سلبا على العلاقات الثنائية الفلسطينية ـ الأميركية، كما سوف يعكس نفسه سلبا على الدور الأميركي في رعاية العملية التفاوضية.

ذهب المفاوض الفلسطيني إلى مجلس الأمن، ورفض الإنذار الأميركي، ونال تأييد المجتمع الدولي. ولم يشكل الإنذار الأميركي (ولاحقاً النقض) نهاية الكون، أو نهاية التاريخ، أو نهاية المسيرة, بل على العكس من ذلك: إن الفيتو الأميركي، دون إرادته، نقل المسيرة إلى مرحلة جديدة، بات على الفريق الفلسطيني المفاوض أن يتلمس ملامحها وأن يتفاعل معها، فما هي طبيعة وسمات هذه المرحلة؟

* * *

يصعب علينا أن نرسم ملامح المرحلة الجديدة وسماتها كافة في هذا الحيز الضيق، لكن بإمكاننا أن نقول إن أهم ما يمكن استخلاصه هو أن العملية التفاوضية وصلت، عمليا، إلى نهايتها. فإذا كان شرط المفاوض الفلسطيني، مازال على ما هو عليه: وقف الاستيطان للعودة إلى المفاوضات. فإن الوقائع تقول إن الاستيطان في تصاعد، وأن إسرائيل غير عابئة بالشروط الفلسطينية وأنها لا تتعرض لأي ضغط أميركي (أو دولي عبر اللجنة الرباعية) للاستجابة لمتطلبات العودة إلى طاولة المفاوضات. إذن، لا مفاوضات مع حكومة نتنياهو.

وإذا ما حاولنا أن نوسع دائرة القراءة، نلاحظ أن حكومة نتنياهو تتصرف على هواها، دون أية التزامات إزاء الاتفاقات الموقعة مع المفاوض الفلسطيني.

- ففي القدس، مازالت المؤسسات الفلسطينية مغلقة، ومازال التهويد على قدم وساق، وبالتالي لا التزام إطلاقا بأن القدس أرض محتلة، وأن مصيرها (كما تقول الولايات المتحدة وباقي الاتفاقات) يتحدد إلى طاولة المفاوضات.

- وفي الضفة الفلسطينية، مازال الاستيطان يتوسع، بدلا من أن يتوقف وبدلا من إزالة ما سمي بالبؤر غير الشرعية التي أقيمت بعد آذار (مارس) 2011. أي أن إسرائيل لا تلتزم أيضا ما هو خاص بها في الاتفاقات بما خص هذه المسألة.

- وفي الضفة الفلسطينية أيضا تتصرف إسرائيل في بعض المستوطنات على أنها في مصيرها النهائي سوف تصبح إسرائيلية وسوف يتم سلخها من أراضي الدولة الفلسطينية لصالح ضمها إلى إسرائيل. إسرائيل تتصرف على هذا الأساس دون أي اعتبار للموقف الفلسطيني، ودون أن يكون قد تم الاتفاق على هذا في المفاوضات.

- وفي الضفة أيضا (ومعها القدس باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة) تواصل إسرائيل بناء جدار الفصل والضم العنصري، رغم صدور القرار الاستشاري لمحكمة لاهاي الدولية، ورغم قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، والقاضيين، معا، بوقف بناء «الجدار»، وهدم ما تم تشييده، وإعادة الأراضي التي شيد عليها إلى أصحابها، والتعويض لهم عما لحق بهم من أضرار. إسرائيل تخالف وتعاند قرارات المجتمع الدولي، وتتحدى هذا المجتمع، وترسم علامات «الحل الدائم» مع الجانب الفلسطيني، دون أن تدخل معه في المفاوضات حول قضايا هذا الحل.

ويمكن لنا أن نسرد الكثير والكثير من الوقائع والممارسات والانتهاكات الإسرائيلية التي تؤكد أن تل أبيب، لا تلتزم اتفاق أوسلو وملحقاته، ولا تلتزم تقرير ميتشل وتوصياته، ولا تلتزم خطة خارطة الطريق. وإلى جانب هذا، وقبل هذا كله، لا تلتزم قرارات الشرعية الدولية التي تنص على ضرورة الانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران/يونيو 67، وعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948.

* * *

مقابل التحلل الإسرائيلي من كل الالتزامات التي تنص عليها الاتفاقات الموقعة، وانتهاكه الدائم لهذه الاتفاقات (ولقرارات المجتمع الدولي، يلاحظ أن الجانب الفلسطيني المفاوض شديد الالتزام بما يترتب عليه من «واجبات» إزاء هذه الاتفاقات ـ بما فيها تلك الاتفاقات التي أجمع الخبراء المختصون أنها مخالفة لمبادئ القانون الدولي، وتشكل انتهاكا فظا له، لصالح الجانب الإسرائيلي). من هنا يحق لأي مراقب محايد، كما يحق لأي مواطن فلسطيني أن يسأل السلطة الفلسطينية وفريقها المفاوض، لماذا تلزم الاتفاقات الطرف الفلسطيني وحده، ولا تلزم الطرف الإسرائيلي؟.

ولماذا مازال الطرف الفلسطيني يلتزم الاتفاقات من جانب واحد، وهو يراقب انتهاكات الإسرائيلي لهذه الاتفاقات واستخفافه بها؟ هل لتوصيل رسائل إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بحسن نوايا الجانب الفلسطيني؟ إذا كان الأمر كذلك، فإننا نعتقد أن هذه الرسائل قد وصلت، دون أن تنتج ما يفيد القضية الوطنية. بل باتت هذه الرسائل قيدا على الجانب الفلسطيني، وصار مطالبا، في ظل الهيمنة الأميركية أن يقدم، في كل لحظة وكل حين ما يثبت حسن نواياه.

نعتقد، في ظل السياسات الإسرائيلية، والأميركية، وفي ظل انتهاء مرحلة، ودخولنا مرحلة جديدة، أنه بات على المفاوض الفلسطيني أن يعيد النظر بهذا الجانب من سياسته، ليس بإطلاق مواقف لفظية، بل باتخاذ خطوات عملية، ترسل هذه المرة، رسائل إلى الجانبين الأميركي والإسرائيلي أن هذه الاتفاقات لم تعد ملزمة لنا، وأن طاولة المفاوضات لم تعد هي الطريق إلى الحل، وأن السياسة الانتظارية لم تعد هي السبيل إلى وقف الاستيطان، وأن الفلسطينيين مقدمون على سياسة جديدة.

إن العالم العربي بدأ يتغير، وعلى الفلسطينيين أن يتغيروا هم أيضا. وها هي علامات التغيير قد بدأت، وبات على المفاوض الفلسطيني أن يكون جزءا من هذا التغيير.. قبل أن يفوته القطار، ويتركه وحيدا عند محطة لا ينتظر فيها إلا أصحاب الخيبة.

معتصم حمادة