يوميات كربلائية في زيارة 'عاشوراء' الأربعينية

بقلم: عدنان طعمة الشطري

الحسين بن علي، الحسين السومري من "أل إبراما التوحيدي"، من "آل محمد الإبراهيمي" الذي طوح ارض اعرابيي الصحراء الهمج إلى حضارة محمدية تشع باليات شريعة متطورة للسلوك والفكر الإنساني.. من "أل علي بن أبي طالب" الذي اختزلت سيرته نقاء الحضارات الإنسانية جمعاء.. من "آل سيدة نساء العالمين" التي أفردت للسماء والأرض قدوات وكواكب ونجوم ورموز وأسيادا لشباب أهل الجنة.

قبل أيام ثلاثة أيام قلائل، عشت أيام حسينية محضة من ناحية الطقوس والشعائر والعادات والتقاليد التي تختزن في تراجيديا العزاء وتراجيديا الاستذكار العزائي حيث اقتفيت اثر "المشائية الحسينية" و"المشائية الثورية" ومشائية القضية الكبرى إلى "الحسين السومري" و"الحسين الإبراهيمي" و"الحسين المحمدي" و"الحسين الزهرائي" واتجهت برفقة أخي وصديقي وخدني ورفيق عمري احمد شاكر واوية الذي تولى بشكل حضاري ومعتدل عشيرة "الواوية" الصغيرة، في مدينة الشطرة الجنوبية، واتجهنا إلى مرقد الإمام الحسين، المرقد العالمي الذي يختزل أنظار العالم المتطلع إلى الحرية.

في الطريق بين النجف وكربلاء تتأكد وتتيقن إن الفوضى المرورية هي السمة البارزة على أمكنة فراغ الطريق بحيث تشعر إن ثمة "فوضى حكومية" وتخبط للسيارات الشرطة والجيش في كيفية أن تعالج الضوائق المرورية التي يعج فيها الشارع بل إن أجهزة السلطة لم تتخذ أي تدابير طوارئ تذكر وكان الأمر لا يعنيها بقدر ما يعني الناس وقائدي المركبات المختلفة والمشائية الحسينية المليونية التي تحث خطوها المسترسل ليلا ونهارا نحو التلاقي والاتحاد بالرمز الفوقي والرمز الذي فتح للناس أجمعين أبواب التغيير والتحريض المستمر على مقاومة الطغيان، والأكثر كارثية من ذلك ان أصحاب المواكب الحسينية قد تحالفوا مع اللامبالاة الحكومية ولم يسمحوا للسيارات التي تخطو مترا واحدا في حدودها؟

أحاديث وأحاديث هنا وهناك، بين مجموعة بشرية وأخرى، والشأن التونسي وثورة الياسمين التونسية البيضاء وملامحها الثورية أخذت حيزا كبيرا من أحاديثهم ونقاشاتهم والتحريض على اقتفاء أثرها، وخلق الصدمة عند الدولة والحكومة أن تنظر إلى هذا الشعب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الخدمات المتهالكة والفقر المدقع الذي يرزحون تحته ويجسد كذلك تطور الذوق الإنساني في التحرر والانعتاق من دولة الفساد ومافيا السلطة الراهنة.

الملايين العراقية الزاحفة نحو كربلاء عدت الثورة التونسية البيضاء هي ابنة شرعية للمنظور الحسيني الإنساني المتنامي في أصقاع الدول العربية والإسلامية وهي تجسد مبادئ وثوابت "الحسين العظيم" وان الجيل الرسالي التي قادها هو جيل ينتمي للحسين بن علي وثورته ضد الطغيان والاستبداد.

وفي الطريق نحو المرقد الديني المقدس أشار احد سواق المركبات بان الانفجار الإرهابي قد حدث في هذا المكان من المراب الذي تقطعت فيه أوصال العشرات بين شهيد وجريح وسقوط أكثر من خمسين زائرا وزائرة شهداء زهقت أرواحهم وروح من ظن إن انتحاره الإرهابي هي دعوة له لتناول العشاء مع خاتم الرسل والأنبياء والعيش مع أجمل حواري جنة الله.

أروع واغرب ما شاهدته كما يقول سائق السيارة انه وثلة من زائري كربلاء حاولوا أن يفكوا طفلا صريعا من ثياب وجسد أمه الصريعة فما استطاعوا فحملوهم معا في سيارة الإسعاف متحدين ومتماهين وذائب أحداهما بالآخر إلى حد الاندماج الجسماني الذي لا يقبل الفكاك والتجزئة.

