مع الرئيس السوداني قبيل إعلان التقسيم: هل من تعريف للشمال السوداني؟

بقلم: محجوب حسين

كانت طفرة بكل المقاييس، بل نقلة نوعية وكمية في فكر وفلسفة منظومة الحركة الإسلاموية النيلية في السودان، لحل أزمة السودان في جنوبه، فبعيدا عن كليشيهات السياسة وإجراءات الشكل التي نشهدها، مثل الاستفتاء كتقنية، نسب التصويت ونتائجه، أجواء التصويت، مراقبة التصويت.. إلخ، لاستكمال إجراءات فصل الجنوب السوداني وليس انفصاله، كما تقدمه مؤسسة الحكم الإسلاموية النيلية أو بالأحرى - خوارج الإسلاموية الانتباهية النيلية السودانية الجديدة - آخر طراز منتجات طفيليات فكر 'المافيا' الإسلاموية الحركية في السودان، لأن المؤكد أن هناك هوة مفاهمية واسعة ما بين الفصل والانفصال، حيث ان الأول فعل مبرمج ومدروس ومقنن، فيما الثاني هو نتيجة إجرائية للفعل، وإننا في الحالة السودانية أمام فعل منظم، أي فعل الفصل.

خوارج إسلامويي النيل وفصل السودان

المثبت والواضح في سيناريو فصل الجنوب السوداني، وبعيدا عن كل صيغ ومسوغات شرعنة الفصل عبر شرعة حق تقرير المصير لشعب الجنوب - كحق قانوني خضع للتسييس والتوظيف والالتفاف من طرف نخبة فصل السودان - وما تبع ذلك من إجراءات، بل هي ترتيبات لما بعد الفصل - هو أن النخبة الإسلاموية النيلية الشمالية، وعلى قلة عددها وضحالة توجهاتها، قررت في رسم ملامح جديدة لما يعرف بالسودان سابقا، ليس سلة لغذاء العالم، بقدر ما هو سلة لنفاياته وطفيليات فكره، وذلك بفصل الجنوب السوداني، إذا القرار هو قرار النخبة الإسلاموية "العربية النيلية"، لتستقبله النخبة الجنوبية بعقلانية وموضوعية، وحسنا فعلت لتصحيح جغرافيتها وتاريخها وهويتها الجامعة، ما دامت النخبة الإسلاموية النيلية في الشمال قررت ونيابة عن الآخرين، في ما تبقى من أراضي السودان، في أن لا مجال فيه للتعدد ولا دستورية الثقافات ولا حرية المعتقد والانتماء، على أساس العرق والدين وفق التراتبية العرقية، وتكريس اللادستورية واللاديمقراطية، لبناء دولة النبوة النيلية السودانية الإسلاموية تحت وعاء اللاهوت الديني السوداني، الذي يمكن أن نطلق عليه 'البوكو حرام السودانية'، منهج الإسلاموية الانتباهية النيلية القائمة على إلغاء الآخرين أو الآخر السوداني، عبر أيديولوجيا القتل والجلد والسجن والتشريد حديثا، وممارسة الرق قديما، وفق رأي فقهاء مدرسة الخوارج الانتباهية الإسلاموية النيلية في السودان. لذلك، الأمر كله مفهوم، قرار تقسيم السودان قررته النخبة الإسلاموية النيلية الحاكمة في السودان، مقابل وحدة السودان، التي تعني عمليا انهيار قيم وسيطرة الحكم الإسلاموي النيلي الواقع تحت طائلة المحكمة الجنائية ومفاهيم الطهر السياسي، وأحسبه هو العهر السياسي بعينه كما نرى ونشاهد من مواد إعلامية فجة تقدمها الأجهزة الرسمية والموالية، مواد تبحث عن وضع قوالب لشرعنة الفصل عبر تقنية الاستفتاء، مثل السلام عوض الحرب، العهد بالوفاء، التعايش، احترام إرادة الشعب الجنوبي، الذي دفع دفعا تجاه الانزواء جنوبا بعدما لفظته مؤسسة الحكم النيلي الإسلاموي في التمركز السوداني.. إلخ من حيل شرعنة الانهزام لدى مؤسسة 'الإلحاد' السياسية الحاكمة في السودان.

سؤال ماهية الشمال السوداني!

