الانكفاء الأميركي الثالث

بقلم: د.جواد كاظم البكري

ذهبت جُل النظريات الاجتماعية الى تشبيه بروز وأفول الامبراطوريات والدول العظمى بدورة حياة الكائن الحي الذي يمر بمجموعة مراحل (الصبا، الشباب، الشيخوخة، ثم الموت). وتسوق تلك النظريات العديد من الامثلة الواقعية على هذا المذهب، بدءاً بالبابليين، ومروراً بالفراعنة والفرس والعثمانيين والانكليز وانتهاءً بالروس. ويبدو أن هذا التشبيه هو الاقرب للواقع، فلو تمعنا في الاية القرآنية "وتلك الايام نداولها بين الناس" لوجدنا أن هذه النظريات أصابت عين الحقيقة، فلا فوكاياما ظل ثابتاً على رأيه بخصوص نهاية التاريخ ولا فايسك أصاب في مقولته الشهيرة "يجب أن لا تبقى الولايات المتحدة أسيرة الحدود الضيقة فالولايات المتحدة هي تلك التي يحددها الشفق القطبي شمالا والاعتدالين جنوبأ، والعماء البدائي شرقاً، ويوم القيامة غربأ".

كانت الامبراطوريات السابقة تحمل بيد عصا وفي الثانية الجزرة، واليوم تتربع على عرش الزعامة العالمية الولايات المتحدة الأميركية ولكنها تحمل اضافة الى العصا والجزرة مفاتيح التكنولوجيا التي جعلتها القوة الوحيدة التي اتسمت زعامتها بسمات لم تتوفر بالزعامات السابقة، فاخذت تتدخل في كل شاردة وواردة هنا أو هناك بغض النظر عن حجم المصلحة التي تجنيها جراء ذلك التدخل، فنراها مرة في الصومال، وأخرى في بنما، وثالثة في غرينادا، وبعدها في افغانستان والعراق...الخ.

في آذار 1992، تسربت إلى الصحف وثيقة أعدت في مكتب وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات بول ولفوويتز وهي أول وثيقة من نوعها تصدر بعد انتهاء الحرب الباردة وقالت سطورها ما يلي:

"إن الاهتمام الأساسي الذي ينبغي أن تنشغل به الولايات المتحدة دون سواه لابد وأن يتمثل في منع نشوء أي منافس لها على ظهر الأرض..وهذا الهدف يقتضي منا أن نحول بين أي دولة أو قوة معادية أن يكون لها أي سيطرة على أي منطقة.. فيما نعمل على إقناع الآخرين.. بأن لا يطمحوا يوما إلى أي دور أكبر.. ويستوي في ذلك الأصدقاء والأعداء".

والواقع أن الانتصار في الحرب الباردة (كما تقول نانسي سودربرغ مؤلفة كتاب "خرافة الدولة العظمى")، وتداعي ومن ثم زوال الخصم السوفييتي، أسفرا عن انتشار تيارين سياسيين داخل المجتمع الأميركي ذاته.

تيار يقول: الآن.. وبعد استرداد الأنفاس، تستطيع أميركا أن تسترخي وتريح بالها، ومن ثم تنسحب بهدوء وأمان من دوامات المشكلات التي تؤرق عالمها وتقضّ مضاجع زمانها، وأن تقبع أميركا داخل حدودها الطبيعية مستريحة وادعة بين محيطين هما الأطلسي من الشرق والباسفيكي من الغرب تنعم براحة البال بعيدا عن صداع المشاكل والتعقيدات وقد تستمتع بمكانة الدولة العظمى ولو من ناحية الشكل البروتوكولي كما قد نسميه، دون أن تدفع ثمنا، أي ثمن لهذه المتعة المجانية على مسؤوليات الدولة العظمى التي يجب أن تحملها على عاتقها تجاه العالم الذي أحلّها هذه المكانة.

