سناء الشعلان، كاتبة تحمل في قبضتها عبقرية الماء

بقلم: أ. د. هند أبو الشعر

متى يلجأ كاتب القصة القصيرة إلى التجريب وإلى إعادة تشكيل تقنياته؟

وهل يصلح فن القصة القصيرة لطرح قضايا فكرية رصينة وإعادة تشكيلها وفق رؤية فلسفية من الكون والحياة؟ أم إنها بطبيعتها قاصرة عن مثل هذا التناول؟ لينتقل القاص إلى ابتداع شكل جديد يكسر الحواجز الضيقة والحدود المرسومة لخارطة فن القصة القصيرة، ليعيد بدوره رسم حدود جديدة لهذا الفن؟

هذا التساؤل ظل يلازمني وأنا أقرأ "تراتيل الماء" لسناء الشعلان، وعندما انتهيت، لم انته من التداعيات التي صاحبتني، وعدت إليه لقراءة ثانية بحس كاتبة قصة قصيرة تعرف مداخل هذا الفن وآفاقه وهواجسه، فهل نحن أمام "مجموعة قصصية" كما يقول غلاف الكتاب؟ هل نحن أمام "متوالية قصصية" أم ماذا؟ هل يمكن لفن القصة القصيرة احتمال هذا الزخم في القول والتجريب؟ ولأن هذا الهاجس الفني يقلقني فقد استولى علي طوال قراءتي الأولى وأفقدني متعة التذوق، لكنني استعدت حسي الفني بغزارة شلالات سناء الشعلان النقية المتدفقة في القراءة الثانية، وتيقنت أن هذا الذي كتبته سناء يمثلها بكل تحولاتها الجميلة كاتبة مفكرة وأكاديمية وإنسانة، تحمل روحا طيبة عصية على التدجين، لا تقبل الوقوف في الطابور، وتندفع إلى الأمام بجرأة جميلة.

يتغلب المضمون على الكاتبة حتى يعتقل القارئ، فلا يسمح له بالانفلات، ليظل المضمون هو السيد، فقد استندت إلى التاريخ السردي المتخيل وقامت بتفكيكه بجرأة لأنها على ثقة من أنه حاضر في ذهن وذاكرة القارئ عبر موروثه الديني والإنساني وتراثه المتخيل في الذاكرة الجمعية، وهذه الثقة بالمعرفة المسبقة في الذاكرة الجمعية أعطتها الجرأة على التفكيك وإعادة التشكيل بذكاء فنانة محترفة، ومع أن المضمون ظل هو السيد، ومع أن الماء ظل البطل في كل الحالات، إلا أن الجديد الذي تشكل، أعاد بدوره تشكيل الكاتبة نفسها من جديد أمامنا لنرى سناء الشعلان أمامنا كاتبة مفكرة ذكية ونقية مثل الماء!

ولأن الماء حالات عصية على الحصر، تماما مثل الحياة، ولأن الماء هو الحياة، فقد تجلت الكاتبة مع كل حالة بفكرها، فانبجس الماء من كل نصوصها، واعتبرته الوحيد الذي يحفظ سيرة الحقيقة، أي أن الماء هو الحقيقة عند الكاتبة، إنه اليقين، بدءا بماء السماء ثم ماء الأرض ثم البحر ثم البحيرة ثم ماء النهر وماء الينبوع ثم الشلال ثم ماء البشر، أما قمة التجلي عند سناء فتبدأ بسرد سيرة "مولانا الماء" وتجليها بتفكيك سيرة التكوين وتتبعها لسيرة مولانا الماء الأزلية ورصدها بكل عصورها، لنحس هنا بعمق ثقافة الكاتبة ومخزونها المائي الذي يتجدد بثقافات متنوعة تنبجس من كل نص بلا تكلف، وهذا هو امتيازها نصوص مثقفة ومفكرة ومتدفقة مثل الماء بكل حالاته.

قرنت الكاتبة بين كل حالة من حالات الماء وبين الشخصيات التي أقحمتها أحيانا على هذه الحالة، المقاتل الطيب النقي الذي يشبه ماء السماء، والمرأة المخلوقة من ماء الأرض الآسن والمستنقعات والتي صنعتها الحياة بقسوة من إتحاد ماء أب مجرم وأم مومس، والمرأة البحر التي لا تعرف الرحمة والتي تشبه البحر في تقلبها والتي تسمم حبيبها بكأس خمر مسمومة وتتقاسمها معه، لكنها تشرب الكأس وحدها ليكون الرجل البحر الغادر هو الذي يبقى، والأسير المريض، أسير مرض الجذام الذي يشبه في أسره ماء البحيرة المأسور إلى الأبد في حدود البحيرة التي لا يسمح لها بالرحيل والحركة، ونماذج أخري لماء النهر والشلال والينبوع وماء البشر،ـ كلها نماذج مصنوعة بتفكير كاتبة مثقفة تحمل منهجية أكاديمية واضحة.

والآن وبعد أن انتهيت من القراءة الثانية، توقفت أمام هذه المجموعة القصصية التي تحمل الرقم التاسع في إنتاج سناء الشعلان، وأحسست ن سناء أعادت تشكيل نفسها بذكاء قاصة مثقفة، ومع أنني أحسست أنها فصلت الشخصيات على الحالة الفكرية، وأن التشكيل كان نمطيا في بعض الشخصيات مثل شخصية بطل النهر مثلا، لكن سناء تفوقت على نفسها ولم تقف في الطابور... إنها لا تعرف ثقافة الطابور وتحسن اختراق الصفوف ولا تريد من هذا الوقوف في المقدمة، فهذا ليس هاجسها، إنها مثل الماء لا تعرف حالة واحدة، هاجسها التجدد وهو ما قدمته في كتابها الذي لا أعرف إن كان مجموعة قصصية أم متوالية قصصية أم حالة أخرى.

سعدت حقا بأن يكون هاجس كاتبة أردنية بمثل هذا العمق والجرأة في التعامل مع تقنيات فن القصة القصيرة ومع الموروث والذاكرة الجمعية، جرأة في التفكيك والتشكيل، تتصاحب مع ثقافة ومنهجية أكاديمية، ألم أقل بأن سناء لا تعرف ثقافة الاصطفاف في الطابور وأنها تعرف تجليات الماء بكل حالاته المدهشة؟ وأقول أخيرا بأنني اعرف نقاء روح هذه الكاتبة وطيبة قلبها، التي تجعلها تختار الماء بكل حالاته ليتدفق من صفحات قلبها وروحا وصفحاتها.

أ. د. هند أبو الشعر

جامعة آل البيت - الأردن