اكبر ميزانية للفساد في تاريخ العراق!

بقلم: جمال محمد تقي

على اساس علاقة التناظر بين مقولة من لسانكم ندينكم، يحق لنا القول لمتحاصصي السلطة في العراق، من ميزانيتكم نعرف وزن فسادكم، وبما انها اكبر ميزانية في تاريخه من حيث اجمالي مخصصاتها، ولانها جاهزة شكلا ومضمونا لاستيعاب كل انواع الفساد المعروفة وغير المعروفة، فانها ستكون وبلا رتوش اكبر ميزانية للفساد في تاريخ العراق، وربما المنطقة والعالم كله، فليس هناك بلد من البلدان تبتز وتهدر به المليارات ومن دون توقف الا العراق.

لقد اصبح اسلوب حرق ارشيف الوزارات والدوائر العامة، واتلاف الاثار الدالة على المسؤولين اللصوص والفاسدين من منتسبي احزاب السلطة المتنفذين فيها، مكشوفا وتقليديا وسائدا، خاصة اذا شمل اقسام العقود والحسابات الجارية ـ تشغيليا واستثماريا ـ اضافة الى مستودعات الاستيراد ومخازن قطع الغيار والادوية والاغذية والسلع المعمرة التي طالتها ايادي الفاسدين، وتحديدا في مواسم اخلاء الطرف، اي اثناء الفترة الانتقالية لاستبدال اللص المسؤول باخر، والاخير قد لا يجد حرجا في تحميل مسؤولية العجز المالي والاهدار والاختلاس، المفضوح في ولايته على عهدة من سبقه باثر رجعي، ولنا بحرائق اقسام العقود والارشفة والمالية، في وزارات الصحة والتعليم والكهرباء والتجارة، خلال عمل حكومة المالكي السابقة امثلة ناطقة.

الاسلوب غير التقليدي والذي برزت ملامحه منذ حكومة الادارة المدنية للعراق برئاسة بول بريمر يعتمد على الافتراض والتخمين في كل المعاملات المالية، وايضا على تغييب الكشوفات، وخلط الجداول وتدوير المترسب من الاموال التي خصصت للميزانيات المحلية والخدمية والامنية لتدخل في حساب الميزانيات الجديدة مع استقطاع ما يساويها لجيوب المتنفذين، بحكم غياب الحسابات النهاية للميزانيات المنتهية.

حتى الان لا يعرف بالضبط كم برميل صدر العراق خلال اعوام الاحتلال الاولى، وقد اشيع لاحقا بان هناك تهريب رسمي يعود بريعه لحساب افراد في سلطة التحالف وتخصص منه نسبة كهبات توزع على الازلام من العراقيين، حتى الان لا توجد هناك ارقام دقيقة لكميات النفط المنتجة والمصدرة بذريعة غياب العدادات، اما حساب ما انتجته الحقول الجديدة التي حفرتها حكومة اقليم كردستان واخذت على عاتقها التصرف بمنتوجها النفطي فهي مجهولة تماما، مثلما هو مجهول مصير احتياطي البنك المركزي من الذهب والعملات الاجنبية وكذلك اموال بنك الرافدين وفروعه، وكان المصير نفسه الذي حل بالاموال والنفائس المصادرة من القصور الرئاسية والمقرات الخاصة، ففي طبعة 2011 من ميزانيات حكومة المالكي، تخمن كميات النفط المصدرة بحوالي 2 مليون و250 الف برميل يوميا في حين كان يصرح وزير النفط السابق حسين الشهرستاني بان انتاج النفط لعام 2011 سيصل الى حوالي 3 مليون برميل يوميا، طبعا لا تدخل ضمنها كميات النفط التي تصدرها حكومة اقليم كردستان!

سرقة الدولة جملة وتفصيلا من قبل قوات الاحتلال ومن ثم تفكيكها لغرض بيعها بالمفرد الى تجار التجزئة مقابل فروض الطاعة والولاء والتبعية والتسهيلات التعاقدية، قد فتحت الباب على مصراعيه وفي كل جزء مباع، وبما حمل، الى شتى صنوف السرقات والتزويرات والفبركات والمتاجرات العلنية والباطنية.

السرقات العلنية تبقى ومهما كبرت صغيرة ازاء ما خفي منها، لانه اعظم بما لا يقدر على تسطيره اي قلم، فسرقة بريمر واعوانه لبعض الاثار او بعض الملايين او المليارات امر متوقع، مثلما هو متوقع ان تسرق الرئاسات الثلاث من الميزانية العراقية المقرة لسنة 2011 ما قيمته 2 مليار و421 مليون دولار، وكذا الحال بالنسبة للسرقات الخاصة برواتب ومخصصات وامتيازات اعضاء مجلس النواب، ولهذه السرقات عناوين شفافة منها مثلا ان حصة الفرد العراقي من الميزانية العامة تبلغ حوالي 75 دولار، اما حصة النائب العراقي فهي اكثر من 100 الف دولار، وحصة التعليم والصحة من الميزانية العامة تبلغ 410 دولار للفرد الواحد.

ان سرقتهم للحاضر ومهما كبرت مقدور عليها، ولكن ان يسرقوا المستقبل بكل افاقه، فهي كبيرة الكبائر التي نعني بها ما خفي من السرقات والتي يعجز عن تحملها اي عراقي بصير ونزيه!

