حديث الأنظمة العراقية الثلاثة؟

بقلم: إبراهيم الزبيدي

لتوضيح العنوان أسارع إلى القول إن الأنظمة الثلاثة هي أولا نظامُ الديكتاتور البعثي الراحل، بمقابره الجماعية وحروبه العشوائية وطائفيته وعنصريته وفساده وسياسة "جوع كلبك" التي حكم بها العراقيين ثلاثين سنة.

والثاني هو النظام الحالي الذي فرضته قوة العساكر الأميركية بسلاح المليشيات الطائفية، الشيعية، والسنية معا، بالتزامن العجيب مع هيمنة النفوذ الإيراني والتدخلات السورية الخبيثة، وعبث دول الجوار العربية الأخرى.

ومعروف أن القلة من السياسيين الذين اختطفوا العملية السياسية واحتكروها، من أيام المعارضة العراقية السابقة، كانوا إما رجال دين، حتى وإن لم يكونوا معممين، أو محترفي سياسة يتسترون، أحيانا، بالعلمانية والديمقراطية، وأحيانا أخرى بالهوية الطائفية، حين تحكم الضرورة بذلك، ليضمنوا حصصهم في الغنيمة.

ولأن رجل الدين لا يؤمن بالديمقراطية، ومحترفَ السياسة المصلحي الانتهازي لا تناسبُه الديمقراطية ولا الحكومة المركزية القوية الكفوءة النزيهة، فقد تحول النظام الوليد على أيدي هؤلاء "الشطار" إلى صيغة فريدة من الحكم، تميزت بسياسة "كلمن أيده أله"، حيث راح الجميع يتسابقون على احتلال المباني الحكومية وقصور صدام وأولاده وكبار أعوانه، أو احترفوا السطو على البنوك والمؤسسات المالية المهمة، حتى صارت الرشوة شطارة، والغش بطولة، والاختلاس حصافة، وتزوير الشهادات أمرا اعتياديا لا يثير الاستغراب. ودرج كل رئيس حزب وكل قائد مليشيا على اقتطاع وزارة أو وزارتين، أو محافظة أو محافظتين، ليصول فيها ويجول لوحده، دون أن يسمح لأحد ٍ من شركائه في حكومة المحاصصة بدخولها أو الاستفادة من خيراتها، وامتنع الجميع عن محاسبة المرتشين والمختلسين، بموجب قاعدة "حاسبوا الفاسد من جماعتكم، نحاسب الفاسد من جماعتنا".

وطبيعيٌ أن تقود هذه الأنانية والهمجية والشللية إلى انتهاج سياسة تهميش الآخرين، لا من المعارضين فقط، بل من الموالين كذلك، لتقليل أعداد المنافسين أو الشركاء. وطبيعيٌ أيضا أن تقود هذه الشللية إلى حالة احتراب طائفي وعنصري وديني وعشائري أيضا. وعلى أيديهم شهد العهد الجديد مجازر يومية، تقريبا، وحملات تهجير طائفية قامت بها مليشيات هؤلاء الزعماء، بدعم ٍ إيراني حازم في مواجهة جيوش الإسلام "البعثية" و"القاعدية" التي ثبت فيما بعد، وباعتراف العسكر الأميركان أنفسهم، أن إيران كانت تمولها وتسلحها، أو تسهل لها عمليات التسلل إلى العراق، من حدودها من الشرق، وعبر حدود سوريا من الغرب، بحجة محاربة الشيطان الأكبر الأميركي، ولكن بدماء العراقيين وأرزاقهم وكراماتهم ومستقبل أجيالهم القادمة.