تيار آخر يقول عند الطرف الآخر من نفس المعادلة: الآن، وبعد تحقيق الفوز على الخصم (الشيوعي) بات الميدان مفتوحاً لكي تتسلم أميركا مقاليد ضبط الأمور في العالم إن لم يكن من باب الأبهة، فالأولى من منطلق المسؤولية.

وفي هذا المجال فقد ظهرت في مدة رئاسة كلينتون تداعيات هاذين التيارين بصورة جلية، فقد ظل كلينتون يواجه معارضة صلبة إزاء وضع وتطوير سياسة خارجية لا تقع ضحية لأي من تلك الخرافتين.. والحق أيضاً أنه حين فاز الجمهوريون بأغلبية في مجلس النواب عام 1994 فقد كان ذلك يعني اكتساب دعاة العزلة مزيداً من النفوذ بما أتاح لهم السيطرة على محفظة النقود، فكان أن عملوا على تحجيم وتعويق جهود الرئيس (الديمقراطي) في التعاطي مع صراعات العالم والسعي نحو المشاركة في مواجهتها بما يشمله ذلك من جهود صنع السلام والحد من انتشار الأسلحة.. وحماية البيئة. عند الضفة الأخرى من القضية كان هناك المتحمسون لدور الشرطي الأميركي الذي يتولى بحكم قدراته الهائلة وموارده الثرية ومكانته السوبر ـ مهمة تنظيم شؤون العالم.

على خلاف هذا المسار، بل على النقيض منه، جاءت رئاسة جورج دبليو بوش في ملابسات حملته الانتخابية التي أفضت إلى فوزه على منافسه الديمقراطي آل غور، ثم في الأشهر التسعة الأولى من ولايته الرئاسية الأولى حيث كان السعي من أجل تباعد أميركا عن مشكلات عالمها والاهتمام ـ ربما إلى حد الانكفاء ـ بقضاياها الداخلية.

في هذا السياق كان هناك تيارين كانا يتجاذبان ولاية الرئيس بوش الأولى وهما: تيار الواقعية الذي استهدف أصحابه العودة إلى مواصلة سياسة الرئيس بوش الأب حيث كان اعتماد نهج يتسم باعتدال أكثر وطموحات أقل إزاء السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وتيار الهيمنة الذي استهدف أصحابه العودة إلى مواصلة سياسة الرئيس رونالد ريجان وهي سياسة تقول: أما وقد قُيضَ لأميركا أن تكون القطب الأوحد في العالم فقد بات بوسعها، بل وأصبح من مقتضيات مكانتها، أن تستخدم جبروتها العسكري كي تجبر العالم على أن ينصاع لرغباتها ولكي تُحول دون قيام أي قوة أخرى قد تنافسها.

بيد أن المشكلة أن آل الأمر إلى أن سقط الرئيس بوش بين حبائل خرافة الهيمنة والانفراد بالسيطرة، خاصة بعد فترة الشهور التسعة التي استهل بها وجوده في مكتب الرئاسة البيضاوي بالبيت الأبيض وهي أشهر الصراع بين تياري الواقعية والهيمنة.. حيث ساد نوع من الفوضى أو الحيرة أو الارتباك في مقاربة الأمور وخاصة من حيث أساليب التعامل مع القوى الكبرى الأخرى ـ الصين وروسيا ـ فضلاً عن نهج التعامل مع قضايا الشرق الأوسط وكوريا الشمالية.

وزاد الأمر اشتعالاً وقوع أحداث سبتمبر 2001 فكان الانحياز الكامل والتكريس التام لتيار الدعوة إلى أن تمارس أميركا كامل هيمنتها على أمور عالمها وأن لا تتورع عن استخدام جبروتها العسكري، خاصة وقد جاءت تلك الأحداث لتطرح صورة مستجدة تماماً لم تعهدها أميركا ولا عالمها ولا شعبها، وفي ضوء هذا الفوز لتيار الهيمنة أو خرافة الهيمنة جاء قرار الرئيس بوش بغزو العراق، بعد سيطرة الصقور على أجواء البيت الابيض وكان في طليعتهم: تشيني، نائب الرئيس ومعه اثنان من غلاة جماعة المحافظين الجدد وهما ريتشارد بيرل وبول فولفوتز (كان الأول مستشاراً ستراتيجياً للبنتاغون فيما كان الثاني نائباً لوزير الدفاع) على أن هؤلاء الصقور الثلاثة كانوا بمثابة تركة موروثة من أيام رونالد ريجان فيما كان رئيسهم دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع السابق) ينتمي إلى حقبة أبعد حكم فيها الجمهوريون أيضاً هي حقبة جيرالد فورد.

