التجربة التونسية ومعوقات تكرارها عربياً

بقلم: مهند صلاحات

إثر التغيرات في النظام السياسي الحاكم في تونس، يتبادر لذهن المواطن العربي الذي شاهد على شاشات الفضائيات العربية قبل أيام، تلك التحولات في المشهد السياسي التونسي نتيجة ضغوط شعبية استجاب لها في النهاية الجيش وطالب الرئيس التونسي على الرحيل بعد ما يزيد عن الأربعة والعشرين عاماً لحكمه تونس خلفاً للرئيس السابق بورقيبة، في فترة وصفت بأنها الأكثر قسوة وقمع منذ الاستقلال، لتنطلق لدى هذا المواطن العربي تساؤلات كثيرة أهمها: هل يمكن أن يشهد العالم العربي انتفاضات شعبية مشابهة ضدّ الفساد والفقر بعد نجاح الانتفاضات التونسية؟

ليس من التشاؤم أن نرى بأن ما حدث عبر قراءة معمقة بشكل أكبر، سيجعل الأنظمة العربية تعيد النظر في سياساتها تجاه شعوبها، بنفس الوقت سيحفزها وأجهزتها البوليسية على تطوير أدواتها لمنع تكرار ما حدث، ويبدو بنفس الوقت أن تحقيق ذلك سيبدأ عبر إيجاد وسائل أكثر فاعلية في تفريغ غضب شعوبها، وإيجاد وسائل تسكين أكثر جدوى من الاعتقال والقمع ومنع التظاهر، أولى هذه الأدوات المتطورة السماح في بعض التظاهرات المرخصة في عددٍ من الدول العربية وسماح أجهزة الأمن العربية برفع شعارات مؤيدة لما حدث في تونس، والمطالبة بإصلاحات في بلدانها.

رغم أنه لا يمكن التقليل من الدور الشعبي وحراكه، لكن علينا التفريق بشكل حقيقي بين التظاهر السلمي الذي يهدف في النهاية لتفريغ غضب المتظاهرين، وما بين التظاهر الجاد الهادف للتغيير الحقيقي الذي يبدأ من قاعدة شعبية حقيقية قادرة على فرض التغيير القسري على أنظمتها لتحقيق إصلاحات أهمها سياسية واقتصادية.

ولاحظنا مؤخراً أن مسيرات انطلقت في دولٍ عربيةٍ مطالبةٍ هي الأخرى بالتغيير، قوبلت من جانب الأنظمة الحاكمة بتغيرات شكلية مثل تخفيض بعض أسعار السلع، ووعود بتغيرات حكومية على مستوى وزارات ومؤسسات، في حين لعبت بعض الصحافة الإلكترونية شبه الرسمية الأكثر انتشاراً والتي تختفي خلف ستار الاستقلالية والشفافية أخباراً عن مشكلات صغيرة سيجري حلها لتثبيت فكرة أن الإصلاح قد بدأ، لكن هل يمكن اعتبار ذلك كافياً ويرتقي لمستوى الطموح الشعبي العربي الذي بات يطمح بلقمة عيش نظيفة وحياة حرّة كريمة؟ بالتأكيد لا فالتغيرات الشكلية هذه سيقابلها ضغوط وفساد أكبر في جوانب أخرى تجعل من خفض أسعار بعض السلع غطاءً لرفع سلع أخرى، والتغيرات في بعض الحكومات لن يكون إلا تبديل وجوه فقط والأنظمة السارية وقوانين الطوارئ لن تتغير.