قدمت حكومة المالكي مشروع ميزانية 2011 للبرلمان لاقرارها، طبعا من دون حسابات ختامية لميزانية عام 2010، ليس هذا فقط وانما بعجز تخميني مقداره حوالي 12 مليار دولار، وبمقترح جاهز للاستدانة من البنك الدولي في حالة انخفاض سعر النفط عن معدل 73 دولار للبرميل، اما في حالة الارتفاع فان انخفاض العجز سيؤدي الى واقع محدودية الاستدانة، بلغت القيمة الكلية لتلك الميزانية حوالي 79 مليار دولار، ويعتقد بعض المطلعين بان الرقم قد يرتفع الى 86 مليار بحكم المساومات الجارية على حصة اقليم كردستان البالغة 17 بالمئة وتأجيل حسم الخلاف حول حسابات قيم النفط المباع لحساب البرزاني والطالباني من الحقول التي تخضع لسيطرتهما، هذا اضافة الى الشروع بتنفيذ قرار كانت قد اصدرته حكومة المالكي قبل تشكيل البرلمان الجديد يعطي للمحافظات المنتجة للنفط امتياز حصولها على ميزانية اضافية تحسب على اساس دولار لكل برميل تنتجه ليساهم برفع مستوى الحياة فيها، وايضا للتصاعد الطردي في مخصصات الامن والدفاع، مما يستلزم في النهاية ميزانية تكميلية تعرف ارقامها ولكن لا تعرف اصولها ومجالات صرفها بكشوفات نهائية.

تعتبر هذه الميزانية من اضخم الميزانيات في تاريخ العراق، وهي تفوق ميزانية عام 2010 بحوالي 8 مليار دولار، لكنها وللاسف اكبر ميزانية سائبة في تاريخه ايضا، فقد بلع اولي الامر خطبهم الرنانة بشأن الخطط الخطط الاستثنائية لاعادة اعمار العراق والنهوض ببناه التحتية التي خربها الاحتلال اثناء عمليات حصاره وغزوه، فقد تراجعت مخصصات الاستثمار في القطاع الكهربائي الى 4 ونصف مليار دولار كمخصص اسمي اما الفعلي فسيكون نصف هذا المبلغ بحكم ذهاب النصف الاخر الى جيوب المنتفعين وتحديدا الجهة التي رشحت الوزير كحق مكتسب يزكيه عرف المحاصصة بالمغانم، ومما يذكر بهذا الصدد فان وزارة الكهرباء ولغرض التغطية على عجزها في تلبية الحد الادنى المطلوب منها في مجال الطاقة الكهربائية المتوفرة فانها قررت قطع الكهرباء عن مصانع الاسمنت في اغلب محافظات الوسط والجنوب لسد احتياجات الخدمة المدنية، وهنا هي قد عطلت وعن عمد صناعة الاسمنت وخلقت مشكلة مفتعلة ادت بدعاة الخصخصة للمطالبة ببيع هذه المصانع للقطاع الخاص، بحيلة توحي وكان استثمارات الوزارة المليارية قد قطف ثمارها، وبالمناسبة فان الميزانيات البريمرية او المالكية تخلو من باب ورادات الخصخصة والتي لو ذكرت فانها ستكشف مدى الاجرام الاقتصادي الجاري بحق القطاع العام وبحق السياسة التخطيطية التكاملية للاستثمار الوطني، فاغلب الاستثمارات المستحدثة عشوائية وانعزالية بما ينسجم والواقع السياسي والاداري في البلاد!

نفقات الامن والدفاع تشكل نسبة 21 بالمئة من اجمالي مخصصات الميزانية، وهي قابلة للمطمطة بحكم كون القائد العام للقوات المسلحة هو نفسه القائد العام للبنك المركزي ووزارة المالية وعمليا هو القائد العام للفرق البرلمانية وهو نفسه رئيسا لمجلس الوزراء، اما نسب وزارات الصناعة والزراعة والري فهي اقل من مخصصات الرئاسات الثلاث.

هناك نسب ضرورية للشفافية والنزاهة ودقة المعلومات يجب ان تتوفر بأي ميزانية جادة وهذا بحسب المعايير الدولية، والتي تتمحور حول وضوح الادوار والمسؤوليات، وتوفر المعلومات للرأي العام، وتحضير وتطبيق منفتح للموازنة، واخيرا ضمانات النزاهة.

للاسف كل الشروط اعلاه غير متوفرة، المتوفر والسافر هو خلط السلطات وغياب الرقابة والمحاسبة الحقيقية، وغياب التخطيط وعقيدته الوطنية، فهذا المالكي يصدر قرارا تباركه المحكمة الدستورية يربط كل الجهات والدوائر التي يفترض بها ان تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية، بمجلس الوزراء وبالتالي به شخصيا، فالبنك المركزي سيخضع لصلاحياته وكذا مفوضيات النزاهة والانتخابات وشبكة الاعلام والرقابة المالية، اي ان الخصم والحكم يتحدان في خندق واحد، كما لا توجد معارضة في البرلمان لان الجميع مشترك بالمحاصصات السلطوية فان كل مؤسسات الدولة اصبحت خاضعة للسلطة التنفيذية بما فيها السلطات القضائية والتشريعية، فعن اي توازن بين السلطات يتحدثون؟ ومن ثم على اي وزن يزنون ميزانيتهم المثقوبة؟

جمال محمد تقي