والمشكلة هي أن أصبحت إدارة بوش الابن.. أقرب إلى نسخة محدثه من إدارة ريجان، إذ يوجد أكثر من تماثل شديد أو تقارب عميق بين الرئيسين: لقد جاء كل منهما بعد إدارة ديمقراطية: كارتر بالنسبة لريجان وكلينتون بالنسبة لجورج بوش، وكان تصور الرئيس الجمهوري المستجد أن سلفه الديمقراطي قد أضاع هيبة أميركا وألحق أفدح الأضرار بسمعتها وهيبتها ومصالحها.

وهكذا انتهت أساليب البراغماتية التي تشكل جانباً بارزاً من شخصية أميركا.. بمعنى الروح العملية والنهج الواقعي في معالجة الأمور، وكان هذا نهج الحزب الديمقراطي ليحل محلها توجهات مذهبية وقناعات إيديولوجية ترى أن العالم ينقسم بالحسم والضرورة إلى شطرين.. أبيض وأسود.. ملائكة وشياطين.. أخيار وأشرار.

وكان أن اتسم الرئيسان ريجان وبوش بعدم الاكتراث بآراء الحلفاء خارج الحدود، وبالمبالغة في تكديس الأسلحة وتعزيز الجبروت العسكري للولايات المتحدة.. رغم أن هذا الإنفاق الهائل على النواحي العسكرية.. مصحوباً، كما هو متوقع ومعروف، بتخفيضات الضرائب على نحو ما يبادر إليه عادة قادة الحزب الجمهوري في أميركا ـ ما لبث أن أفضى إلى تفاقم الدين الداخلي في البلاد ومن ثم إلى ارتفاع معدلات البطالة.

والمتابع للسياسة الاميركية يجد أن أميركا أنكفئت على نفسها في سياستها الخارجية مرتين، المرة الاولى قبل الحرب العالمية الاولى، ورجعت الى سياسة التدخل مرةَ اخرى بعد الحرب العالمية الثانية، والانكفاء الثاني بعد نكبة فيتنام ورجعت الى سياسة التدخل بعد تولي رونالد ريجان الرئاسة الاميركية في عام 1980.

الانكفاء الأول

يعود هذا التقليد في السياسة الخارجية الأميركية إلى العقود الأولى من إنشاء دولة الولايات المتحدة ذاتها حيث اشتهر مذهب مونرو الذي طرحه الرئيس الأسبق جيمس مونرو عام 1823 ويقضي بتنبيه، أو بالأدق، تحذير العالم من التدخل في نصف الكرة الغربي فقط ـ غربي المحيط الأطلسي الذي رأته دولة الولايات المتحدة الفتية ـ وقتها مجالها الحيوي الخالص، وعرف جيمس مونرو بمبدئه الشهير الذي عرف بعد وفاته بعشرين سنة بمبدأ مونرو، منع الولايات المتحدة بمقتضاه من التدخل في الصراعات الخارجية، ودفعها للانزواء والاهتمام بالشؤون الداخلية.

