عن عالم رئيس الوزراء العراق الافتراضي: مئة عام لا تكفي المالكي لإصلاح نفسه وحكومته!

بقلم: جمال محمد تقي

طلب المالكي من المنتقدين والمحتجين والمستائين والمتضررين والناقمين واليائسين والمطالبين بالحد الادنى من حقوقهم المشروعة وكل الذين طفح بهم الكيل من العراقيين، مهلة مئة يوم لتتمكن حكومته من تلبية الضروريات من تلك الحقوق والبرهنة على جديته في معالجة مواطن الخلل في عمل اجهزة الدولة والحكومة التي يقف هو شخصيا وحزبه وتحالفه الطائفي على قمة هرمها ومنذ اكثر من خمسة اعوام خلت.

لم يكن طلب المالكي هذا مقدما للمتظاهرين فقط، والذين ايقنوا بدورهم بان لا طائل من السير وراء سراب العراق الجديد الذي وعد به الاميركان الشعب العراقي منذ ما قبل احتلالهم له، والذين تغنوا بخصاله الافتراضية والتي تستحق بتقديرهم كل التضحيات الجسيمة المقدمة حتى قبل وصول خدمة الانترنت للعراقيين، على اعتبار ان تحرير العراق يعني لهم بالدرجة الاولى، تحريره من عالمه الواقعي ليدخل عالم الافتراض المطلق، عالم الفوضى الخلاقة التي يمكن ادارتها ومن اي جزء منها لتؤدي بالمحصلة دور المطية لمن يهيمن على نظام البرمجة فيها، وبالتالي تحكمه بالعالمين.

المحتلون هم وحدهم المبرمجون افتراضيا وواقعيا في هذا العراق غير السعيد بما حل به، فالمفروض وبحسب ما اعلنه المحتلون وبحسب ادعاءات حكومات الاحتلال المنتخبة افتراضيا ايضا فان العراق يعيش مرحلة اعادة الاعمار التي لا تختلف عن مشروع مرشال لاعادة اعمار المانيا واوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والمفروض ان العراق الجديد وبعد مرور 8 سنوات على اقامته ينعم بالحريات العامة والخاصة، فحرية التعبير مصانة وحقوق الانسان مقدسة، والاعلام حر ومستقل، مثله مثل القضاء، لا تجد في العراق الجديد الذي هو نموذج للديمقراطية في الشرق الاوسط اعتقال كيفي او كيدي، بل لا تجد اصلا معتقلا للرأي فيه، ومن المسلم به ان اجهزة الامن والشرطة لا تمارس التعذيب، ولا تمارس الارهاب بالضد من معارضي الحكومة، لا تجد في العراق الجديد فاسدا يتولى المسؤولية، بل لا تجد فسادا اصلا لان الديمقراطية والشفافية وفصل السلطات والمراقبة النزيهة كلها ضامنة لتطويقه وسحقه، لا مجال للديكتاتورية في العراق الجديد فالرئيس ورئيس الوزراء مقيدان وليس لهما صلاحيات معلنة او مبطنة قد تستغل ديكتاتوريا، والمؤسسات العسكرية والامنية والمخابراتية ذات ولاء للدولة فقط وليس للحكومة اي لا يستطيع ايا كان من المسؤولين واحزابهم استخدامها او الانفراد بقيادتها، اما الخدمات ونظام التشغيل والخطط الاقتصادية المتكاملة والدقيقة فهي ميزة لعراقنا الجديد، الدولة هي المسؤولة عن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وهولاء عيون ساهرة لخدمة الشعب وهكذا!

ان المالكي تقدم بطلبه هذا لكل المتحاصصين معه في الحكومة والبرلمان، على اعتبار ان جميعهم يتحملون المسؤولية كاملة بالسلب والايجاب، وهو محق بذلك، ولكنه ليس محقا عندما يحاول التقليل من شأن دوره الشخصي وحزبه في تركيز وربط حالة الفساد والتبعية القائمة، والتي يشترك بها الجميع باليات نوعية من الاستبداد، والتي تميز بها هو على اقرانه الاخرين كالجعفري وعلاوي بحكم طول فترة توليه المنصب بالمقارنة مع فترات حكمهم القصيرة، لكنهم يقفون معه وبنفس الخندق الطائفي والتبعي الفاسد والمستبد الذي ميز العراق الجديد.

لقد زكمت انوف العراقيين من الروائح الفاسدة المنبعثة من العملية السياسية القائمة وما تفرزه من نتائج كارثية وعلى كافة الصعد والتي لا تنفع معها ترقيعات الاوصياء الاميركان، والتي لا علاج لها الا بمقاومة النظام الطائفي والمناطقي والتحاصصي القائم، واسقاطه، بالتزامن مع قطع حبل السرة بينه وبين مركز القرار الاحتلالي في العراق.

ان نزول العراقيين الى الشوارع شاهد اخر على مقاومتهم للاحتلال ومخلفاته، وان تندر هتافاتهم على مسخرة البصمة البنفسجية ونتائجها، يعبر عن وعي عالي منهم بالاساليب المضللة التي مارسها المحتلون واعوانهم والتي كانت مترافقة مع عملية تفتين المجتمع بالصراعات الطائفية والاثنية لتحقيق غايتهم في تمزيق هويته الوطنية واستبدالها بالهويات التقسيمية.

اما مهلة المئة يوم فهي مجرد محاولة يائسة لامتصاص وتطويق الازمة وكسب الوقت للنيل من الحراك الشعبي المتصاعد والذي خرج ولاول مرة متحديا الاطر الطائفية للمرجعيات والتيارات التي طالبت بالتهدئة، فحركة الاحتجاج الوطنية الطابع والهدف هي اكبر صفعة لعملاء الاحتلال الذين يراهنون على تحول شعبنا الى ملل متناحرة، والذين يقدمون انفسهم زورا وبهتانا على انهم ممثلين منتخبين عن مكوناته.

ان مئة عام لا تكفي المالكي لاصلاح نفسه وحكومته، لان اي عملية اصلاح حقيقية، تحتاج الى عقول وضمائر وايادي صالحة، وكل هذه الادوات لا يملكها المالكي ولا حكومته وهي لا تكتسب بمجرد مرور الوقت.

جمال محمد تقي