الغلاء سيستمر في ظلّ سياسات السوق المفتوح وربط العملة بالدولار الأميركي، والتدخل الأجنبي في اقتصاد هذه الدول، والفساد المستشري بشكل كبير في مؤسسات الدولة، وسيطرة فئات على رأس المال، وتحكم المال السياسي في مجالس الشعب العربية يقابله سيطرة عشائرية متزمتة، وكلاهما أيضاً لن يخدم سوى فئات منتفعة. أيضاً السماح للناس بالخروج للتظاهر ضمن خطوط حمراء، يدل ذلك على أن أجهزة المخابرات العربية بدأت تعي أن هنالك ضرورة ملحة لتطوير الأدوات بدلاً من التمسك بالنموذج التونسي القمعي، أو إحداث تغييرات جذرية، حيث أن التغيير والتطوير سيكون في أدواتها لا في الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتحقيق المطالب الشعبية.

تحولات شكلية وإقالة حكومات

ستبدأ بعض الدول أيضاً إجراء بعض التغيرات على مستوى إقالة لبعض الوزراء، أو الحكومات بأكملها، محملةً إياها المسؤولية عن الغلاء والفساد، كون هذه الحكومات في الأساس ليست فئة حاكمة وإنما مجرد موظفين لدى النظام الحاكم تقوم بدور خدماتي وتتحمل في النهاية المسؤولية.

أما التغيير الحقيقي فهذا حلم لن يتحقق، لكن سيتم تخدير المطالبين بالتغيير بخفض أسعار بعض السلع الصغيرة في حين كل شيء سيبقى يرتفع، وكذلك ستلجأ هذه الدول لزيادة سعة استيعاب الشرطة والأجهزة الأمنية لتخفيض حجم البطالة في مقابل تدجينهم داخل المؤسسة الأمنية.

بمعنى أن هذا الشباب العاطل عن العمل سيتم استيعابه أكثر في داخل الشرطة وأجهزة الأمن لكسب ولاؤه بدلاً من أن يخرج للشوارع، فهنا تكون الدول العربية حققت لنفسها ثلاثة أهداف رئيسية: الأولى، أنها زادت قاعدة أمنها بزيادة عدد قوات الشرطة ومكافحة الشغب والمخابرات وغيرها من أجهزة أمنية. وثانياً، سيكون ذلك مبرراً لطلب مساعدات أميركية وأوروبية بحجة خوفها على نفسها، وأنها بحاجة للمزيد من الأموال للقيام بإصلاحات اقتصادية، وهذه المِنح التي بالعادة تذهب ضمن محاصصات بين الأجهزة الأمنية ولا يرى منها المواطن سوى شعارات مرفوعة مطالبة بشد الأحزمة، بمعنى أنه سيتم توظيف التظاهرات السلمية المطالبة بالتغيير الاقتصادي لمطالبة الدول المانحة برفع حجم المنح كي لا يتم قلب أنظمة تسميها الولايات المتحدة معتدلة، وتقوم على أنقاضها حكومات متطرفة تنتمي لمحور الشر. وأخيراً ستكون عبر تلك الإجراءات قد خفضت من الاحتقان الشعبي عليها.

مباركة رسمية عربية للشعب التونسي

استكمالاً لذلك المشهد القائم والموظف رسمياً، ستقوم غالبية الأنظمة العربية قريباً بمباركة خطوة الشعب التونسي وحقه في خياراته، كما صدرت التصريحات الأولية عن البيت الأبيض، الذي نعى أحد حلفاءه بقوله إنه يبارك الخيار الشعبي، وهذا ما ستفعله بقية الدول العربية وهي خطوة سترضي إلى حدٍ ما شعوبها، ومن جانب أخر ستكون خطوة دبلوماسية لفتح علاقات جديدة مع نظام الحكم القادم في تونس ليكون أكثر اعتدالاً عبر توجيه رسائل واضحة له ليكون إنموذجاً لسابق عهده مع بعض التغيرات الشكلية ليحفظ بقاؤه.

