روائي مصري يؤرخ لصراع الجماعات الإسلامية والنظام على السلطة

أبوظبي ـ من محمد الحمامصي
السادات فاجأ الجماهير بكل شيء

رصد الكاتب الروائي "حمدي البطران" في كتابه الصادر عن دار العين مؤخراً بعنوان "تأملات في عنف وتوبة الجماعات الإسلامية" أفعال الجماعات الإسلامية في مصر، وهجومها على الدولة للوصول إلى الحكم، وأفعال الدولة للمحافظة على سلطتها، ثم رصد التحولات التي طرأت على فكر الجماعات الإسلامية وتنظيم الجهاد، وأيضا محاولات الحوار والوساطة، التي تطورت إلى فكرة نبذ العنف ثم تصحيح المفاهيم ومنها إلى ترشيد العمل الجهادي.

وخلال ذلك أكد البطران ـ الذي عمل بالشرطة حتى 2001 وتقاعد على رتبة لواء ـ أن كل الذين فاضت أرواحهم بسبب هذا الحوار الغريب بالرصاص بين الدولة والجماعات الإسلامية مثل "التكفير والهجرة"، و"الجماعة الإسلامية"، و"الجهاد"، كان بسبب محاولات الوصول للحكم من جانب هذه الجماعات الإسلامية، وبسبب الدفاع عنه من جانب الدولة، أما الذين سقطوا سهواً برصاص الجماعات الإسلامية أو برصاص الشرطة المصرية، فهؤلاء لهم الله، فقد ماتوا غدراً.

حتى مجزرة الأقصر المروعة، كانت بسبب رغبة الجماعات الإسلامية في إضعاف اقتصاد الدولة بمنع السياح من زيارة مصر بإرهابهم، كان الدين بريئاً مما يفعلون.

وأشار إلى أنه في اللحظة التي تكاتف فيها العالم لمكافحة الإرهاب بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، عرف أفراد الجماعات الإسلامية الدين الصحيح، وتابوا.

ثم غسلوا أيديهم من دماء المصريين، وطالبوا بالانخراط في العمل السياسي ليكملوا هدفهم بالوصول إلى الحكم عن طريق آخر.

وتساءل البطران: الظاهرة الدموية التي شهدتها مصر منذ بداية الثمانينيات وحتى الأيام الأخيرة الماضية غريبة على الشعب المصري، هل كان هذا نتيجة لتحويل مصر إلى حقل تجارب للنظريات السياسية؟

وقال منذ قيام الثورة وهي تحاول تطبيق نظريات متنوعة في الحكم والسياسة منها الاشتراكية، الاشتراكية العلمية، الاتحاد القومي، هيئة التحرير، الاتحاد الاشتراكي، تحالف قوى الشعب العاملة، الحزب الواحد العلني، التنظيم الطليعي السري، وكان هذا التنظيم يراقب التنظيم الرسمي والعلني، الوحدة العربية، فكرة القومية العربية، وفي مرحلة لاحقة ظهرت المنابر، تعدد الأحزاب طبقاً لقانون صارم، ثم الرأسمالية الوطنية، وأخيراً الاقتصاد الحر بكل قسوته وجبروته.

وأضاف "كل تلك التجارب السياسية طبقت في الخمسين سنة الماضية من عمر الشعب المصري، لأجل هذا كان من الصعب على الشعب المصري أن يستوعب في تلك المدة القصيرة من عمره كل تلك التجارب المتناقضة والتي شهدها جيل واحد من أجياله. والشعب في مصر لا حول له ولا قوة، ولاذ بالصمت! وكان صمته بليغاً، حتى عندما بدأ الرئيس السادات يتخلص من رجال الاشتراكية والحزب الواحد انتظرته الجماهير حتى فرغ من خصومه تماما، وعندما أيقنت الجماهير أن خصومه باتوا في السجون خرجت تؤيده، وعبروا له من خلال المظاهرات المنظمة عن انبهارهم بقدرته على الإطاحة بكل أعدائه في يوم واحد".

ورأى البطران أن الرئيس السادات فاجأ الجماهير بكل جديد، فاجأهم بخلافة جمال عبد الناصر، وفاجأهم بالتخلص من أعوان عبد الناصر، وفاجأهم بنصر أكتوبر، وفاجأهم بزيارة إسرائيل، وفاجأهم بإحياء النشاط الديني في الجامعة، وفاجأهم باعتقال رموز مصر في سبتمبر 1981، وفاجأهم بموته وسط جيشه!