أما النظام العراقي الثالث فهو ذلك الحُلم الموؤد على أيدي شلة الشطار الحاكمة. فمن أول أيام دخول الدبابات الأميركية تمكنوا، بحنكة ودهاء، من اغتيال فكرة النظام الديمقراطي العلماني الذي يساوي بين جميع العراقيين، ويمنع استخدام الدين وسيلة لفرض الهيمنة واحتكار السلطة، ويُحرِّم ديكتاتورية العقيدة الواحدة، سواء أكانت طائفية أو قومية، ويحول دون فرضها بالقوة من قبل فريق واحد على باقي مكونات الشعب العراقي المتنوعة المتعددة الأخرى.

وكان حلم العراقيين، من أيام النضال الدامي ضد ديكتاتورية صدام حسين، أن يفي "المعارضون" العائدون من الغربة بوعودهم، فيبادروا إلى تشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية، لفترة محددة بسنة أو سنتين، تقوم بتهيئة الأسس اللازمة لتأسيس نظام جديد يعوض العراقيين، جميعَهم وليس فئةً واحدة منهم، عن سنوات الظلم والطائفية والمحسوبية والفساد التي ذاقوا مرارتها في عهد الديكتاتور.

لكن "رفاقنا" المعارضين العائدين من مقاهي لندن ودمشق وطهران والرياض خانوا الأمانة، وتنكروا لوعودهم، وأداروا ظهورهم لشعبهم، وانشغلوا بمصالحهم الحزبية ومعاركهم المصلحية، حتى صار العراق مضربَ المثل، عربيا ودوليا، بالطائفية والعنصرية والفوضى والدموية والفقر والفساد.

أما حين يأتي بعض الكتاب والمثقفين، من وعاظ السلاطين، فيدافعون عن نظام المحاصصة والموائد المستديرة، ويعتبرونه نظاما ديمقراطيا، وحكامَه مُنتخبين، ويرون ما ارتكبوه من جرائم القتل والتعذيب والاختطاف والتفجير والسرقة والاختلاس وتزوير الشهادات مجرد "أخطاء"، فهذا افتئات على الديمقراطية وعلى أخلاقها وأحكامها وقوانينها.

مرة أخرى، نعم ونعم ونعم لإسقاط هذا النظام. فإصلاحه مستحيل مادام المعممون والانتهازيون يتحكمون بمفاصل الدولة المريضة، ويسكنون في شرايينها الملوثة.

إننا لا ندعو إلى إسقاط المالكي وحده، بل نطالب العراقيين، اليوم وقبل الغد، باقتلاع هذا النظام الفاشل بكامله، والبدء بتأسيس نظام جديد يشن حملة وطنية شاملة وشجاعة وحازمة ضد الفساد والمفسدين، ويعود إلى وقائع السنوات الثماني الماضية، ويفتح ملفاتها القديمة والجديدة، ويسترجع الملايين التي سرقها وزراء ومستشارون وإخوة ٌ وأقارب، سواء من هرب منهم بها إلى الخارج، أو ما زال مقيما في العراق بحماية رئيس أو وزير أو زعيم مليشيا.

فأية ديمقراطية تلك التي يدافع عنها وعاظ السلاطين؟ وأي نظام ذلك الذي يستغربون أن نهاجمه ونطالبَ برحيله؟

- هل سمعوا بأن المالكي أو الطاباني أو الصدر أو الجعفري أو الجلبي أو علاوي أو الهاشمي أمر بسجن مُزور شهادة؟

- وهل سمعوا بأن واحدا منهم أمر بملاحقة حرامي من حزبه، وإعادة مسروقاته إلى خزينة الدولة، وإحالة الحرامي إلى القضاء بتهمة اختلاس المال العام؟

- وهل رأوا واحدا من هؤلاء القادة "الديمقراطيين المُنتخبين" يعتذر عن احتلاله لواحد من مباني الدولة ويخليه بسمو خلق ٍ وشهامة؟

- وهل رأوا أو سمعوا أن أحدا منهم أحال واحدا من شركائه في نظام المحاصصة إلى القضاء بتهمة الخيانة العظمى لأنه اتصل بدولة أجنبية وسرب لها تقارير ومعلومات تمس أمن المجتمع العراقي واستقلاله وكرامته وهيبته؟