الانكفاء الثاني

حصل الانكفاء الاميركي الثاني بعد هزيمة الولايات المتحدة الاميركية في فيتنام، إذ عاد الرئيس الديمقراطي كندي باميركا الى مبدأ مونرو، ولم ترجع اميركا الى سياسة التدخل الا عندما جلس الرئيس الجمهوري رونالد ريغان في المكتب البيضاوي، فعندما كان رونالد ريغان مرشحاً لرئاسة الجمهورية في أثناء حصار السفارة الأميركية في طهران ألقى خطاباً في نيوهامشير يوم الخامس والعشرون من شهر شباط/1980 قال فيه: "بعضنا كبير في السن إلى حد يستطيع معه أن يتذكر سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، كان بوسع الأميركي أن يكون في أي مكان من العالم، أن يعيش ثورة في واحدة من جمهوريات الموز أو حرباً، كل ما كان يتوجب عليه فعله أن يرفع علماً أميركياً صغيراً فيجتاز تلك الحروب من دون أن يستطيع أحد أن يرفع أصبعاً في وجهه لأنه كان معروفاً أن الولايات المتحدة ستهب بنجدة أي من مواطنيها حيثما كان، كيف تركنا الأمور تتغير؟ لن أعرف ذلك أبداً".

لعل هذا الكلام الذي أطلقه ريغان في ذلك الوقت، أثر تصاعد عمليات الاختطاف في بيروت ومناطق أخرى من العالم كموجة جديدة يمارس من خلالها خصوم أميركا هواياتهم في تلك المرحلة، بمثابة تعبير عن عنجهية الولايات المتحدة ولا معقوليتها في معالجة متاعبها السياسية والاقتصادية.

الانكفاء الاميركي الثالث

تتضافر عدة عناصر لبناء قوة الدول، وعند الحديث عن عظمة دولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية فإن عناصر القوة فيها قد تم بناءها عبر تاريخ طويل، وليس هذا فحسب فإن مناخاً مناسباً كان لازماً لابراز عظمتها بالشكل الذي تبدو فيه، وهذا المناخ قد شكلته الحرب العالمية الثانية من خلال عدة رسائل من اهمها:

الرسالة العسكرية: برزت فيها الولايات المتحدة كقوة نووية بتسديدها الضربات القاتلة لليابان.

الرسالة الاقتصادية: مشروع مارشال: وهو المشروع الاقتصادي لاعادة اعمار اوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية الذي وضعه الجنرال جورج مارشال رئيس هيئة اركان الجيش الاميركي اثناء الحرب العالمية الثانية ووزير الخارجية الاميركي الذى اعلنه في عام 1947 تم لموجبه تخصيص مبلغ 17 مليار دولار اميركي لأعادة اعمار وتشغيل الاقتصاد والمصانع الاوربية.

الرسالة السياسية: مبدأ ترومان الذي أعلنه الرئيس الأميركي هاري ترومان في عام 1947، وهو عباره عن توجه جديد في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، توجه يحدد معالم السياسة الخارجية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وكان هذا التوجه قائماً على تدخل الولايات المتحدة في شؤون العالم بهدف احتواء انتشار الشيوعية في العالم، بالقوة إذا اقتضى الأمر.

الرسالة الاجتماعية:الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.

وبالتدقيق يجد المتابع أن الولايات المتحدة التي برزت كقوة لا يمكن لعدو أن يقف في وجهها حتى أواخر القرن العشرين قد عجزت عن تطوير سلاح تتمكن به من حسم المعارك بشكل أكيد، وأن جيشها لم يبد كفاءات يستطيع بها إرهاب العدو، فلا التضحية من سماته ولا الصبر كذلك، وفوق ذلك فإن التقارير الأميركية تتحدث عن حالة إرهاق شديدة يعاني منها أفراده وأنه غير قادر على خوض الحروب الطويلة أو على فتح جبهات أخرى خارج العراق وأفغانستان.

