'الأجساد المحترقة' تكشف معاناة الجزائريين مع نظام الحكم

الانتحار منتشر في الجزائر، لكن النار هي من تلفت الانتباه

الجزائر - بالرغم من الاجراءات التي اتخذتها السلطات لخفض الاسعار، حاول ثمانية جزائريين الانتحار في الايام الاخيرة باضرام النار في انفسهم احتجاجا على ظروفهم المعيشية، في ظاهرة باتت تعرف بـ"البوعزيزية" نسبة الى الشاب التونسي محمد البوعزيزي الذي اشعل انتحاره ثورة اطاحت بزين العابدين بن علي.

وسجلت آخر هذه المحاولات الاربعاء عندما هم أب لستة ابناء يعمل بائعا متجولا باضرام النار في نفسه في مدينة الواد في اقصى الشرق الجزائري قرب الحدود مع تونس، بعد مشادة مع شرطي اراد منعه من عرض بضاعته في السوق.

وعمد البائع ويدعى عفيف حضري الى صب البنزين على نفسه الا انه لم يتمكن من اشعال النيران لان المحيطين به نجحوا في منعه من ذلك، كما افاد صحافيون محليون.

وكان التونسي محمد البوعزيزي الذي اضرم النار في نفسه في تونس ليشعل ما بات يعرف ب"ثورة الياسمين" يعمل ايضا بائعا متجولا وقد انتحر باضرام النار في نفسه بعد مصادرة السلطات بضاعته.

وتكشف المحاولات المتعددة للانتحار في الجزائر مدى الضغط الذي تعاني منه فئة كبيرة من المجتمع لم تجد امامها الا احراق النفس لتسمع صوتها للمسؤولين، كما يؤكد خبراء.

وبحسب الباحث الاجتماعي في جامعة الجزائر توفيق قطوش فان "النار أصبحت رمزا فعالا لإثارة الانتباه" لان الانتحار "ليس ظاهرة جديدة في الجزائر وهي منتشرة بكثرة" لكن الاسلوب الجديد باضرام النار في الجسد "هو الذي جعل وسائل الاعلام توليها كل هذا الاهتمام".

وكانت الجزائر شهدت بداية الشهر الجاري موجة من الاحتجاجات العنيفة ادت الى مقتل خمسة اشخاص واصابة 800 آخرين، غالبيتهم من رجال الشرطة، فضلا عن تسببها باضرار مادية جسيمة.

ورغم الاجراءات التي اتخذتها الحكومة من خلال الغاء الضرائب على السكر والزيت لتخفيض الاسعار، الا ان ذلك لم يوقف الاحتجاجات كليا حتى وان خفت حدتها اليوم واقتصرت على التعبير الفردي عما يسميه الجزائريون "الحقرة" وتعني الظلم المقرون بالاحتقار.

وخلال اليومين الماضيين فقط حاول ثلاثة أشخاص الانتحار باضرام النار في انفسهم، وقد جرت تلك المحاولات في كل من محافظة بومرداس (40 كلم شرق الجزائر العاصمة) والواد قرب الحدود التونسية (650 كلم جنوب شرق الجزائر) بينما شهدت محافظة سيدي بلعباس (460 كلم غرب الجزائر) أول محاولة انتحار لامرأة. ووقعت كل هذه الحالات بالقرب من مقرات البلديات (المجالس المحلية).

ويقول قطوش ان "الظاهرة تسببت فعلا في حرج للدولة على جميع المستويات وكشفت ظاهرة اضرام النار في النفس أن المسؤولين لا يتعاملون مع شكاوى المواطنين بالفعالية اللازمة".

وتحدثت الصحف الجزائرية عن "تعليمات" وجهها وزير الداخلية والجماعات المحلية دحو ولد قابلية للولاة يأمرهم فيها "باستقبال المواطنين كامل ايام الاسبوع بدل تخصيص يوم واحد في الاسبوع كما هو معمول به في الوقت الحالي".

وحاولت صحيفة "الجزائر نيوز" منذ ثلاثة أيام القيام باستطلاع في اروقة المجلس الشعبي الوطني (مجلس النواب في البرلمان) حول المشاكل الاجتماعية التي تدفع الشباب للتظاهر، فتفاجأت ان النواب غائبون ولم تجد من تتحدث معه، فتساءلت "اذا غاب النواب في مثل هذا الوضع فمتى يحضرون؟".

وأصبح كتاب الافتتاحيات في الصحف الجزائرية يربطون مباشرة بين ما أصبح يسمى بظاهرة "البوعزيزية" في تونس والمحاولات المتكررة لتقليدها في الجزائر، على امل ان تكون لها نفس نتائج التغيير الذي احدثته في الجارة تونس.

ويذهب معلق جريدة الوطن الناطقة باللغة الفرنسية الى حد التكهن بأن الظاهرة التي وصلت الى مصر أيضا "ستمتد الى كل الدول العربية التي تسيرها ديكتاتوريات".

أما قطوش فيربط مباشرة بين ظاهرة "الحراقة" وهو مصطلح جزائري يطلق على المهاجرين غير الشرعيين نحو أوروبا باستعمال الزوارق الصغيرة، وظاهرة "حرق النفس" ويقول أن كلاهما "ناتج عن فقدان الامل في تحسن الاوضاع الاقتصادية".

وروى شاهد عيان لوكالة فرنس برس ان متسولا هدد شرطيا في وسط العاصمة باضرام النار في نفسه اذا هو منعه من التسول، وبحسب المراقبين فان ماحدث في تونس والثورة التي تبعت انتحار البوعزيزي باحراق نفسه، جعلت الناس يعتقدون انه بامكانهم تحقيق نفس المكاسب باتباع نفس النهج.

ويقول قطوش ان "الضيق بلغ بالشباب الى حد فقدان القيم الاجتماعية وحتى الدينية" فلم تعد تنفع فتاوى تحريم الانتحار بالنار او بغيرها لمنع كل من يتعرض للظلم من صب البنزين على جسده واضرام النار امام الملأ.