تونس: دور واشنطن وبن عمار في خلع بن علي

بقلم: فيصل جلول

على الرغم من دورها الحاسم في إطاحة النظام السابق فالراجح أن الانتفاضة التونسية لم تحمل وحدها زين العابدين بن علي على مغادرة بلاده على جناح السرعة عصر يوم 14 يناير ـ كانون الثاني الجاري. وتفيد التفاصيل المتداولة في فرنسا حول الأيام الأخيرة للرئيس المخلوع أن بداية النهاية لحكمه ارتسمت في التاسع من الشهر الجاري عندما أمر الجنرال رشيد بن عمار قائد القوات البرية أن يزج بجنوده في مواجهة المتظاهرين في العاصمة غير أنه تلكأ في بداية الأمر ثم امتنع عن "إنقاذ النظام" عبر قواته العسكرية فكان من الطبيعي أن يقيله الرئيس وان يعين بدلا منه غير أن بن علي فوجئ بما لم يكن يتوقعه حتى في كوابيسه الليلية عندما تضامن قادة القوات المسلحة التونسية مع بن عمار ورفضوا إقالته أو استقالته.

ومع ذلك لم يقدر بن علي هذا الموقف حق تقديره رغم انه جنرال سابق وعليم بشؤون الأمن والمخابرات ولعل سوء التقدير يعود للأسباب التالية:

أولا: إن التغطية الفرنسية والأوروبية الكاملة لإجراءاته القمعية جعلته يشعر بثقة عمياء. فقبل أيام من سقوطه كانت وزيرة الخارجية الفرنسية آليو ماري تعرض مساعدته علنا في قمع التظاهرات وكان وزير الثقافة الفرنسي فريدريك ميتران يلوم الصحافيين بقوله أن" الحديث عن ديكتاتورية بن علي مبالغ فيه" فيما الزعيم الاشتراكي ورئيس البنك الدولي دومينيك ستروس كان يقول لمن يرغب "إن النهوض التونسي جدير بأن يحتذى" وان صدر نقد خجول فهو على لسان رئيس الوزراء فرانسوا فيون الذي كان يتحدث عن عدم التناسب بين عنف المتظاهرين وعنف أجهزة الأمن التي ربما كان عليها بحسب هذا المنطق أن تقتل عددا اقل من التونسيين؟

ثانيا: كان بن علي يتمتع بتغطية رسمية عربية وإسلامية لا لبس فيها لقمع المحتجين بالقوة وعدم التهاون مع انتفاضتهم.

ثالثا: لم يكن النقد الأميركي لقمع المتظاهرين رادعا للرئيس التونسي وبالتالي ما كان عليه أن يخشى من رفع الغطاء الأميركي عن حكمه الموصوف غربيا بأنه حاجز علماني ضد الإرهاب والأصولية. الم تكن تونس مقرا لوزراء الداخلية العرب؟ الم تكن واحدة من الدول المستوردة "للتعذيب" من الولايات المتحدة خلال عهد بوش... الخ؟ أما وثائق ويكليكس التي تحدثت عن نظام مافيوزي فقد ذكرت ما يشبه ذلك عن دول عربية وأجنبية أخرى وبالتالي لم يكن هذا الحديث مؤشرا على رفع الغطاء عنها. والراجح في هذه الصدد أن قيادات عسكرية أميركية كانت قد أقامت علاقات وثيقة مع جنرالات تونسيين وانه في التاسع من يناير الجاري وقع اتصال بين الفريقين أثمر عن رفض إقالة الجنرال رشيد بن عمار وبالتالي رفع التغطية عن بن علي الذي ألقى من بعد خطابا انطوى على تنازلات لإرضاء الغربيين الذين طلبوا منه ذلك غير أنها جاءت متأخرة كثيرا جراء اتساع الانتفاضة التونسية وتصميمها على التخلص من النظام برمته. وربما في هذه اللحظة وفر الأميركيون التغطية اللازمة لقيادة الأركان التونسية التي طلبت من الرئيس السابق أن يرحل "عن تونس دون إبطاء" بحسب أسبوعية "لوكانار أونشينيه" الوثيقة الإطلاع في عددها الصادر في 19 يناير ـ كانون الثاني الجاري.

ما من شك أن التغطية الأميركية لهيئة الأركان التونسية ولبن عمار تحديدا ترمي إلى تحقيق غايتين الأولى تضمر رهانا حول بديل علماني لنظام علماني انتهت وظيفته من دون بديل موثوق يخلفه وهذا يتناسب مع مصالح الغربيين الذين استثمروا في هذا النظام ويواصلون الرهان على دولة تونسية كابحة للتيار الإسلامي والثاني يتصل بالتنافس الفرنسي ــ الأميركي على المغرب العربي وفي هذه اللعبة "سجلت الولايات المتحدة نقاطا مهمة" وسط بحر من النفوذ الفرنسي بحسب مرجع كبير علما أن باريس تحتفظ بأكثر من ألف شركة عاملة في تونس وان وزيرة الخارجية الفرنسية أمضت عطلة الميلاد في هذا البلد وان الفرنسيين لديهم نفوذ واسع في كل القطاعات التونسية.

تبقى الإشارة إلى المخاوف الفرنسية من امتداد العدوى التونسية إلى الجزائر ومصر والأردن وهي مخاوف قد تكون غربية شاملة علما أن الرئيس نيكولا ساركوزي يشكر في هذه اللحظات العناية الإلهية لان الجزائر ألغت نتائج انتخابات العام 1991 التي فاز فيها الإسلاميون فهل يمكن أن نتخيل ما كان سيحصل اليوم لو لم تلغى تلك النتائج" ودائما بحسب الأسبوعية الفرنسية المذكورة.

يفضي ما سبق إلى القول أن الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموما ينظر بعين الرضا إلى نظام بن علي الاقتصادي وبالعين ألأخرى إلى إصلاحات سياسية تؤدي إلى توزيع مهام الرئيس المخلوع على مجموع القوى التمثيلية للانتفاضة التونسية خصوصا أن دور الجيش في الإطاحة برئيس الجمهورية سيظهر في الوقت المناسب وسيكون له كلمة مسموعة في خيارات السياسة والاقتصاد والدستور أما المحللون الذين يتحدثون عن ثورة تونسية على غرار الثورة الفرنسية أو الثورة البولشفية فلربما يخلطون بين قصر الشتاء وقصر قرطاج أو بين "الباستيل" و"برج الرومي" ولعل الذين لا تستهويهم مثل هذه المقارنات ما قالوا شيئا جوهريا بعد بانتظار وصول غنوشي آخر إلى تونس هو غير وزيرها الأول.

فيصل جلول