هذه الضحايا والشهداء الذين صعدت أرواحهم وروح القديس "الحسين العظيم" إلى ملكوت السماء، هي شاهد إدانة على الدولة والحكومة والأجهزة الأمنية قبل منظومات الإرهاب الدموية لان "حكومة الأمن" و"حكومة الخدمة" وحكومة الاستقرار" و"حكومة دحر الإرهاب" و"حكومة الشراكة الوطنية" التي تشدقوا بها في تصريحاتهم الجوفاء لم تتحقق في "العراق الديمقراطي" وما انفك نزيف "الدم البريء" مستمرا رغما على انف "الشعب الحسيني".

وتتعدد المشاهدات والمشاهدات التي عشتها في هذا الطريق الفراتي الأوسطي، النجفي – الكربلائي، وأكثر المشاهدات قسوة وإيلاما على النفس البشرية هي مشاهد النسوة اللواتي يحملن الأطفال الرضع والأطفال مادون السنة ودون الأربع شهور ومن مستويات طفولية مختلفة وهم يئنون تحت إثقال الأجواء الباردة والطقس الشتائي القاسي دون أدنى تفكير من إن هذه الظروف المناخية القاسية تعصف لا محالة بأحباب الله وأحباب القديسين مرضا وعللا وآفات مرضية شتى.

سألت بصريا زائرا، وهو يغطي بمعطفه طفلين دون عمر السنتين للاتقاء من البرودة القارصة: لم أتيت بأطفالك في ظل هذه الظروف المناخية القاسية البرودة؟ فرد علي: لكي أدربهم واعجنهم على طريق الإمام الحسين بن علي من الآن؟ فأجبته بان "الحسين العظيم" هو أداة للإصلاح والتغيير والعدالة والخير، وان بقاء أطفالك في سريرهما الدافئ وتحت رعاية جدتهما أو أي طرف عائلي آخر، سيكون وقعه حسنا على الإمام الحسين أكثر، لان هذين البرعمين الجميلين من أطفالك البريئين، هما أحباب الله، وأحباب الحسين، ودع الحسين يرضى عنك بشفاعته وما له من قربى وزلفى عند الله عز وجل بتركهم في دار الحضانة العائلي.

الفوضى المرورية التي ساهمت فيها بشكل أكيد حكومتا النجف وكربلاء وانتقالنا من سيارة "الكيا" إلى باطن السيارة الكبيرة المكشوفة للهواء البارد والمتغيرات الطقسية الباردة والمخصصة لنقل البضائع التجارية او الحيوانات الأليفة كالجواميس والخرفان والأبقار، ومن ثم الصعود على متن عجلة صغيرة يطلقون عليها "ستوته" قبل الصعود على متن عربة يجرها حصان منهك القوى، هذه الانتقالات والتحولات الدرامية والوثب من مكان لآخر وقطع مسافة أكثر من ثلاثين كيلو متر على الأقدام تجعلك على المحك والاطلاع عن كثب على مجريات الأمور والخلفيات الثقافية للزائرين والأسباب الباطنية التي تدفع الزائر الكريم إلى التوجه إلى المرقد الحسيني الشريف، وما يحسب إلى حكومة الشراكة الوطنية وحكومة الخدمة إنها دفعت الزائر الكريم أن يحتل أمكنة الحيوانات الأنفة الذكر في سيارات الحمل المكشوفة، مما حدا بأحد الزائرين أن يصرخ ساخرا: ماذا أقول للخروف غدا ان عاتبني وحاصرني بلومه؟

الطامة الكبرى إن الكثرة الكاثرة من الجيل الشبابي هم ذات مستويات ثقافية متدنية وأكثرهم شهادة أكاديمية هو من حصل على شهادة السادس الابتدائي لان جلهم يخضعون لثقافة اجتماعية متخلفة وثقافة ريزخونية بالية، ناهيك عن الطائش منهم الذي ينتمي إلى ثقافة ساقطة ويرى الأخر من منظار الانحراف والشذوذ والانحلال.

هذا الجيل قادر أن يقطع المسافات الطوية باتجاه الحضرة الحسينية المقدسة، وقادر أن يفترش الأرض ويلتحف السماء ومقاومة المناخ الشتائي المتقلب من وقت للآخر، ويستطيع إن يلجم بطنه من الماء والغذاء أوقات طويلة بفعل بنائه الجسماني المقاوم نسبيا، لكنه لا يعرف من هو الحسين بن علي عليه السلام ولا يعرف ما الرسالة التي يريدها أن يوصلها الرب من خلال ثورة الحسين؟ بل لا يعرف أن قضية الإمام الحسين هي قضية "إصلاح" بالدرجة الأولى؟ إصلاح إصلاح إصلاح! ويختزل تفكيره بان الامام الحسين رجل خارق للعادة المألوفة أو كأي بطل يراه في الأفلام السينمائية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقول هذا الجيل الذي تمرد على ابسط الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية هو جيل حسيني.