هذا الضعف العسكري للجيش الأميركي وعجزه عن حسم المعارك قد أفقده هيبته الدولية، فطمعت بالولايات المتحدة الدول الكبرى الأخرى وتجرأت عليها وأحياناً بشكل فيه استفزاز كما في طلب الرئيس ألاوزبكي كريموف وبدفع من روسيا - بعد أن رأت حجم الورطة الأميركية في العراق وأفغانستان- من أميركا أن تقوم بإخراج قاعدتها العسكرية "كرشي" من أوزبكستان في غضون ستة أشهر غير قابلة لأي مفاوضات، وكثر تجرؤ الدول الأوروبية على الولايات المتحدة فقامت فرنسا بالاتفاق مع دولة الامارات العربية على بناء قاعدة عسكرية فرنسية فيها هي الأولى للدول الأوروبية التي تنافس الوجود العسكري الأميركي في تلك المنطقة، بعد أن كانت الدول الأوروبية تحاول الحصول على أي مشاركة في حفظ أمن الخليج الذي كانت تستفرد به الولايات المتحدة.

وفي النتيجة يمكن الجزم بأن حربي العراق وأفغانستان قد عملتا على تآكل العظمة العسكرية الأميركية بشكل لم يكن منظوراً عند التخطيط للحرب، الأمر الذي لم تفعله هجمات 11 سبتمبر ولا أي هجمات مماثلة محتملة على الأراضي الأميركية، وهذا التآكل يشمل هيبة الجيش الأميركي وجنوده ويشمل كذلك آلياته، ففي التصنيع العسكري فضلاً عن حديث الجنرالات الأميركيين عن إنشغال كافة أسراب الطائرات المقاتلة الأميركية حول العالم بالحرب في العراق، إلا أن أحداثاً أخرى جديرة بالملاحظة، فمثلاً أسطول طائرات (F-15) قد تقادم كثيراً مما اضطر الجيش الأميركي الى إخراجه بالجملة من الخدمة أثناء الحرب في العراق، وهذا يحد من القدرات الهجومية لسلاح الجيش الأميركي إذ تم إخراج 500 طائرة مقاتلة، ويمكننا تصور أن الكثير من اساطيل الجو الأميركية تقترب من استنفاذ طاقتها وعمرها بسبب كثافة الطلعات الجوية التي تم استخدامها فيها، وهذا تآكل فعلي للقوة الجوية الأميركية.

وهنا قد يبرز سؤال بأن الولايات المتحدة ومصانع لوكهيد قادرة بالتأكيد على إنتاج مثيلات هذه الطائرات إن لم يكن على انتاج طرزٍ أكثر تطوراً، وهنا يبرز الخطر الجديد الذي يواجه عظمة الولايات المتحدة وهو الضعف الاقتصادي بما لا يمكنها بشكل أكيد من تنفيذ كافة خططها في التصنيع، وبخاصةً بعد الأزمة المالية التي لازالت تعاني منها.

وفي مجال التطوير العسكري الجوي حذر قائد أميركي بأن الطائرة الصينية (جيان 10) الجديدة المتفوقة على كافة الطرز الجوية الأميركية تهدد بقلب المعادلة الجوية، وإذا ما قرنت هذه المسألة بامتلاك الصين طاقات اقتصادية جديدة وفقدان الولايات المتحدة المستمر للقوة الاقتصادية فإن الصين يمكنها أن تكون قوة جوية تهدد مكانة الولايات المتحدة في الطيران العسكري وتقضم من أسواقها الدولية، بل إن الكثير من الخبراء والسياسيين ينظرون بانبهار وحذر الى السرعة التي تضع فيها الصين نفسها في مصاف الدول الأربعة المنتجة للسلاح بقدرات ذاتية تامة في مجال إنتاج غواصات نووية وطائرات إنذار مبكر ومدمرات وصواريخ عابرة للقارات وأنظمة قيادة وسيطرة تعمل بالحاسوب.

هذا على الجانب العسكري، أما في جانب القوة السياسية نجد أن الولايات المتحدة تفقد من نفوذها السياسي عبر العالم وأن مسائل اقتصادية وغير اقتصادية تقودها الى بذل المزيد من الجهود على الداخل الأميركي مما يفقدها التركيز الذي تمتعت به لعقود ما بعد الحرب العالمية الثانية على سياستها الخارجية.