فقد تلقى الرجل وابل الرصاص من جماعات العنف وحوله رجاله وكل أركان الدولة، ما بين خائف ومذعور، وكأنهم يشاهدون شريطاً سينمائياً بارع الإخراج، ثم بدأ شباب الجماعات الإسلامية في الظهور بالجلابيب البيضاء القصيرة واللحى، وانتشروا وسط الناس، وكانوا يشتمون الحكومة، ويلعنون الحكام الكسالى عن تطبيق الشريعة الإسلامية، كان الناس ينظرون إليهم بانبهار، فلم يكن أحد قبل ذلك يجرؤ على سب الحكومة ورجالها علناً.

وكشف البطران أن الناس كانوا ينظرون إليهم بحياد، وعندما قتلوا الرئيس نظر الناس إليهم بإعجاب وترقب، فقد كان الرئيس وقتها ملء السمع والبصر.

وبعد أن قتلوه راحوا يبشرون بمستقبل جديد، ودين جديد، لم يألفه الناس، أخرجوه من بطون كتب ابن تيمية والمودودي وسيد قطب، ومبادئ الوهابية في المملكة العربية السعودية.

حرموا تحية العلم المصري في المدارس، وحرموا الموسيقى والغناء، ومنعوا الناس من زيارة المقابر، وهدموا أضرحة الأولياء، ومنعوا الشباب من الجلوس بجوار الفتيات في مدرجات الجامعة.

وغطوا رؤوس النسوة في الشوارع وأماكن العمل والمدارس، ثم بدأت موجة تكفير كل شيء، وكفروا المشايخ الكبار، وأطلقوا عليهم أوصافاً جديدة، شيوخ السلطة، ومشايخ التليفزيون، ثم تمادوا في الأمر، وتوسعوا في سب الدولة والتقليل من شأنها.

وأضاف الكاتب الروائي ولواء الشرطة المتقاعد أن الشعب كان صامتاً ويري أنها مقدمات لنظام جديد وغامض.

كل هذا رآه الناس واندهشوا، وراقبوهم في صمت، كانت الدولة تقف من كل ما يحدث موقف المتفرج، ولم تقل للناس شيئاً، وكل ما فعلته أنها وصفت هؤلاء الشباب بأنهم إرهابيون.

ومن آن لآخر كانت تندد بتصرفاتهم في أجهزة إعلامها دون خطوة عملية واحدة، إلى أن حان الوقت.

وظهرت البنادق الأوتوماتيكية سريعة الطلقات مرة أخرى في أيدي الجماعات الإرهابية، وبدأت لعبة القتل الكبرى، وشاهدنا جنازات رجال الدولة، في أول الأمر كانت مناظر الجنازات مؤثرة، ثم تلاشى تأثيرها مع كثرتها، وشرعوا في اغتصاب سلطة الدولة شيئاً فشيئاً.

وفي ظلال الحكام المحتملين الجدد اقتصاديون جدد، يرتدون نفس ملابس الحكام، ولهم ذات اللحى، كما كان من أتباعهم ظهر شيوخ أفتوا بتحريم بنوك الدولة، وبشروا الناس باقتصاد منزوع الربا.

عندما فطنت الدولة، وقامت من ثباتها كانت بنوك الدولة قد أخليت تماماً من العملات والعملاء، واكتشفت الدولة أن خزينتها فارغة، واستعانت بالاقتصاديين الجدد لتلبية احتياجات شعبها.

لذا تحركت الدولة بعنف، ودخل المودعون الصغار من أبناء الطبقة الوسطى الذين أودعوا أموالهم ومدخراتهم في شركات التوظيف في مسلسل لم تنته حلقاته حتى اليوم.

ولفت البطران النظر إلى أن الدولة تركت رجال الشرطة وحدهم يقاومون ببنادقهم البسيطة وأسلحتهم البدائية وتدريبهم المتواضع، دون تغطية فكرية وإعلامية وسياسية، تُبيِّن للناس قدسية قتالهم ضد الإرهاب، كانت أساليب الشرطة المستخدمة لمقاومة الإرهاب تصلح بمهارة مع اللصوص وقطاع الطرق في الصعيد والأرياف، أما هؤلاء فلم يجد معهم المخبر ولا المرشد الذي يجمع المعلومات بين الناس، قتلت الجماعات المرشد والمخبر وأمين الشرطة والضابط، ووجدت الشرطة نفسها تقفز في الظلام، عمياء بدون دليل.

