.. وانكشفت لعبة الأرقام الانتخابية الرئاسيّة!

بقلم: علي آل طالب

على الرغم من أن فصول الثورة التونسية لم يُسدل بعد، ولم تتضح معالم نتائجها بشكل نهائي وحاسم، وإلى ما ستؤول إليه الأمور، بالرغم من ذلك إلا أنها استعادت الدور البطولي للحراك الشعبي والتأسيس لصناعة واقع جديد. ثورة الأحرار في تونس انطلقت شرارتها من القهر الذي تعرض له الشاب محمد بوعزيزي؛ ليتحول الشعب إلى كتلة من غضب، حيث كان المدخل هو الخبز أو البطالة أو غلاء المعيشة، حتى بلغت الذورة وأطاحت بأحد أشرس الأنظمة العربية البوليسية (حكومة بن علي). هذه الثورة لو لم تكن قدمت عنصر المباغتة والمفاجأة، وأتت أُكلها مبكرًا؛ لما استطعنا اليوم قياس مستوى وعي الجماهير وإيمانها بالتغيير والإصلاح. في حراك تعبوي ينسجم وحجم الأهداف والطموحات التي تليق بمكانة وعنفوان هذا الشعب الأبي.

قدمت الثورة التونسية درسًا خالصًا في مضمون الإرادة الشعبية، بعد أن أعادت للإنسان العربي الثقة بالنفس والقدرة على التغيير؛ بل وحفّزت الشعوب المجاورة للتحرك إزاء الرفض للفساد والظلم؛ مهما كان مقدار وحجم الاستبداد السياسي. وما موجة الاحتجاجات الواسعة والمطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية والتي تشهدها بعض الدول العربية كاليمن ومصر والجزائر إلا مؤشر لمضمون حراك الشعوب الرافض للفساد والتزوير وكافة أشكال القمع والدكتاتورية. وبكلام آخر: هذه الثورة أعطت الكثير من الدروس والعبر، عبر رسائل مفتوحة للأنظمة الدكتاتورية وللمجتمعات الحرة ولكافة النخب والقوى الاجتماعية، فالدروس عديدة، لكن الأبرز ما فيها هو انكشاف حالة التزوير في الأرقام الانتخابية والتي لم تكن في لحظة ما؛ تعبر عن إرادة شعبية حقيقية، فالمخيال العربي ظل مرهونًا بالأرقام الفلكية العالية التي يحصل عليها الرؤساء والحكام جراء نسبة التصويت الجماهيرية.

ثورة الأحرار في تونس وموجة الغضب الشعبية المستمرة والتي يشهدها الشارع في كل من مصر واليمن تحديدًا، كشفت عن تلك الغرف السوداء التي كانت وما زالت ضالعة في عمليات التزوير لانتخاب الرئيس فيها. ناهيك عن التلاعب بالدستور ومحاولات تطويعه إلى الحد الذي يضمن بقاء الرئيس لأمد بعيد جدًا. وفي تونس أُجري تعديل دستوري عام 2002م يقضي بعدم تحديد ولايات رئيس الجمهورية، فضلا عن رفع سن الترشح لرئاسة الجمهورية إلى 75 سنة. بعدما كان الدستور قد حدد الحكم في ثلاث ولايات، وحصر سن المرشح للرئاسة ما بين 40 سنة وألا يزيد عن السبعين. الأهم هو أن يكون الدستور بمقاس شخص الرئيس وذاته!. وما يثير الدهشة هو ما أسفرت عليه نتائج الانتخابات الرئاسية في 25 أكتوبر 2009م والتي فاز فيها زين العابدي بن علي بولاية خامسة بعد أن حاز على نسبة عالية من الأصوات قُدرت 89.62%، بينما وبعد مرور عام تقريبًا، أي في 14 يناير 2011م أطاحت الثورة بالرئيس نفسه والذي حَظي بتلك النسبة من الأصوات!.

يتماهى المشهد اليوم مع مصر أيضًا، وحسني مبارك هو رئيس لهذا البلد منذ 14 أكتوبر 1981م. وتم تجديد رئاسته لولاية خامسة مدتها 6 سنوات بعد فوزه في 7 سبتمبر 2005م. بعد أن حاز على نسبة تصويت عالية أيضا قُدرت بـ 88.6%، انفجار الشارع المصري اليوم والذي وصف بغير المسبوق يكشف النقاب عن حجم التلاعب والتزوير بنتائج التصويت والذي شمل عمليات الانتخاب الرئاسية طيلة العقود الثلاثة الماضية.

ولا يختلف المشهد في اليمن أيضًا، فقد لعبت لغة الأرقام الفلكية دورها في العمل بمبدأ الاقطاع السياسي واختزال الإرادة الشعبية في شخص الرئيس علي عبدالله صالح منذ 32 عامًا، وقد حصل منصب الرئيس في 2005م نسبةً قُدرت بـ 77.17%، بعد أن كانت النسبة في انتخابات سبتمبر 1999م مرتفعة جدًا حيث حظي علي عبد الله صالح بنسبة 96% من أصوات المقترعين، بالإضافة إلى سلسلة التعديلات المستمرة للدستور والتي تصب في خانة بقاء شخص الرئيس أكبر قدر ممكن في الحكم، وآخرها الدعوة إلى تقليص مدة الحكم من سبع سنوات إلى خمس على أن يحق للرئيس الحالي الترشح في عملية انتخابات جديدة بعد أن استنفدت مواد الدستور تلك الصلاحية، وهذا يعني أن منصب الرئيس مكفول له مدى الحياة!

الشعوب العربية في هذه البلدان وحدها هي من يدرك حجم المخاطر المحدقة بها، فقد تكون في لحظة من اللحظات التاريخ البائسة قد أصابها الاسبات والخضوع، لا لشيء سوى من أجل التحلي بالصبر وإعطاء أكبر قدر من الفرصة للتغيير والإصلاح والتصحيح، غير أن معظم هؤلاء الرؤساء كان بعيدًا جدًّا عن هذا الحس الوطني والشعبي، فقد بلغ الهامش الطبقي مبلغة في فئات المجتمع، حتى أصبح غالبية الشعب محاربًا في لقمة عيشه، جراء انعدام الوظيفة، وارتفاع نسبة البطالة وغلاء الأسعار، واستشراء الفساد المالي والإداري. هاهي الشعوب تستيقظ من جديد بعد أن دخلت في موجة من الغضب العارم، وبعد أن أكسبتها التجارب الماضية؛ أن اقتصار حجم المطالبة على ما يحسن الأوضاع المعيشية لن يجدي نفعًا، لذا جاء زمن الشعوب التي هي اليوم أكثر شفافية ووضوحًا، وهي لا تقبل بأقل من إسقاط حكوماتها الفاسدة والدكتاتورية!

علي آل طالب

مركز آفاق للدراسات – السعودية

a.altaleb@yahoo.com