أما نفوذها في الخارج فإن الطموح الأميركي بجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أميركياً قد دفعها للتنكر لكافة الدول الكبرى في العالم، وكاد النجاح الأميركي الذي توقعه ساستها من المحافظين الجدد أن يضمن لأميركا نفوذاً واسعاً ومتفرداً حول العالم، لكن هذه الأحلام قد تحطمت في العراق فكان أثر الفشل في العراق على أميركا بالغ الشدة سياسياً على النحو التالي:

أولاً: اندفعت الدول الكبرى توجد المتاعب للولايات المتحدة وتقضم من نفوذها عبر العالم، وكانت هجمة هذه الدول على المصالح الأميركية أكثر وأشد جرأة من ذي قبل مندفعة بالحنق على سياسات التفرد الأميركية، فقامت بريطانيا وفرنسا تؤازرها دول أوروبية أخرى بخلع نفوذ أميركا من موريتانيا وتهديد نفوذها في القرن الأفريقي في الصومال وكينيا وزيمباوي حالياً، وهددت نفوذها في لبنان وفي القضية الفلسطينية بشكل ملموس، ووضعت الولايات المتحدة قيادتها الجديدة لجيوشها الأفريقية في ألمانيا بسبب تخويف الدول الأوروبية للحكام الأفارقة من قبول استيعاب هذه القيادة على أراضيها، وفي باكستان وإن كان ذلك استغلالاً للأخطاء الماحقة التي وقعت بها إدارة بوش في أفغانستان وباكستان، وفي أميركا اللاتينية تواجه السياسة الأميركية نزعات قوية ومتزايدة للتمرد على نفوذها في القارة التي كانت حصن أميركا الحصين.

أما روسيا فإنها قد سددت ضربات كبيرة للنفوذ الأميركي في آسيا الوسطى فأخرجت معظم القواعد العسكرية الأميركية من تلك المنطقة وعملت على تهديد النفوذ الأميركي في جورجيا وأوكرانيا، وبهذه الأعمال فإن المد السياسي الأميركي في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق قد أصبح جزراً.

وتحاول روسيا بما تملكه من موارد الطاقة فصل الصين عن النفوذ الأميركي في إمدادات الطاقة فقامت بتوقيع العقود معها لمد أنابيب النفط والغاز، وأشركتها في آسيا الوسطى لتطوير حقول الطاقة هناك عبر تأسيس وتنشيط منظمة شنغهاي للتعاون الروسي الصيني، بل إن كازاخستان قد أخذت تراجع كافة عقود الطاقة مع الشركات الأميركية لا سيما شيفرون تمهيداً للتنصل من تلك العقود وبالتالي حرمان الولايات المتحدة من مكاسبها التي جنتها خلال التسعينات في مجال الطاقة في منطقة بحر قزوين.

ثانياً: خلق الفشل الأميركي في العراق عملية إعادة نظر تكاد تكون شاملة في الستراتيجية الأميركية التي ابتدعت أثناء رئاسة بوش الإبن، فأدى ذلك الى خروج قيادات القرن الأميركي الجديد (المحافظين الجدد) من الحكم في واشنطن أمثال ريتشارد بيرل وولفويتز وجون أبي زيد ورامسفيلد وغيرهم كثير وكان خروجهم بالجملة على أثر انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي نهاية عام 2006، وأدى الى ما يشبه تنصل أميركا من سياسة الحروب الوقائية التي ابتدعها المحافظون الجدد وأرادوا بواسطتها بسط النفوذ العسكري والسياسي الأميركي عبر العالم. ولعل شعار التغيير الذي يرفعه أوباما وهو أحد مرشحي الحزب الديمقراطي للرئاسة يكشف بما يلاقيه من دعم أميركي عن إعادة نظر كبيرة في السياسة الأميركية، وأن الكثير من الساسة الأميركيين يرون النجاح في العراق فقط عن طريق تمكن واشنطن من نزع نفسها من العراق دون أن يؤدي ذلك الى توليد مخاطر أكبر للسياسة الأميركية.