وبدت الدولة وكأنها خالية من العلماء والمفكرين والمثقفين والراديكاليين والوطنيين والمخلصين لها.

وأشار إلى مقالين متتالين في جريدة الأهرام في 17 مارس 1993، للكاتب الراحل سعد الدين وهبة بعنوان: هل نحن جادون في مكافحة الإرهاب، وتصادف تغيير وزير الداخلية في الفترة ما بين المقالين، كان مضمون المقالين رسالة تلقاها من ضابط يعمل في الصعيد حسب ما ذكر سعد الدين وهبة، وكان الضابط يشكو من قلة المعدات والسيارات المدرعة، فضلا عن ذلك يشكو سوء أحوال زملائه الاجتماعية السيئة. ولكن أحدا لم يهتم.

وتفاقم الأمر، وانتقلت أخبار الشهداء من الصفحات الأولى إلى صفحات الحوادث، وبدأت الدولة في محاربة الإرهاب بسياسة الضجيج الإعلامي والثقافي.

وحاول نفس الضابط الذي كتب لسعد الدين وهبة الرسالة المجهولة، أن ينبه المسؤولين إلى خطورة الموقف. فكتب روايته "يوميات ضابط في الأرياف" شرح فيها بطريق غير مباشر كل شيء.

وحاول أن يلفت نظر الدولة إلى خطورة ما تفعله الشرطة في الصعيد، وهو نفس ما فعلته فيما بعد في سيناء بعد تفجيرات دهب وشرم الشيخ عام 2005، وقال الضابط في روايته إن هناك نوعاً من التعاطف الشعبي مع الجماعات بدأ يلوح في الأفق، وأنه أثناء المعركة مع الإرهاب ارتكبت الشرطة أخطاء بالغة القسوة، تحملها الناس بصبر وألم.

ولكن الدولة التي كانت تعاني من الإرهاب، قدمت الضابط للمحاكمة. وعصفت بمستقبله الوظيفي.

ورأى البطران أن الناس تعاملت مع الظاهرة الجديدة ببساطة وتلقائية، وأطاعوا الثوار الجدد، لأنهم فعلوا ما عجزت الدولة عن فعله، ما زال الاختلاط ممنوعاً في مدرجات الجامعة، كما خصصت عربات للسيدات في بعض وسائل المواصلات، وأجبروا الدولة على ضم المساجد وصيانتها ومراقبتها، كما أجبروها على الاهتمام بالدعاة وشؤونهم وتثقيفهم والنهوض بهم.

كانت الظاهرة تنمو تحت بصر الدولة، وتحولت من حمل وديع إلى وحش كاسر، ثم تراجعت الظاهرة لأسباب شرحناها في هذا الكتاب، وبدأ شيوخ الجماعة في مراجعة أفكارهم، وقالوا إن قتل السادات كان خطأ، وأنهم يحتسبونه عند الله شهيداً.

هكذا يحاول الكتاب رصد كل شيء، الظاهرة من أولها ومن جذورها الأولى، والكاتب لا يزعم أنه مؤرخ، ولكنه راصد وقاص. رصد الأحداث وعجز عن تكييف دلالاتها.

"كانت عملية الرصد صعبة، وزاد من صعوبتها أن صحفنا كانت تكتبها موجزة خالية العمق والتحليل، وهي خاصية تفتقد إليها مؤسساتنا الصحفية، وحتى عندما تحللها فإنها ترصد الجانب الحكومي فقط. كنت وأنا أرصد أشعر وكأنني أكتب رواية لم أؤلفها، ولم أتدخل في أحداثها. وفي كل عملية الرصد اكتشفت أن أحدا لم يقتل بسبب الدين رغم كثرة القتلى في الأحداث، وقد حاولنا في كتابنا أن نستعرض أفعال الجماعات الإسلامية، وهجومها على الدولة للوصول إلى الحكم، وأفعال الدولة للمحافظة على سلطتها، ثم رصدنا التحولات التي طرأت على فكر الجماعات الإسلامية وتنظيم الجهاد، ثم رصدنا محاولات الحوار والوساطة، التي تطورت إلى فكرة نبذ العنف ثم تصحيح المفاهيم ومنها إلى ترشيد العمل الجهادي".

يذكر أن "حمدي البطران" روائي مصري، لواء شرطة متقاعد، منذ 2001، وله مؤلفات عدة منها رواية "يوميات ضابط في الأرياف" التي أثارت جدلاً وحوكم بسببها.