انتقال العدوى للدول العربية

كما ويمكن لمراقب ردود الفعل الشعبية العربية، أن يلمس تفاؤلاً واضحاً باتجاه انتقال عدوى التغيير الجذري الذي حدث في تونس لدولهم، ومثال ذلك ما يمكن أن نراه بشكلٍ جلي في المواقع الإلكترونية المعارضة العربية، وتحديداً تلك التي بدأت بوضع سيناريوهات للحالة المصرية أو اليمنية وغيرها، لكن ربما ما لا تدركه هذه الصحافة الإلكترونية أن الحالة المصرية على سبيل المثال إذا ما تمت مقارنتها بدول الخليج مثلاً أو بدول مثل الأردن والمغرب والجزائر وليبيا، فكل دولة عربية لها خصوصيتها ومعطياتها المختلفة عن الأخرى.

الحالة المصرية

في مصر، الاحتقان أعلى بكثير من تونس منذ مدة سابقة، وبدأ بشكل أكبر منذ الحديث عن عملية توريث الحكم الجمهوري، لكنه لم ينجب حتى الآن، لكن التوجه في مصر يشير لتدخل أميركي سري سيكون باتجاه الانقلاب على نظام حكم محمد حسني مبارك لسبب؛ أن مصر تشكل واحدة من أهم دول الجوار المحاذية الحدود مع إسرائيل من جانب، ومن جانب أخر حكومة حماس في غزة، بالتالي ضمان استقرار مصر أولوية أميركية ملحة ستتدخل حتى لإسقاط نظام لإيجاد نظام أقوى لضمان حدود أمنة لإسرائيل والحفاظ على محاصرة حركة حماس، لكن هذا الخيار ليس مطروحاً إلا إذا شعرت الولايات المتحدة بخطر حقيقي يحدق في النظام، وهذا ما نلمس بعض الإشارات إليه في بعض الصحافة الأميركية اليمينية.

لكن المؤشرات الأكثر إيجابية، لا تتمثل بمثل هذه الخيارات، وإنما في المؤشرات التي تشير إلى بدايات انهيار أنظمة الاقتصاد الرأسمالي والولايات المتحدة زعيمة التيار الرأسمالي العالمي وهذا ما يبشر بضعف حلفاءه، ولعل الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة أعطت الكثير من المؤشرات على ضعف الولايات المتحدة الأميركية وهرمها، وهو ما دعاها لخوض حروب على شاكلة الحرب العراقية لتعويض خسائرها الاقتصادية ومحاولة ترميم اقتصادها الموشك على الانهيار.

الحالة اليمنية

أما في اليمن، سيما وأن هنالك حقوقيون توقعوا تكرار انتفاضة تونس فيها وفي بعض البلدان العربية، فإن اليمن واضح أن أي تحرك شعبي يتم صبغه رسمياً من قبل النظام بصِبغةٍ إسلاميةٍ متطرفة لمنع امتداده، في ظلِّ تنامي ظاهرة "الاسلاموفوبيا" أو محولات الأنظمة خلق تخوفات في الأوساط الشعبية من المد الإسلامي السلفي الأصولي، فحتى لو كان الحراك من مجموعات يسارية سيتم وسمها بالصفة الإسلامية المتطرفة لتبرير قمعها، وهذا مرده أيضاً السيطرة الأمنية على قطاعات الإعلام في الغالب في هذه الدول.

فالإعلام غير الحكومي في اليمن ضعيف وغير قادر على إبراز الحقائق ومثله في الكثير من الدول العربية مع بعض الاستثناءات، بدليل ما حدث في تونس والذي لقي تغطية إعلامية تونسية وعربية خجولة باستثناء فضائية الجزيرة القطرية وبعض صحف المعارضة العربية، لكن النظام اليمني ضعيف لولا الدعم الأميركي الكبير له كون اليمن قاعدة جغرافية مهمة جداً للأميركان من حيث التواجد القريب من إيران، ولأن اليمن تساعد بفضل موقعها الجغرافي في خلق نصف دائرة حول إيران تبدأ من أفغانستان والعراق والخليج وتنتهي باليمن. ما يعني أن بعض الانتفاضات الصغيرة ستقوم، لكن المأزق اليمني الأخر يتمثل في ضعف قوى المعارضة على قيادة الشعب وتوجيهه، وخلق قاعدة شعبية لها بوصلة واضحة.