ومجمل القول ان الولايات المتحدة باتت في وضع تخسر فيه أكثر مما تكسبه على الحلبة الدولية وأن مسألة الأقطاب المتعددة دولياً ترسم نفسها فعلاً دون أن تتمكن القدرات الأميركية من فرض التفرد. بل إن الادارة الأميركية القادمة قد تكون بصدد الاعتراف العملي بتعدد الأقطاب الدولية أي أن تضع حداً للأحلام الأميركية بالتفرد بشكل نهائي. ومن ناحية أخرى فإن المنافسة الداخلية في أميركا في طرح حلول للخروج من الورطة العراقية توجد الشكوك داخلياً حول أي طرح مما يوهن من عزيمة القادة في تنفيذ السياسات العملية، وهذا يجعل فشلها أرجح وأقرب من النجاح.

فلو عدنا الى الخيارات الاربعة التي وضعتها لجنة بيكر - هاملتون لوجدنا أن:

الخيار الأول: الانسحاب المفاجئ من العراق. لكن جيمس بيكر رفض هذا الخيار لأنه لا يليق بالولايات المتحدة أن تهرب. ويتيح لتنظيم «القاعدة» التمدد والانتشار.

الخيار الثاني: كان الاستمرار في تنفيذ الستراتيجية المتبعة منذ الغزو، لكن الفكرة رفضت لأن الفشل كان حليفها منذ الأسبوع الثاني للاحتلال. وأثبتت الانتخابات الأخيرة ان الأميركيين يرفضونها. ووضع الجيش لم يعد يحتمل المغامرة. إذ يقتل حوالي مئة عسكري شهرياً. والتكاليف تبلغ بليوني دولار أسبوعيا.

الخيار الثالث: تسليم العراقيين المسؤوليات الأمنية وسحب القوات من المدن. لكن في ذلك مخاطرة. فغمامة الحرب الاهلية لازالت قائمة وربما يؤدي هذا الخيار الى تقسيم العراق.

استبعدت اللجنة الخيارات الثلاثة، وقررت اعتماد الخيار الرابع

الخيار الرابع: يوصي بزيادة دعم القوات العراقية، ونقل المسؤوليات إليها تدريجاً. ثم يبدأ الانسحاب كلما حصل تقدم في الجانب العراقي، على ان يجري التفاوض مع ايران وسورية للمساعدة في استتباب الأمن والاستقرار، بما للدولتين من نفوذ على العراقيين.

الواقع ان اللجنة الجمهورية - الديموقراطية كانت تدرس خياراً وحيداً هو الخروج من المأزق، من دون أن تلتفت الى ما حصل ويحصل في العراق. فالامر المهم لديها هو انقاذ الرئيس بوش من ورطته، وانقاذ سمعة واشنطن.

إن المتابع لأحوال هذه القوة الجبارة يجد أن تغييرات جوهرية تحصل في قوة الولايات المتحدة الآن ومنذ اختفاء دولة الاتحاد السوفييتي، وإذا لم يستطع قادة الولايات المتحدة إنقاذها فإن واقع حالها الآن أنها بدأت طريقها نحو الهبوط، ويمكننا أن نستقرأ الآفاق الممكنة خلال الفترة المتوسطة القادمة والتي تقودنا بأن طريق أميركا نحو الهبوط طريق ثابت يصعب إنقاذه، وبالتالي فإن مسألة هبوطها ونزولها صارت هي الأقرب الى الواقع المنظور.

وقد لا يكون مثال الانهيار الاقتصادي في روسيا بداية التسعينات مستبعداً بشكل تام عن الولايات المتحدة وإن، وهذا الانكفاء الأميركي حتى وإن كان بدرجة أقل من الانعزال سيؤدي الى تخلي الولايات المتحدة عن بعض مصالحها في الخارج.

د.جواد كاظم البكري

جامعة بابل - العراق