إذاً الأمر جلي قرارا وفعلا ونتيجة، وما بينهما من أدوات لتمرير الفعل، القرار هو فصل الجنوب السوداني، والفعل والنتيجة يجريان على قدم وساق. لذا يجب القول، وبعيدا عن خطابات التمويه السياسي الذي يمارسه الفاعل ويستقبله المفعول به شمالا وشرقا وجنوبا ووسطا وغربا في السودان، ثمة سؤال يجب أن يطرح، وهو سؤال التفاعل والشرعية، الذي بموجبه تتبلور أفعال كثيرة في ما هو قادم ووشيك الوقوع بالضرورة، ليبقي هو السؤال/ العنوان الأبرز، الذي يتوجب تعميمه والإحاطة به بعد إكمال سيناريو مخطط النخبة الإسلاموية النيلية - لا أقول الشمالية - هو الآتي: ما صحة أن هناك سودانا شماليا، وما ماهيته، حدوده، وهل من تعريف قار لما بدأ يعرف بالشمال السوداني في الأدب السياسي الإسلاموي السوداني حديثا، وما هي اسسه ومكوناته ومنطلقاته، وما شرعية صفة الانتحال التي يمارسها المتحدث/المتحدثون باسمه، وما هي حقوق ملكيته؟.. إلخ، لما يحمله هذا العنوان من استفهامات عديدة تحاول أن تغطي عليها النخبة النيلية الإسلاموية الحاكمة، علما أن شرعية السؤال تجد مرتكزها في ما هو واقع في السودان، الذي تريد من خلاله النخبة الإسلاموية النيلية إعادة صياغة الجزء المتبقي من السودان، جغرافية وتاريخا وثقافة ودينا وحكما وهوية، إننا أمام مرحلة رسم ملامح تاريخ بشري قسري آخر وجديد، لذا يقفز سؤال تحديد مصطلح الشمال السوداني، وبدقة متناهية بدون مجاملات أو ولاءات لاهوتية أو عرقية، لأن واقع الشعوب السودانية وحراكها اليوم ينحو إلى ما أسميه باستحقاق، الشعوب السودانية تجاه تصحيح جدليات التاريخ والجغرافيا والهوية، في ما تبقي من السودان نحو وطن أو أوطان، وكلاهما له مبرره، أيضا لأن طابع القداسة على السودان وحدة أو استقلالا أو جغرافية بات في حكم فكر الأساطير. كما هو في فكر الممنوح والهبة السودانيين، دستورا وقوانين تعبر في غالبيتها عن تكريس سلطة الاستبداد السودانية ذات المرجعية القائمة على نظرية الحق الإلهي الإسلاموي النيلي في الشأن السوداني.

!!'بوكوحرام' نيلية سودانية

بهذا المعنى اننا أمام جدليات في شأن تعريف الشمال السوداني، هل هو الجغرافيا أو العرق أو الدين كمحددات، مع العلم أن بروز مفهوم الشمال هو مفهوم إقصائي أنتجته النخبة المتحكمة في البلاد، طوال التاريخ الحديث للسودان، بعد فشلها في استيعاب وإدارة التعدد السوداني، لإدارة الصراع مع الجنوب السوداني بمفاهيم أيديولوجية قحة، بعيدا عن مفاهيم الصراع الحقيقي، وهو صراع معياري حول تأسيس وإرساء قيم الدولة المدنية، وإنهاء للدولة الدينية والعرقية والجهوية، التي تقام في السودان بين فترة وأخرى، تحت لواء أي شرعنة، أكانت انقلابا أو ثورة او ديمقراطية، لذا من الضروي التأكيد مع التشديد، على ان تعريف الشمال السوداني وأدوات اشتغاله الكامنة بات ضروريا ومهما، بعدما فصل السودان ودفع بالجنوب للانفصال. خصوصا ما دمنا نتحدث عن ملامح لدولة جديدة في الشمال في كل شىء، يتوجب بناء عقد اجتماعي جديد، لأن الواقع الجديد لا يقبل أي تحايل أو تدوير أو قولبة أو تزوير للمفاهيم، والواقع الجديد، كما هو الشأن في السودان المنقرض، لتتكيف - قسرا أو دما - مع منطلقات الحكم الإسلاموي النيلي القائمة علي العرق/ الجهة كمحرك داخلي في الوعي واللاوعي، فيما روحانية الدين توظف حسب صيغ الزمكان، وفي هذا، المؤكد أن اسس العقد الشمالي الجديد إن لم يكتب رضائيا، سوف يكتب بالدم مرة أخرى، والتطبيقات كثيرة كما يفيد التاريخ السوداني. وهو التاريخ نفسه الذي يقول ان معطيات الشمال - إن سلمنا جدلا بأن ما تبقى يمكن أن نسميه شمالا - لا تقبل مطلقا أمام الفرز التاريخي والديمغرافي والمفاصلات التي تمت للشعوب السودانية إقامة طالبانية إسلاموية أو 'بوكو حرام' إسلاموية نيلية سودانية لتتمدد وتتورث للاستحواذ على الباقي السوداني، أو تحت وعاء أي لولبية جديدة غير وعاء المواطنة والدولة المدنية، وغير ذلك، الأجدى التفكير عمليا في الإعداد لميثاق افتراق الشعوب السودانية عوض إعادة فن الصراعات من جديد، لاسيما ان العوامل الداخلية والخارجية متوفرة لإنجاز كل الخيارات المرتبطة هذه المرة ليس بالوطن، بقدر ما هي عضوية الارتباط بالشعوب وثقافاتها وتاريخها وجغرافيتها القابلة للتحرر واكمال التحرير النهائي..

محجوب حسين

رئيس حركة التحرير والعدالة السودانية - لندن