- وهل رأوا أو سمعوا أحدا من قادة المليشيات الدموية التي قتلت واختطفت وعذبت عشرات ومئات المواطنين الأبرياء يُحال إلى القضاء على جرائمه ضد الإنسانية التي تحرمها القوانين السماوية والدولية كلها؟

- ثم ألم يسمعوا ويعلموا بأن رئيس وزراء دولة القانون أطلق سراح كثيرين من "المجاهدين" الصدريين، رغم أنهم مدانون بجرائم قتل واعتداء وتعذيب، وذلك بموجب اتفاق رياضي شخصي بينه وبين مقتدى، مقابل مساندته في الاحتفاظ برئاسة الوزراء؟

- ألم يسمعوا ويعلموا بأن رئيس وزراء العراق الديمقراطي أمر بالعفو عن مزوري الشهادات، وسامحهم، ورفض استحصال الأموال التي أخذوها من الدولة بتلك الشهادات المزورة؟

- ألم يسمعوا ويعلموا بأن جماعة حزب الدعوة في محافظة بغداد أمرت بتطبيق مفاهيمها الدينية الضيقة ومقاييسها المتزمتة وأفكارها المتطرفة على باقي المواطنين، حتى على مَن هم ليسوا بمسلمين؟

- ألم يسمعوا ويعلموا بأن سلطات دولة القانون قتلت متظاهرين، واختطفت صحفيين، واعتقلت مفكرين، لأنهم تظاهروا دون أن يستأذنوا "السي سيد" نوري المالكي، أو لأنهم تجاسروا على ديمقراطيته فطالبوا بإصلاح نظامه الفاسد المريض؟

- ألم يسمعوا ويعلموا بأن سيادة "المحروس" أحمد المالكي كان يشرف، بنفسه، على مراقبة المتظاهرين، ويدير عمليات حصارهم واستهداف البارزين منهم، تماما كما يفعل سيف الإسلام القذافي بـ "عبيده" الليبيين هذه الأيام؟

بالمقابل نسأل،

- هل شاهد هؤلاء المدافعين عن ديمقراطية النظام العراقي الحالي أو سمعوا أن أحد قادة الثورة المصرية أو التونسية شكل مليشيا وسَجن وحاكم وقتل معارضين لرأيه أو عقيدته أو فهمه للدين والوطنية والشرف؟

- وهل سمعوا أو رأوا أحدا من قادة الثورة الشبابية المصرية أو التونسية قد احتل قصرا من قصور حسني مبارك أو زين العابدين بن علي وأولادهما وزوجتيهما وأقاربهما؟

نحن لا نعادي السيد المالكي لشخصه، بل لكونه القائد الأعلى للسفينة العراقية، وقد ثبت بالدليل القاطع أنه لا يؤتمن. ولدينا أسبابنا.

فقتل مواطن مدني أعزل واحد خرج غاضبا على الفساد والمفسدين والمقصرين والممهملين دليلٌ على همجية ٍكامنة في قلب الزعيم، وعن استعداد فطري لديه للديكتاتورية، ونزعة ٍ دموية متأصلة في نفسه، بكل تأكيد.

فالحاكم الذي يطلق على مواطنيه جميع أنواع الرصاص الحي، أو يمنعهم من الكلام، أو يسجن صحفيا، أو يكذب على شعبه فيزعم، زورا وبهتانا، بأن المتظاهرين بعثيون وصداميون يريدون إعادة الزمن إلى وراء، فهو قذافي صغير، وسيصبح كبيرا إذا اقتضت الضرورة، وإذا وجد عرشه مهددا بالسقوط.

إن القتل هو القتل. والكذب هو الكذب. والغش هو الغش. والديكتاتورية هي الديكتاتورية، لكنْ لها ألفُ وجه، وألف صيغة، وألف سبيل.

إبراهيم الزبيدي