القواعد الشعبية العربية وأحزاب المعارضة

في تونس علينا أن لا ننكر أن الانتفاضات الشعبية حفّزت الجيش للتحرك، ليست الانتفاضات الشعبية وحدها من أسقطت النظام التونسي إنما كان واضحاً أن انقلابا عسكرياً من الجيش هو ما اسقط النظام وسيطر على مرافق الدولة والمطارات، وهذا الانقلاب جاء انصياعاً لمطالب شعبية. أي أنه في تونس يمكن أن نصف الحالة بأن الجيش كان وطنياً وانحاز لقاعدته الشعبية على حساب ولاءه لنظام الحكم، أما في اليمن مثلاً فلا يزال الجيش غير مهيئاً لمثل هذه الانقلابات في الوقت الحالي.

وهنالك مسألة أخرى تتمثل في عدم ثقة الشرائح الشعبية العربية في أحزاب المعارضة، وهذا ما سيجعل من الصعب على قوى المعارضة هذه خلق القواعد الشعبية لتحقيق تغييرات جذرية في أنظمة الحكم السياسي، كون بعض الأنظمة حققت الكثير من الاختراقات الكبيرة في جسد أحزاب المعارضة هذه، أو ساهمت في إضعافها وتحويلها لمجرد أحزاب ترفع شعارات مفرغة من محتواها، ما أفقدها ثقة الشارع، بالتالي فقدت قواعدها الشعبية.

بداية تونسية نحو تغيرات عربية

بالرغم مما سلف، إلا أنه من الواضح أن المنطقة العربية ستسير باتجاه انفتاح أكبر على العالم، كون هذا الانفتاح والعولمة ستغطي بشكل أكبر على تحقيق إصلاحات جذرية اقتصادية وسياسية في داخل الدول العربية، فسقوط النظام التونسي أعطي الأنظمة العربية حوافز لتطوير أدواتها القمعية بشكل أكبر وأجهزة الأمنية، وفتح المجال أكبر لتدجين الشباب العربي في داخل مؤسسات الشرطة والأمن وإبعادهم أكثر عن قواعد الجيش وتحقيق اختراقات أمنية أكبر في داخل قاعدة الجيش لمنع أي تحرك مفاجئ له.

كما أن التجربة التونسية أوضحت بشكل كبير أن الجيش لعبة خطيرة، وإن كانت هذه المفردة معروفة مسبقاً، حتى لو غابت عن الأذهان مع غياب الانقلابات العسكرية في العالم العربي منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلا أنها ستعود اليوم بهواجس أكبر في داخل الدول العربية، كما أثبتت التجربة التونسية أيضاً أن الأمن العربي وشرطته هي ولائيه لأنظمتها أكثر من شعوبها بالتالي هناك تخوفات من توسيع هذه القاعدة الأمنية وتوسع شراء الذمم والشخوص على مستوى المثقفين والمعارضة وأحزابها.

سنشهد قريباً مسيرات غضب شعبية عربية كرد فعل طبيعي شعبي لتنامي الفقر والفساد السياسي، محفوفاً بالأمل فيما حدث في تونس، وسيتم التغاضي عنه من قبل الأنظمة الحاكمة جزئياً وبشكل حذرٍ جداً ومرتقب، لتفريغ الشحن الحاصل في الأوساط الشعبية، فهنالك فرق بين التظاهرات السلمية للهتاف التي تسعى لتفريغ غضب الشارع وحالة الشحن وبين الخروج لتحقيق مطالب تبدأ بإغلاق مكاتب حكومية ومنعها من مزاولة أعمالها كما حدث في تونس في محاصرة المتظاهرين لوزارة الداخلية.

مهند صلاحات

كاتب وإعلامي فلسطيني

salahatm@hotmail.com