أما الطبقة الأخرى الكبرى عدديا هي طبقات النساء اللواتي يلفع "السواد الشريف" أجسادهن وهن يمخرن عباب هذه المسافات الفلكية باتجاه ارض الحسين بن علي عليه السلام وهن يلطمن الخدود ويضربن الرؤوس والصدور في ذكراه الأربعينية الأليمة فهن يمكثن في اتجاهات إنسانية مختلفة، فمنهن من فتحن عيونهن منذ الطفولة على "عبرات حسينية" صادقة تترقرق من أبوين وعائلة حسينية اندمجت وثورة الطف وجوهرها الإنساني بعلاقة ذوبانية متماهية، فتلكم النسوة هن امتداد للرسالة الزهرائية والرسالة الزينبية والرسالة السكينية والرسالة الأم بنينية ويردن أن يقولن وهن يغرقن في امتداد بشري كثيف بان الطهارة الزهرائية ممتدة، والرسالة الزينبية باقية، والأثر السكيني (من سكينة) باق ما بقيت الأرض والسماء، وسؤال "أم البنين" سرمدي عن "الحسين الشهيد" دون أبنائها.

أما الأخريات من النساء فلهن أغراض ومطالب عديدة أو البحث عن منافع ذاتية محضة، فمنهن من تقطع هذه المسافات الفلكية ابتغاء لمرضاة الله وان يمن عليها بزوج صالح أو عريس العمر الذي تقضي بقية عمرها بين جوانحه الدافئة، والأخرى الكاعب في مجال الأنوثة المستوفرة التي تتطلع مستقبل آخر في مدار دراسي جديد.

ومنهن من لم تظهر من وجوهن إلا عيونهن التي تشبه ماسة متوهجة بريقا أحيانا وخامدة خافتة طورا، فهن لا يتورعن أن يقطعن المسافات الأرضية وجلد ذواتهن باللطم وتمزيق الخدود والصدور والبكاء المتواصل ابتغاء للتوبة وطلبا للمغفرة لأنهن استغرقن في ذنوب ونجسن أنفسهن في معاص ومرغن أجسادهن بأخطاء الغريزة الملتهبة.

ويشهد الله باني أعيش المأساة ومحنة التفكير التي لا تهدأ حتى تقفز دوامة أخرى من التفكير في المحنة ذاتها التي ذكرها الدكتور العلامة الفقيد احمد الوائلي بأنه يعيشها عندما يشاهد طقوس متخلفة كالتطبير وشريعة رسول الله التي لا تحيا إلا باستعمال القامة (البلطة) وتطبير الرؤوس أو المراثي الرديئة التي ما انزل الله بها من سلطان، واتجاهات ريزخونية معممة تريد أن تحول قضية "الحسين العظيم" إلى خرافة من خلال صناعة بدع خرافية وأساطير وتحولنا الى مخرفين في نظر الناس، والتي وصفهم الشيخ الوائلي "بالنعاج" الذين تقف وراءهم جهات ودوائر مشبوهة.

نعم أعيش المحنة والمؤسسة الدينية الرشيدة التي تصدت لعراق ما بعد صدام حسين وأنتجت ملوكا وأباطرة وحكماء جدد تخشى أو تحذر من "المحاولة الذكية" واستغلال "الفرصة الممتازة" في ظل هذه الأجواء المفتوحة لها وتصدر " فتاوى ذكية " تفكك فيه العقل الخرافي للأغلبية الصامتة وتحرر العقل من التخريف والطقوس الوافدة وبناء عراق على أساس الفكر المحمدي النقي للآل البيت عليهم السلام، وإحياء جيل يقتفي اثر علامة الاستقراء الشهيد محمد باقر الصدر وفلسفته التنويرية وفكره الخلاق الذي يحارب الخزعبلات والترهات والشعوذة، ودون ذلك فاعتقد إن تغيير هذا الواقع التخريفي والخرافي سيهد عروش كائنات ريزخونية فرضت سطوتها على الحوزة العلمية ونما تجبرها على الجهل والتخلف والانحطاط المجتمعي.

عدنان طعمة الشطري

Adnan.tumma@yahoo.com